كما جرت العادة، عُدْتُ إلى بيتي بسلع قديمة، وأخرى أقدم، ومن هذه الكتب "القاموس الكبير لعلم النفس" و"تحف الأدب الروسي" و"الطب العائلي"، ويقع الكتاب الثالث الذي نُشِرَ عام 1936 في حوالي 800 صفحة، وأَخْضَعْتُهُ لحمام شمس شأنه شأن بعض الكتب التي اصْفَرَّتْ أوراقها وطاولتها الرطوبة بسبب تخزينها في مستودعات لسنوات أيام كانت القراءة طقسًا يوميًا. لله والتاريخ والقراء، أُضِيفُ قائلًا إن ميزانيتي المُخَصَّصةَ لجولتي الجديدة عبر سوق للسلع المستعملة لم تسمح لي بشراء مجموعة كتب موليير (1924) الذي قرأت عنه الكثير من دون أن أَتَأَثَّرَ بمسرحيته الشهيرة "البخيل"، والذي كنت أنوي شراء كل أجزاء كتبه (25 يورو) مجددًا لتزيين مكتبتي أكثر لا غير، ولأَتَبَاهَى بها أمام ضيوف لديهم الوقت للوقوف أمام رفوف مكتبة للتباهي بأنفسهم مثلي إذا سمحت هواتفهم الجوالة.
نزهة علاجية قبل كل شيء
أَدْمَنْتُ "التَّسَوُّقَ الثقافي" تحت الشمس اللافحة والمطر في الهواء الطلق منذ أن وطأت قدماي باريس في ربيع عام 1991 مكرهًا لسبب شخصي وغير سياسي كما يَعْتَقِدُ الكسالى ذهنيًا، والمُخْتَزِلُونَ للقضايا الخاصة بمقاربات سياسية شعبوية. قلت دائمًا، وأُكَرِّرُ أن المدمن على أسواق السلع المستعملة مثلي لا يَبْحَثُ بالضرورة عن حاجات مادية سبق استعمالها لسنوات، وجاء بها صاحبها لبيعها بثمن زهيد بعد أن أضحى الكثير منها عبئًا يجب التخلص منه، ومن بينها الكتب التي تُثْبِتُ أن الشعب الفرنسي يُعَانِي مثل كل الشعوب، ولو بنسب متفاوتة، من تراجع القراءة بالشكل التقليدي في زمن تكنولوجيا الشاشات الماضية في تهديد البصر والتوازن النفسي. أسواق السلع المستعملة تسمح بنزهة علاجية قبل كل شيء للباحث عن الاخضرار، وللهارب من صخب المدن وضجيج الشوارع والسيارات والازدحام المروري والتلوث - انطلاقًا من هذه الحقيقة التي يُوصِي بتطبيقها أطباء النفس- في الصباح الباكر إذا أمكن، يَقْصِدُ كاتب هذه السطور أسواق السلع المستعمَلة ليس لشراء الكتب وبعض السلع التي تَسُدُّ حاجة في حياته الشخصية فحسب، بل من أجل المشي كالضفدعة فوق المساحات الخضراء وتحت الأشجار الباسقة، وعلى إيقاع زقازيق العصافير وخرير مياه الوديان في كثير من الحالات (إقليم سان إي مارن 77)، وقَطْعُ مسافات طويلة في بعض الأحيان بسيارته الصغيرة المطيعة "2" رغم تواضعها، دليل دامغ على صحة سعيه للظفر بنزهة علاجية تُخَفِّفُ من وطأة غربته، لكنها لا تُنْسِيه إبادة غزة؛ هي نزهة علاجية تَفْرِضُ المشي لساعات كما تمشي الضفدعة، وكبرناديت التي التحقت الأسبوع الماضي بزوجها الراحل جاك شيراك الذي أطلق عليها هذه التسمية بسبب بطئها الشديد عند المشي. إنه المشي الذي يَتَسَبَّبُ في فراق مؤقت بين المتزوجين والعزاب على السواء، ويُفَسِّرُ تواجد الكثير من زبائن أسواق السلع المستعملة فرادى، خلافًا لآخرين يرون أن لذة التجول في مثل هكذا مناسبات لا تتحقق إلا