}

حاتم علي... كلُّ فَصْلٍ بعدَكَ خريف

محمد جميل خضر محمد جميل خضر 6 يونيو 2026
سير حاتم علي... كلُّ فَصْلٍ بعدَكَ خريف
حاتم علي
في أكثرِ مشاهد "التغريبةِ الفلسطينية" انغراسًا في ذاكرتي ووجداني، حين تُفجعُ أسرةُ المناضِل أبو صالح (جمال سليمان) بخبر استشهاد ابنهم حسن (شقيق أبو صالح، أحد قادة ثورة الريف الفلسطيني، وشقيق علي الذي يمثل في العائلة الابن الذي يواصل تعليمه ويُعلي من شأن طموحاته)، يبتعد علي عن نواح أمّه وبكاء العائلة على شهيدها، ويصفو لوحده عند أطراف المخيم، ويقدم كاتب السيناريو وليد سيف والمخرج حاتم علي (1962- 2020) الذي تصادفت، قبل أيام، ذكرى ميلاده في الثاني من حزيران/ يونيو، مونولوجًا نثريًّا وجدانيًّا بليغًا، يحكي فيه عليّ عن خصوصية العلاقة بينه وبين شقيقه حسن الأقرب إليه عمرًا، وعمّا كان من الحياة معهما: "حسن... ذلك الشابُّ النبيلُ الذي قاسَمني وقاسَمْتُه عُمْرَ الطّفولَةِ وشِراعِ السِّنْديان... ذلك الطِّفلُ الذي عَرَفَ كيفَ يَحُلُّ لُغْزَ الأرضِ وطَلاسِمَ الماء... كنتُ أتعلَّمُ لغةَ الكِتابةِ وقواعِدَ النَّحو... حينما كانَ يَتَعلُّمُ لُغَةَ النَّهْرِ والصَّخْرِ والسُّنْبُلَة... كُنْتُ أمْتَطي المُعْجَمَ حينَ كانَ يَمْتَطي الرِّيحَ والعَواصِف... كنتُ أكْتَشِفُ الأسْئِلَة، حينَ كانَ يَعيشُ الأَجْوِبَة... كانَ يظنُّ أنّي الجُزْءُ الذي لمْ يَكَنْه... والآنَ أعْرِفُ أنَّهُ الجُزْءُ الذي لمْ أكُنْه... هناكَ في مكانٍ ما أجْهَلُهُ وَتَعْرِفُهُ النُّجوم، يَرْقُدُ أخي حَسَن... يَلَبَسُ جِلْدَ الأرْضِ التي أَحَبَّها، وَيَسْتَعيرُ مِنْها نَبْضَهُ الجديد... أنا هُنا أبْحَثُ عنِ الوَطَنِ الضَّائِعِ في مَوّالِ شَعبي... وَهُوَ هُناكَ يَكْتَشِفُ الأرضَ فِيه... على عَيْنَيْهِ ينْمو عُشْبُها وَزَعْتَرُها... ومن جُروحِهِ تَتَفَتَّحُ شَقائِقُ النُّعمانِ وَعُروقُ الشُّومَرِ البَرِّيّ... هُناكَ هُوَ، تَكْتُبُهُ الأرْضُ وَتُعيدُ كِتابَتَهُ في كلِّ فَصْلٍ من فُصولِها... وأنا... أنا الذي سَرَقْتُ مِنْهُ الكِتابَ والمَدْرَسَةَ والمِحْبَرَة... أنا هُنا أبْحَثُ عن الكَلِمَةَ التي تَصِفُهُ... أسْتَعيرُ جِلْدَهُ لِأكْتُبَ عليهِ شِعْري فِيه... ولِأشْعُرَ بِبَعْضِ الرِّضى... لَعَلِّي أُتابِعُ حَيَاتي مِن جَديد.... حَسَن... أيُّها الشّابُّ النَّبيلُ الذي ظَلَمْناهُ وَأَنْصَفَتْهُ الأرْض".
في فورةِ الدراما العربية، شكّل حاتم علي ووليد سيف ثنائيًّا استثنائيًّا بمختلفِ ما تحملُ الكَلِمةُ من معنى. وَقَدّما معًا، وثالثُهم الممثل جمال سليمان: "صلاح الدين الأيوبي" (2001)، ثلاثية الأندلس المكوّنة من: "صقر قريش" (2002)، "ربيع قرطبة" (2003) و"ملوك الطوائف" (2005)، إضافةً إلى مسلسل "عمر" (2012) الذي لم يشارك فيه جمال سليمان. لكن تبقى "التغريبة الفلسطينية" (2004)، وليس بسبب انحيازي الفطريّ لِفلسطيني وفلسطينيّتي، وإن كان ذلك وارِدًا، علامةً فارِقَةً، بِحَق، في تاريخِ الدّراما العربية، ووثيقةً حيّةً وعابِقةً بالسِّحْرِ والمعنى حَوْلَ مأساةِ الشَّعبِ الفلسطينيّ ونضالاتِه التي خانَها القريبُ قَبْلَ الغَريب.
ولحاتم علي مخرجًا (في كثير من الأعمال عُرف حاتم ممثلًا، إضافةً إلى محاولاته الكتابية الإبداعية التي تمخّضت عنها مجموعتان قصصيتان)، رؤية خاصة في عملية اختيار الممثلين، ما جعله يحافظ على تشكيلة منهم في معظم أعماله كلما تسنّى له ذلك، ولم تحُل ظروف خارجية دون وجود عدد محدد من الممثلين السوريين والعرب الذين يُؤثرهم عن غيرهم في أعماله جميعها (من الممثلين العرب الذين التقطهم حاتم علي وقدمهم للجمهور العربي في أعماله التاريخية جميعها، الممثل المغربي محمد مفتاح).

