عدت من مارسيليا قبل عدة أيام بعد زيارة لمدة عشرين يومًا، استلمت خلالها بطاقة الإقامة وبطاقة الصحة، وأجريت بعض التحاليل والصور الشعاعية اللازمة لمعرفة أسباب الألم في ساقي اليسرى. هذا الألم المستمر منذ أشهر طويلة دون تحسن، لكنني شعرت ببعض الاطمئنان بعد النتيجة، فما بي هو نتاج متوقع لعدة أمور: التقدم في السن والوزن الزائد والإجهاد. يا إلهي كيف تخوننا أجسادنا عند الاقتراب من سن الشيخوخة مهما كانت أرواحنا حية وشابة ومهما كانت طاقتنا للعيش عالية، لكن للجسد كلام آخر، هو يستند في علاقته مع الحياة إلى ذاكرة الأسلاف، حين كان متوسط عمر الإنسان لا يتجاوز الستين عامًا، بالنسبة إلى تلك الذاكرة أنا الآن في شيخوختي، ومن الطبيعي أن يخونني جسدي الذي لم يستطع حتى الآن التأقلم مع النظرية الحديثة التي تقول إن الستين هي سن الشباب. ربما تحتاج أجسادنا وقتًا طويلًا قبل أن تشكل ذاكرة جديدة عن السن ومتوسط العمر وعن الشيخوخة وأمراضها. لو أن للأجساد زرًا يشبه زر التحديث في أجهزتنا اللوحية نضغط عليه دائمًا لتعيد أجسادنا تحديث الداتا الخاصة بها فلا يحدث هذا التناقض بين طاقتنا المقبلة على الحياة وبين أجسادنا المنكمشة التي تعتقد أن الموت قريب.
الساعة الآن 6:30 صباحًا، استيقظت باكرًا جدًا في أول يوم في بيتي بعد السفر، ثمة ثقل في روحي منعني من النوم، روحي تملؤها الخيبة والخذلان، ليس فقط بسبب ما يحدث في سورية، هذا أمر بدأت اعتياده كما لو أن هذا الخذلان السوري بات قدرًا لا مهرب منه؛ هناك ما يحدث معي أيضًا على المستوى الشخصي، أمر أريد التحدث عنه شعرًا، لا نثرًا ولا قولًا، هذا التوق للعودة إلى كتابة الشعر يثقل روحي، هذه الرغبة في أن أقول مجازًا ما لا أجرؤ على قوله وضوحًا تكاد تخنقني.
إنني متوقفة عن كتابة الشعر منذ مدة، هذا أمر بحد ذاته يقلقني ويثقل ضميري، تتحول الكتابة مع الوقت إلى قيمة من القيم الشخصية الأخلاقية، فإذا ما توقفنا عنها يثقل ضمائرنا شيء يشبه سلوكًا لا يتناسب مع أخلاقنا فعلناه وندمنا عليه. تصبح الكتابة مع الوقت هي المعنى الأكثر نبلًا لوجودنا، فإذا ما اختل قليلًا اختلت معه ضمائرنا؛ "نكتب كي لا يكون مصيرنا النسيان" على رأي محمود درويش. يمكنني أن أضيف هنا أنني أكتب كي لا أنسى خيباتي ولا أنسى من خذلوني ولا أنسى مكابدات هذا الخذلان. أكتب كي أتذكر كل شيء، وكي لا أفقد قدرتي على التفريق بين اللامبالاة وبين الكراهية أو بين التعلق وبين الحب، أو بين الخوف اللحظوي والخوف الوجودي.
الكتابة هي الشعرة الخفية التي تفصل بين كل ذلك، الكتابة هنا أقصد بها كتابة الشعر، مجاز المعنى ومجاز اللغة، اختزال الدفق الشعوري والغضب والأفكار وتكثيف كل ذلك، نبش جيوب الروح والذاكرة والعقل الخفي لإخراج ما يسمونه الوحي: الساحر الذي يحول الألم إلى فراشة والحزن إلى زهرة والقلق إلى سحابة. هل أكمل؟ يصح في قول الشعر كل شيء، فبقدر ما يليق الاختزال في الشعر بقدر ما تليق في تعريفه براحة اللغة. أتحدث عن الشعر لا عن كتابة اليوميات أو كتابة المقالة، كلتاهما تحويان سياقًا تقريريًا، بينما سياق الشعر إنقاذي وإصغائي. ومن هنا تأتي صعوبته وندرته وعصيانه، من هنا أيضًا تأتي فرادته في الفنون: من أنه يصبح شكلًا من أشكال الإصغاء في وقت يتحدث فيه الجميع عن كل شيء من دون أن يسمع أحد الآخر. أنا أحتاج الآن إلى أن يصغي إليّ الآخرون، أن أهمس لهم عما بي، همسًا مجازيًا أيضًا، أن أتوقف عن كتابة الشعر يعني أن أتوقف عن الهمس، أن يبقى صوتي عاليًا، الكتابة النثرية صوتها مرتفع، الشعر صوته منخفض وحساس. أنا أحتاج كثيرًا هذه الحساسية المفقودة حاليًا في حياتي والتي يجعلني فقدها أشعر بوخز في ضميري كما لو أنني ارتكبت إثمًا كبيرًا. إلى هذا الحد تؤثر بي حبسة الشعر، إلى حد الإحساس بالذنب والتقصير وقلة القيمة. كأن قيمتي تصنعها لغتي، ولكن أليس هذا صحيحًا؟ الشعر فن الاختصار، واللغة تضيق كلما اتسعت الرؤية على رأي مولانا النفري، وكلما اتسعت رؤية الكائن كلما ازدادت قيمته في عين نفسه وأعين الآخرين. الشعر/ اللغة المختصرة/ رصيد الرؤية الواسعة/ القيمة الكبيرة.