في ظل تواجد جماعي يزيد من بهجتها وبعدها الإنساني كما سيأتي ذلك في سياق لاحق. هذا النوع الاجتماعي يَطْغَى في بعض الأسواق التي تُنَظَّمُ في أحياء حضرية تحيط بها المباني السكنية وليس المساحات الخضراء والغابات، من منظور قراءة سوسيولوجية للزبائن العرب من المهاجرين الذين يَغْزُونَ أسواق السلع المستعملة سلميًا بحثًا عن صفقات مادية لا تَخْطُرُ بالبال في معظم الأحيان شأنهم شأن الفرنسيين الفقراء، الأمر الذي لا يعني أن الفقر هو السبب الأول الذي يَدْفَعُ بمهاجرين عرب يَتَوَجَّهُونَ إلى كل أسواق السلع المستعملة جماعيًا بحثًا عن صيد ثمين تحت الشمس الحارقة والأمطار الغزيرة التي يمكن أن تُفَاجِئَ الباعة والزبائن في أي وقت بعز الصيف.
الثقافة والفنون في أسواق السلع المستعملة
الكتب التي سَتَدْفَعُ بكاتب هذه السطور لا محالة نحو الإفلاس عاجلًا أم آجلًا رغم رخصها الخرافي ـ إذا استمر في إدمانه على القراءة القاتلة للجيب والعيون ـ (50 سنتيم أو يورو واحد ومجانًا في الكثير من الأحيان)، هي الكتب القديمة التي قرأها الوالدان اللذان اعتبرا القراءة أم المعارك الثقافية مثل المؤرخ ستيفان جينيه "3". ليست وحدها الكتب التي تبقى مُكَدَّسَةً على طاولات وفي صناديق باعة السلع المستعملة ـ كما وقفت عند ذلك السبت الماضي في بهو بيت سيدة راحت "تبيع كتبها وكتب ابنتها" على حد تعبيرها، وهي الكتب المُكَوَّنَة من روايات وردية تتوجه للمراهقين بلغتي شكسبير وموليير في الوقت نفسه. تَكَدُّسُ الكتب على معظم طاولات الباعة المتقاعدين المتقدمين في السن بوجه عام ليس أمرًا جديدًا، وبيعهم الكتب العلمية والفكرية والأدبية والفنية الهامة التي لم يعد يهتم بها جيل أصبح أسير الهاتف الجوال، حقيقة تُثْبِتُ صحة اهتمام هذه الفئة بالثقافة والفنون، ولا أدل على ذلك بيعهم أيضًا لوحات زيتية كلاسيكية ومزهريات بديعة وفناجين أقرب إلى مفهوم التحفة ومصابيح عتيقة تفوح بعطر التراث الضارب بجذوره في تاريخ فن العيش الذي أصبح في خبر كان، ومصدر سخرية لدى الكثير من شابات وشبان اليوم. خلافًا للمسنين المتقاعدين، يبيع الشبان والشابات الألبسة والأحذية الحديثة التي تحمل أسماء الماركات العالمية الرائجة بأثمان زهيدة بعد استعمالها في مجتمع يَتَوَفَّرُ على كل الأسباب التي تضمن الصيانة المنتظمة، الأمر الذي يَخْدُمُ محدودي المداخيل من زوار أسواق السلع المستعملة. من بين هذه السلع، ألبسة الرضع والأطفال في مجتمع فرنسي تراجعت فيه نسب الولادات مثل تراجع نسب القراءة، خلافًا لما يحدث في أوساط المهاجرين العرب والأفارقة، الأمر الذي حوّله اليمين المتطرف إلى ورقة انتخابية لتأكيد صحة خطابه القائم على نظرية "الاستبدال الكبير"، والتي كانت حسب المؤمنين بها سببًا كافيًا للتنديد بخطر فوز بالي باياغوكو المنحدر من أصل مالي بالانتخابات البلدية بضاحية "سان دونيه" في الربيع الماضي عن طريق اقتراع ديمقراطي شفاف.
