}

مِن سِيرةِ الطِّفلِ الأخير

عمر شبانة 27 يونيو 2026
شعر مِن سِيرةِ الطِّفلِ الأخير
(عبد الكريم مجدل بيك)

"لا يحرثُ الأرضَ
سوى عُجولِها
وليس يحميها
سوى خُيولِها
وليس يُجري الماءَ
في محيطها
في نهرِها
وبحرِها
سوى الذي
يفيضُ من سُيولِها"

-1-
هوَ طائرُ الشمسِ الفلسطينيُّ
لا يَنسى عشيقةَ روحِه الأولى
يَرى
أمَّ القُرى حتّا
بداياتٍ وأسئلةً
كأنْ لمّا يكن يومًا
كأنّ النهرَ لم يحبِس خُطاهُ
إلى أريحا
أو كأنّ المَغطِسَ القُدسيَّ
قادَ خطاهُ يا حتّا
ليغرقَ، أو ليصعدَ
في سمائكْ

-2-
لم يبقَ منّي
غيرُ ما أسمَيتُني
لم يبقَ
من طُفولتي
إلّا الذي
قاتلتُ كي يبقى
لِكَي أبقى...
حفِظتُ من طفولتي
حرْفينْ:
كيف أكونُ؟!
كيف أبقى
ذلك الطفلَ الذي كنتُ
وقد بقيتْ
بقيتُ في طُفولةِ
النعناعِ
ذلكَ الطفلَ
وذلك المشاغِبَ الشَّقيَّ
ذلك المنفيَّ
لكنْ ذلك الأميرَ
والبهيَّ
و"الأمّورْ"
الطفلُ شَبَّ
في الحقولِ
في الجِبالِ
في الينابيع
وفي الأساطيرِ
على حوافِّ مَغطِسِ المسيحِ
في قواعد الفدائيّينَ
قرب ذاك النّهرِ
شَبّ في بنادق "الكرامةْ"
كرامةِ ابنِ عمّه الشهيدِ
شَبَّ في سوسنةٍ
وشَبّ في أريحا
الطفلُ كانت حُلمَه حتّا
وكانت قريةَ الدّرويشِ جَدِّهِ
ثمّ هوَتْ
بين خُرافاتِ
الغُزاةِ القادمينَ
في خُيول النارِ والحديدْ

-3-
حفيدَ بُرتقالة وغيمتَينِ
كان في طريق جَدّه
وكانْ
حفيدَ قريةٍ كأنّها
سلالةٌ عتيقةٌ
يجيءُ
مِن سيوفِ جَدِّهِ
أسلافُهُ
كأنَّهم
نخيلُ هذا الزّمنِ
الموغلِ في سوادِهِ
كأنّهُ
من دون أيّ نخلةٍ
من دون أغنياته
يرقص في عتْمتِهِ
هو الذي حكى لنا
حكايةَ الأرضِ التي
يَحْمِلُها أو تَحْمِلُهْ
يغسِلُها فتغسِلُه
وأرضُه حِكايةٌ
ثَوبٌ عتيقٌ
منذُ عهدِ الأرجوانِ
طرّزتْ جَدّتُهُ أذيالَهُ وصَدْرَه
وزيّنتْ مُخْمَلَه
مِن وتَرِ الغناءِ
في أوتارِها
الطفلُ ظَلَّ يقدحُ الأحجارَ
يُشعلُ الأنهارَ والأسوارَ
والفتى
يوغِلُ في أغوارِها
أغوارُها مَوزٌ ونخلٌ
ترتوي من بئرها
وتستحمُّ بالسّماءِ شمسُها
تَسمو كما أسماؤها
كالدّالِياتِ في ربيعها كما
تُطِلُّ مِن أنوارِها

-4-
"والتّينِ والزّيتونِ والبلَدِ الأمينْ"
"والشَّمسِ في سَمْتِ الضُّحى"
أقسمتُ بالليلِ الطويلِ إذا سَجى
وغَدَا لهُ أمواجُهُ الحُبلى
بعَتْماتِ الصَّحارى كُلِّها وسُدولِها
سيعودُ صُعلوكُ "الكرامةِ"
حامِلًا أضواءَهُ بيَدَيهِ
نُورًا للمَدى
ويعودُ يُلقيها
على أصحابِهِ الآتينَ
مِن ليلِ الصّعاليكِ
المدجّجِ بالنّدى
الطِّفلُ جاءَ
وليسَ في أحلامِنا حُلمٌ
ولا في دارِنا عُشْبٌ
ليَملأَ صَدرَهُ
الطِّفلُ كانَ
يغوصُ في طوفانِنا
ويَغورُ في أوهامِنا
الليلُ داجٍ
وهْو يغرقُ
في نَشيدٍ
مِن رمالٍ
مِن سرابِ
فَضائنا الأعمى
ونسْحَبُهُ
إلى جنّاتِ خُلدٍ
حيثُ حَوراواتُنا
في كلّ زاويةٍ
يُزَجِّجنَ الحواجبَ والعيونَ
وحيثُ ربّاتٌ
وأنهارٌ منَ العسلِ المُخمَّرِ
في خوابي الربِّ
أنهارٌ يُخمِّرُها الإلَهُ
وليسَ خمرَ أبي نؤاسٍ
نحنُ من خانَ الفَتى
نحنُ اخترَقْنا الغيبَ،
كلَّ الغيبِ
في ملَكوتِهِ الأعلى
ونحنُ المانحونَ لكلِّ غُفرانٍ
ونحنُ المانِعونْ
ورأيتُهُ
حيثُ الهوى طِفلٌ
خَليليٌّ
دِمشقيٌّ
كما شاءَ المُحِبُّ
بِشَعرِهِ
وبِشِعرِهِ
سوريّةُ الخضراءُ مَوطنُهُ
ومَوطِنُهُ سَماءٌ
لا تقودُ إلى السّماءْ
قلتُ ابتعدْ
يا ابنَ السّماءِ
فنحنُ أبعدُ
ما نكونُ من السماءْ
قلتُ اقتربْ منّي
فصَوتي واضحٌ
ولأنّني أخشى
خَشاشَ الأرضِ
أسقطُ بينَ صَحراءٍ وماءْ
ورأيتُهُ يبكي
فقلتُ تعالَ يا طفلي
تَعالَ
تعالَ كي نشكو
الزّمانَ إلى الزّمانِ
تعالَ
أنتَ لِحافُ لَيلي
أغنياتي للمواسمِ
للربيعِ غِناؤه
أمّا الخَريفُ
فَنَهرُ أيّامي
وأحلامي البعيدةِ
حين أسقطُ
في الهباءْ.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.