خلال حوار أجريته مع حاتم علي عام 2005

هذه المنهجية الدقيقة واللمّاحة في اختيار فريق عمله لكل مسلسل، أو فيلم من إخراجه، أتاحت له ولنا أن نشاهد ممثلين أفذاذًا مثل رامي حنّا وباسل خياط وهم في ريعان الشباب يظهرون في أعماله المهمة مثل: "الفصول الأربعة" بأجزائه جميعها (بعضهم ظهر في بعضها)، و"أحلام كبيرة" وغيرهما، وهو ما سار عليه مخرجون مضوا على نهجه مثل مروان بركات في "عصر الجنون" (2004) عندما جمع في المسلسل بسام كوسا مع باسل الخياط وقصي الخولي، الذين جمعهم حاتم في "أحلام كبيرة" الذي أُنتج في العام نفسه، مضافًا إليهم رامي حنّا وسمر سامي وعدد لامع من النجمات السوريات في بداياتهن مثل نسرين طافش ونادين تحسين بك وسلاف فواخرجي وغيرهن.

التغريبة واليرموك
يظهر واضحًا في مسلسل "التغريبة الفلسطينية" أكثر أعمال حاتم علي، مخرجًا وممثلًا، بلاغةً وتجليات، أثر إقامته الطويلة في مخيم اليرموك الدمشقيّ (أكبر مخيمات اللجوء الفلسطيني في سورية، وقد يكون أكبر مخيمات اللجوء الفلسطيني على الإطلاق، إذ بلغ عدد سكانه قبل الثورة السورية، وقبل المقتلة المروّعة التي واجه من خلالها النظام البائد تلك الثورة، زهاء 900 ألف إنسان عدد قليل منهم ليسوا فلسطينيين بل سوريون وعراقيون)، وهو الأثر الذي يتداخل فيه أثر المكان مع تأثيرات أخواله الفلسطينيين على ما يبدو؛ يقول حاتم علي حول تأثير المخيم وحول كونه أحد أبناء قرية من الجولان المحتل: "أنا لست فقط أحد أبناء الجولان المحتل الذين عاشوا تجربة تتقاطع في كثير من تفاصيلها مع تجربة شخصيات مسلسل 'التغريبة الفلسطينية'، ولكنني عشت، إضافةً إلى ذلك، طفولتي وشبابي في مخيم اليرموك، وكنت في عام 1967 بعمر 'رشدي' الذي كان يحمله خاله 'مسعود' وكنت أيضًا محمولًا بالطريقة نفسها على ظهر أحد أخوالي، بشكل أو بآخر استطعت أن أستحضر الكثير من هذه التفاصيل الواضحة أحيانًا والمشوّشة في أحيان كثيرة، والملتبسة في بعض الأحيان، وأوظفها وأعيد تركيبها مستكشفًا إياها في أحيان كثيرة من خلال العمل نفسه. وكثيرًا ما سُئلت السؤال نفسه، وهو كيف يمكن لمخرج غير فلسطيني أن يقدم عملًا عن القضية الفلسطينية، وأنا شخصيًا كنت أقول إن القضية الفلسطينية هي قضيتنا جميعًا كعرب".
أمّا أنا شخصيًا فأستغرب، جدًا، مثل هكذا سؤال، فلا مرّة تاريخيًا كانت القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين وحدهم لأن العدو الصهيوني لم يغتصب فلسطين وحده، بل أمّن له الغرب الاستعماري جميعه ممكنات هذه الجريمة الكبرى غير المسبوقة ولا الملحوقة على مدى التاريخ الإنسانيّ المكتوب وغير المكتوب، فكيف يمكن لشعب أعزل (ظلّ أعزل إلى أن أُجبر على حمل السلاح) محبٍّ للحياة والبهاء والمسرّات، أن يواجه وحده مؤامرة يتداخل فيها الدينيّ مع القوميّ مع الاقتصاديّ الرأسماليّ مع الجدليّ (شرق/ غرب، شمال/ جنوب) إنْ لم يقف معه من يشاطرونه العِرق والدين والجهات؟ وهي في هذه السياقات تصبح واجبًا قوميًا وجوديًا عليهم وفرضَ عين لا مجال للمخايرة حوله، أو المنّة، أو التردد، فما بالكم بالخذلان الذي يتحوّل في حالة الشعب الفلسطيني والنسخة المنكوبة اليوم منه في غزّة، إلى جريمة لا تقل بشاعة، عُرفًا ومنطقًا وقانونًا وأخلاقًا وعقيدةً وتوصيفًا، عن جريمة الإبادة الجماعية. على أن منطق الأشياء يبرّر لعدوٍّ متخندقٍ وراء أعطاب نفسية وخرافات وجودية وهذيانٍ أُخرويّ ما يرتكبه من إبادة جماعية وعبادة للقتل وإدامة الحروب والعدوانات مع محيطه جميعه (من شاء أن يتوسّع أكثر حول الشخصية الصهيونية وأمراضها فأنصحه بالعودة إلى مقال جورج كعدي في "ضفة ثالثة" الذي يحمل عنوان "جاكلين روز: الفهم العميق للشخصية الصهيونية" بجزأيْه؛ واحد بتاريخ 21 أيار/ مايو 2026، والثاني بتاريخ 28 أيار/ مايو 2026). فما الذي يبرّر، بالتالي، صمت من يقعون في دائرة الخطر من كل هذا الانحراف عن سويّة الحياة عند الصهاينة؟ وبأي منطق يمكن أن يسوّقوا وقوفهم مع جوهر وجودهم على أنه واجب ثقيل تجاه شعب ذبيح، وأن هذا الواجب أتعبهم، متوهمين في التطبيع و(الإبراهيميّات) ملاذًا قد يريحهم من عُقَد ذنب الخذلان!؟
أثر مخيم اليرموك ظهر أيضًا في اللهجة التي اختارها حاتم وسيلةَ تواصل بين شخصيات المسلسل، ففلسطينيو مخيمات الأردن على سبيل المثال، لا يستخدمون (أو لا يستخدم معظمهم للدقة) مفردات مثل: خيّا، خيتا، مقابل حجم التداول الواضح والمنتشر لِهاتين المفردتين في مخيم اليرموك وباقي مخيمات سورية وربما لبنان. وربما للأمر علاقة بجغرافيا اللهجات الفلسطينية؛ فهما من المفردات المنتشرة في لهجات أبناء شمال فلسطين، أي في المناطق التي هاجر معظم أبنائها إلى سورية ولبنان. أما لماذا اختار حاتم مواقع "عمار الحصن" و"تدمر" و"حلب" و"صافيتا" لتصوير حلقات المسلسل البالغة 31 حلقة، ولم يختر مخيم اليرموك، فهو ما لا أملك له جوابًا، ولعل للأمر علاقة باللوجستيات.

مشهد من مسلسل "التغريبة الفلسطينية"


على كل حال عوّض حاتم هذه التفصيلة عندما اختار لديكور العمل مهندسَ الديكور ناصر جليلي ابن مخيمَي حمص واليرموك أساسًا قبل أن ينتقل منهما إلى فضاء آخر، حيث أبدع الجليلي في مقارباته الديكورية مع واقع الفلسطينيين في بلادهم (وهو ابن عرّابة قضاء جنين) ثم في شتاتهم. على كل حال ملازمة ناصر جليلي لحاتم علي امتدت في معظم أعمال حاتم وصولًا إلى مسلسل "عمر" الذي تجلّى فيه ناصر ديكوريًا مع وفرة المال الإنتاجيّ للعمل الضخم، إذ أُتيح له تشييد مدن كاملة تكاد تتماهى طبق الأصل مع مدن بدايات الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية، ومع تمددها لاحقًا في عهد عمر بن الخطاب. إنه النهج نفسه الذي اتخذه حاتم علي في معظم أعماله، وفق رؤية إبداعية تجعله يرى في حسن اختيار فريق العمل نصف نجاحه (أو أكثر) لاحقًا.
من تأثيرات مخيم اليرموك ما أنجزه مع الروائي والسينمائي الفلسطيني فجر يعقوب ابن المخيم من حوارات امتدت لأربع سنوات وُثِّقَت في كتاب حمل اسم "الاستبداد المفرح".