اتصلت والدتي بي اليوم صباحًا تطمئن عليّ بعد عودتي من مارسيليا، والدتي تقيم في مارسيليا منذ ما قبل سقوط بشار الأسد بشهر، ذهبت هناك كي تجدد إقامتها الفرنسية وحصل ما حصل، لم نسمح لها بالعودة خوفًا عليها من أي حادث طائفي مباشر أو غير مباشر. والدتي الثمانينية عاشت في وسط الشعر والشعراء والكتابة والكتب حيث لا يمكن للطائفية أن تمد رأسها، ليس سهلًا عليها اليوم رؤية ما يحدث، لم يكن سهلًا عليها مطلقًا ما حدث خلال العقد ونصف العقد الماضي، فكيف اليوم والطائفية في أكثر تجلياتها وضوحًا؟
حين أرى طاقة والدتي وإقبالها على الحياة أخجل من نفسي ومن كسلي ومن كآباتي التي لا تنتهي، جيل والدتي من النساء تحديدًا كان يفعل كل شيء من دون مساعدة أحد. ما زالت والدتي حتى اللحظة تعتمد على نفسها بكل شيء. أريد أن أكون مثلها؛ أن أتقدم في السن وأنا ما أزال شابة؛ أن أحافظ على روتيني اليومي كما تفعل هي؛ أن أبقى محتفظة بمسحة من الجمال رغم التقدم في السن؛ أن لا أفقد إحساسي بأنوثتي إن عشت وتقدمت بي السنين. هل هذا يناقض ما أريده من أن أستمر كشاعرة وأن لا أتوقف عن كتابة الشعر؟
ثمة نظرة نمطية عن الشاعرات أنهن لا يكترثن لغير الشعر وأن كل ما دونه يبقى دونه: الأنوثة، الجمال، الأناقة، المهارة في الطهي والتنظيف، الأمومة، الحب. لكن الحقيقة أن الشاعرة ينبغي أن تكون كل ما سبق، أن تهتم الشاعرة بأنوثتها هذا عين الشعر، وأن تهتم ببيتها وأن تتقن الطبخ وأن تعرف كيف تكون أمًا وامرأة عاشقة، هذا عين المجاز، لا في اللغة بل في المعنى. يستغرب بعض أصدقائي كيف أوفق بين أنني طباخة متفردة وشاعرة وأنني قد أقف في المطبخ ساعات عدة من دون تذمر أو تعب، لا أجيب، فقط أتذكر أمي الثمانينية وأبتسم أنني أحمل جيناتها.
تقول أمي إن الحر في مارسيليا اليوم غير محتمل وسيمنعها من أن تذهب للتسوق خصوصًا أنها سوف تضطر لذلك إلى المشي في طلعات قاسية، وتتذكر طرطوس وبيتها وعالمها الصغير هناك. أشعر بالغصة في كلامها وبالشوق. قاسية هي البلاد التي يخاف أهلها من العودة إليها، قاسية هي الحياة التي تجبر سيدة في الثمانين على أن تغير عالمها كله. كيف يحدث هذا وبأي منطق وبأي حق؟ لا أريد الحديث في السياسة ولا أرغب في مقارنات ما، لكنني أريد القول إن سيدة مثل أمي بمن هي عليه ليس لها أن تشعر بالقهر والحزن والحنين، ليس لأي سيدة في هذا السن أن يصيبها ذلك! كلما شعرت بقهر أمي ورأيت غصتها أصاب أنا بالندم.
ما يحدث في سورية اليوم يجعلنا جميعًا نصاب بالخيبة والخذلان، والخيبة حين تتراكم سوف تتحول إلى ندم. لن أتحدث في السياسة لكنني ربما أقول اليوم ما قاله الشاعر منذر المصري ذات يوم وتحمل على قوله ذاك الكثير من الشتائم واللوم والتخوين: "ليتها لم تكن"، وليت السوريين بقوا جميعًا في بيوتهم وقراهم وبلداتهم ومدنهم وبلدهم، ليت أحد لم يغادر سورية، وليت أحد لم يقتل أو يسجن أو يعذب أو يغيب، ليت كل ما حدث لم يحدث، لكنه حدث، ولأنه حدث فهذا يعني أن الخراب قديم. "ليتها لم تكن" هي أيضًا جملة في قلب الشعر، ذلك أنها بقدر ما هي مكثفة بقدر ما تحمله من دلالات واحتمالات لا تنتهي، وبقدر ما هي محملة بالخوف بقدر ما هي جريئة وقوية. وهل الشعر غير كل هذه الأضداد مجتمعة لتشكل المجاز؟


تحميل المقال التالي...