المشي كالضفدعة بحثًا عن سطور قديمة
سلسلة "ألف ليلة وليلة" ذات الأصل الفارسي الهندي، والمنشورة في حلة إخراجية بديعة تُزَيِّنُ الرفوف والعقول والقلوب، والتي لا تمت بصلة للتراث الأدبي الأوروبي، اشتراها كاتب هذه السطور من بائعة مسنة قبل عدة سنوات بعد أن مَشَى كالضفدعة لساعات بحثًا عن السطور القديمة الغارقة في الذاكرة الإبداعية الإنسانية. وإذا كانت السيدة الأولى قد أقنعت كاتب هذه السطور بشراء أجزاء كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي يَعْكِسُ كل أنواع السرد على حد تعبير الراحل أندريه ميكيل "4"، فإن السيدة المسنة الثانية فشلت في إقناعه بشراء سلسلة روايات أغاثا كريستي، بما فيها رواية "جريمة أوريان إكسبرس" (1934) التي تفوح برائحة الجريمة التي اشتهرت بنسج خيوطها الكاتبة البريطانية الشهيرة الراحلة. عادت أغاثا إلى الحياة في معرض عرف إقبالًا منقطع النظير في معهد العالم العربي قبل أن يَكْشِفَ القناع عن الجانب الحميمي المنحرف في شخصية جاك لانغ الذي تَبَيَّنَ أنه ربط علاقة مع المنحرف الجنسي الراحل الأشهر إبستين حسب معظم وسائل الإعلام خارج وداخل فرنسا. الرئيس السابق لمعهد العالم العربي اضطر لأن يَسْتَقِيلَ نافيًا الاتهامات الموجهة إليه بطلب من الرئيس ماكرون حفاظًا على سمعة المؤسسة كما قال، وهي المؤسسة التي تُدِيرُها اليوم كلير لوجندر التي لم تردّ بعد على دعوتنا لمحاورتها حول طريقة تجديدها روح البناية البديعة التي تُطِلُّ على نهر السين بنوافذها التي تفتح وتغلق مع تغير الطقس، وبجدرانها الزجاجية التي تُخَلِّدُ المعماري الراحل جان نوفال.
هوامش:
1 ـ بروكنت: هو الاسم الفرنسي الذي يُطْلِقُهُ الفرنسيون على أسواق السلع المستعملة. "غوغل" يترجمها من العربية إلى الفرنسية "سوق البرغوث" متأثرًا بمعنى قِدَم السلع المستعملة. سلع قديمة، لكنها خالية من البرغوث. سوق الخردة عند آخرين.
2ـ سيارتي من نوع "توينغو"، وهي قديمة وصغيرة، مثل سيارة صديقي عيسى الذي كان يقول لي مازحًا عن سيارته المتهالكة الزرقاء: "الزرقاء متهالكة لكنها مطيعة" (تأخذ الرأي، بالتعبير الجزائري الدارج).
3 ـ كتب المؤرخ ستيفان جينيه يوم 13 من الشهر الجاري مقالًا في صحيفة "لوموند" تحت عنوان "يجب أن نجعل من القراءة أم معاركنا الثقافية". قال فيه: "غلق مكتبات يعد أحد أعراض حضارة تَعَوَّدَتْ على فقدان الرغبة في القراءة".
4 ـ قال ذلك الراحل أندريه ميكيل في كتاب "أندريه ميكيل.. الحكيم عاشق الشرق" الذي صدر لكاتب هذه السطور عام 2023 عن دار "الأمير" بمرسيليا.


تحميل المقال التالي...