الصمت الوقور
قد لا يكون الصمت وقورًا حين يرتبط بموقف أحدهم من ثورة شعبه ضد الظلم والطغيان، ولكنه في حالة حاتم علي، وفي ظل ما آلت إليه أحوال ثورة الشعب السوري التي بدأت مدنية مسالمة بعيدة عن العسكرة والتدخلات والأجندات، فإن حاتم الذي كان قلبه ووجدانه مع شعبه ومع آلام شعبه، وهو الذي خبر ظلم الصهاينة في الجولان، والذي عاش قسوة الزمان والمكان، آثر الابتعاد عن الثرثرة، مع الحفاظ على مسافة ضوئية من النظام وأعوانه ومهرجيه من الممثلين والمخرجين وأصحاب الورقات الثلاث، فإذا بهذا الصمت يدخل في فضاء صوفي جليل، ويقول أكثر بكثير مما قاله غيره ممن تخندقوا مع هذه الجهة، أو تلك. وحتمًا ما كان لحاتم أن يصرّح، لو كُتب له البقاء حتى انتصار الثورة، بما صرّح به (صديق) فنان لن أذكر اسمه، في مقابلة تلفزيونية حين تفاخر بإمكانية مصادقته لـ(إسرائيل)! فأيّ فخر يا من كنت صديقي قد يربطك بالمطلوبين لمحاكم الجنايات والعدل الدولية!؟
على كل حال إن كان يفي قرار فصله بغرض وضعه في خانة الرافضين للظلم المنحازين للغلابا والمنهكين والمتعبين من أبناء شعوبنا العربية، فقد صدر قرار بفصله إلى جانب 180 آخرين من نقابة الفنانين في سورية، تحت ذريعة عدم تسديدهم للرسوم المترتبة عليهم! فطوبى لصمتٍ يحتشد بأجلّ المعاني.

رحيلٌ مفجع
لم يحْتملْ قلبُهُ كلَّ المتناقضات حوله... وفي الوقت الذي كان العالم جميعه مشغولًا بتداعيات الوباء، لوّح في شتاء 2020، تلويحة الوداع... ترجّل الفارس النبيل والحارس الأمين على مدركاتِنا الجماليّةِ ومشتركِنا العربيّ الجمعيّ؛ احتفى بصلاح الدين "منكم السيف ومنّا دمُنا... منكم الفولاذ والنار ومنّا لحمُنا... فخذوا حصّتَكم من دمِنا وانصرفوا... أيها المارون بين الكلمات العابرة آن أنْ تنصرفوا"... ونسج السرديّة الفلسطينية بمختلف ما تحتويه من أسى وأحلام وممكنات ضوء في نهاية النفق "لا تَسلْ عن سلامتِهْ... روحه فوق راحتِهْ... بدَّلَتْهُ همومُهُ... كفنًا من وسادِتهْ... هو بالباب واقف والمدى منه خائف... خجلًا من جراءتِهْ... صامتٌ لوْ تكلَّما... لَفَظَ النَّارَ والدِّما... قُلْ لِمن عابَ صمتَهُ... خُلِقَ الحزمُ أبكما"... وتغلغل في تفاصيل الأسرة الشآمية وعلاقاتها وتشابكات مصالحها وكوميديا مواقفها وروح تعاضدها... وتقاطع مع تطلعات الهاربين من جحيم الموت في بلادنا... وعاين سعيهم لتحقيق ذواتهم في بلاد الغربة... جاعلًا من قطعة شوكولاته في فيلمه الأخير Peace by Chocolate مدخلًا ممكنًا لتكيّف أهلنا اللاجئين مع عالمهم الجديد في بلاد البرد والكآبة... ولصناعة اقتصادهم المستقل المتقن الرشيد...
مفجعٌ رحيلك يا صديقي، يا عميق المعارف وزميل كتابة القصة وصاحب الضحكة التي ملأنا بها شوارع عمّان في ربيع عام 2005، واعلم يا كُحْلَ العَيْنِ وعَبَقَ الجولان وَجَارَ مخيّم اليرموك، أنَّ كلَّ فَصْلٍ بعدَكَ خريف.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.