}

إلى أيّ حدٍّ تُشبهنا وثائقنا الشخصيّة؟

شيماء قويون شيماء قويون 4 يونيو 2026
يوميات إلى أيّ حدٍّ تُشبهنا وثائقنا الشخصيّة؟
إلسا أنفوسو، إيطاليا

 

1 شباط/ فبراير 2025 صفٌّ طويلٌ وانتظارٌ أطول، أخرجتُ الهاتف من جيبي أُسلّي به نفسي ريثما نادوا باسمي. دخلتُ إلى تطبيق إنستغرام فإذ بالصّورة الأولى التي تبدو أمامي هي لفتاة مُحجبة بابتسامة واسعة للكاميرا كتبت أسفلها: "اليوم يوافق اليوم العالمي للحجاب". أول ما مرّ في رأسي كان سؤالًا استنكاريًا "حتى هو دارو ليه يوم عالمي؟".

لا أدري من أين علا صوتُ الموظّف الذي كان حتمًا يصرخ عليّ "آآآ بنتي جمعي داك تيليفون راه ممنوع في الإدارات". أعدتُ الهاتف لجيبي بسرعة وسرحتُ في تفكيري: في مثل هذا اليوم منذ عشر سنواتٍ مضت كنتُ أقف في هذا المكان بالضبط، بدائرة الشرطة المختصة في استخراج وتجديد البطاقة الوطنيّة، أشياء كثيرةٌ جدّا تغيّرت منذ ذاك الحين. شيءٌ واحد بقي على حاله. شيءٌ واحد لا أملك شجاعة تغييره.

قبلها بأسبوع كنتُ أركض من مكتب إدارة إلى أخرى كي أجمع الوثائق اللاّزمة لتجديد البطاقة، أجمع الوثائق والأوراق وألعب مع نفسي لعبة مُقارنة. أقارنُ بين المعطيات التي سأزوّد بها مصلحة البطائق الوطنية اليوم بالمعطيات التي زوّدتهم بها قبل عشر سنين.

- الوثيقة الأولى: شهادةُ الإقامة.

العنوان في بطاقتي القديمة كان عنوان منزلنا السابق، العنوان اليوم تغيّر، تركنا بيت الطفولة الكبير الذي سكنّاه مع جدتي وعمي آنذاك وأقمنا في شقّة تتسع لأسرة من خمسة أفراد مباشرةً بعد وفاة جدّتي، هذا التغيير الكبير كان وقعهُ صعبًا عليّ، عندما نترك بيت الطفولة ونرحلُ عنه، نخلّفُ وراءنا حتمًا أشياء منّا لا تتسع لها الحقائب. لكنّنا في النّهاية نتعوّد وهنا يكمن عزاء الإنسان وتكمن تعاسته أيضًا.

- الوثيقة الثانيّة: شهادة العمل.

عندما وقفتُ في هذا الطّابور للمرّة الأولى كنت في سنّ السابعة عشرة، وكان أبي برفقتي. أذكرُ أنّي يومها كنتُ أرتدي وزرتي كي أذهب مُباشرةً للمدرسة بعد هذه المهمّة. من بين الوثائق التي كنت أحمل في يدي يومها كانت شهادة مدرسية. اليوم كانت بحوزتي شهادة عملٍ طلبتها من مديرتي ولم يكن أبي يُرافقني، عشر سنواتٍ كانت كافية كي أصير شخصًا يعتمد على نفسه وينجز مهامه وحده وله مدخوله القار.

- الوثيقة الثالثة: الصور الشخصية

في الصّباح الذي كان عليّ أن أذهب فيه لستوديو التصوير كي أستخرج صورًا شمسيّة، ارتديتُ ملابسي ووضعتُ غطاء رأسي كالعادة. في الستوديو مرآةٌ يمكن للزبون أن يتأكد فيها من شكله قبل أخذ الصورة، وقفتُ أمام المرآة ونظرت لوجهي وفكّرت: هذه الصّورة ستظل معي لعشر سنواتٍ آتية، كم هو مرعبٌ هذا الأمر؟

في البطاقة التي انتهت صلاحيتها صورةٌ لي في سنّ السابعة عشرة، أرتدي حجابي بشكلٍ مُلتزمٍ لا تظهر منه أي خصلة، كنتُ في السنة الأخيرة من الثانوية، فتاة خجولة بأحلام كبيرة وأسئلة أكبر … وشك. كان الشّك هو مُنقذي رغم ثِقَلِه.

في مدة عشر سنوات اختلفت طريقةُ ارتدائي للحجاب، من الحرص على أن لا تخرج أي شعرة من تحته إلى أن صرتُ أرميه باستهتار على رأسي وأخرج. حصل لي يومًا موقفٌ وجدتني فيه أمام سؤال "ولماذا ترتدينه إذًا؟". لم أعرف كيف أجيب عنه، هل لأني أجبن من أن أواجه العالم بحقيقتي؟ أم لأني أخاف من غضب والديّ؟ أو لأني لم أتعلم بعد أن أقيم حدودًا وأحرص على أن لا يتجاوزها معي أحد؟ أو ربما لأني لا أستطيع أن أُشبه ما أؤمن به؟ ينقصني حدٌّ معيّنٌ من الشجاعة أستطيعُ به أن أظهر للعالم بجلدي الحقيقيّ بدل القناع الذي أرتديه كي أنال رضى الآخرين.

أحضرتُ الصور الثماني المطلوبة إلى جانب شهادة الإقامة وشهادة العمل، وضعتها أمام مكتب المُوظفة وأخبرتها في سرّي ما لم أستطع بعد أن أصرخ به جهرًا: خذوا ما تريدون من المعلومات عنّي، أعطوني بطاقة برقمٍ يمثّلني في ملفاتكم، لن تعرفوا أبدًا ما الذي يوجد أسفل الغطاء الذي يخبّئ شيئا من شعري وكثيرًا مما أكون.

في المساء، غردت على حساب تويتر مزيّف لا يعلمُ به أحد: "في اليوم العالميّ للحجاب... كم أتمنى أن أخلعه".

* كاتبة مغربية وأستاذة لغة فرنسية.

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.