ترجمتها عن التركية: مي عاشور
عندنا، الباب الذي نقف أمامه لالتماس المساعدة، هو رمز للسلطة المستبدة. لكن في رأيي، أن الباب فرصة للخروج إلى تجارب جديدة. الباب أبعد ما يكون عن سلطة نخضع إليها. فالخضوع لا يليق بالإنسان. تُفتح الأبواب للمرء بسعيه، ومعرفته، ومهارته. المكوث عند الباب عبودية. والأبواب ليست للعبودية. وقفت أمام الباب لكوني إنسانًا. حتى لو ظل موصدًا، أو جهلت ما قد يصيبني عندما يُفتح. وقفت عند الباب، أمام قدري.
***
لا تحتجزني أيها الباب. أنتَ هناك. فماذا يتوارى خلفك؟ كل باب ينضح بما يخفيه. كيف ينبغي الوقوف أمام الباب؟ كيفما أقف أمام الباب، يقف هو أمامي. يلتقي ما هو أمام الباب، وما هو أمامي. أطلق على ذلك "مواجهة". يتواجه ما كل هو أمامنا، فتنفتح الأبواب من خلفنا على مصراعيها.
ثمة أبواب واجهتها في المدينة التي ولدت فيها. هل لا تزال موجودة؟ أواجه الأبواب التي بحثت عن نفسي أمامها، ويفتح كل منا الآخر. كانت هناك أبواب كهذه في إسطنبول، ولكن أنقرة لم يكن بها تلك الأبواب. فربما هي غائبة في الدنيا، ولكنها حاضرة في الكون.
***
اسمعني أيها الباب! أنت لست بابًا ملكًا لهذا، ولا ذاك، ولا للحكومة، ولا الدولة، ولا الطاولة [1]، ولا لأي مدينة، ولا للإعاشة، ولا السلطة، ولا مكان عمل. لغتي التركية تفتح أبوابًا مغايرة. جئت لأفتح أبوابًا مختلفة. لفتح أبواب للباب، أبواب تستحق النظر إليها بعين مختلفة، وأخرى مغلقة، وغيرها تقفل بسرعة، وتوصد مباغتة. وأبواب، حينما تغلق من خلفنا تأسرنا في محبسنا. أيها الباب انظر إلي، خذ حذرك! فأنا مرتحل في أسرارك.
***
المفتاح. ثقب الباب. القفل. كل باب مُقَدر له أن يفتح، حتى لو ظهر من خلفه عدد - لا متناهٍ- من الأبواب، التي تنتظر فتحها. أقول هذا لأنني أبصرته من ثقب الباب.
***
صانع الأقفال، منافٍ لأخلاق الباب.
***
يصفون الشخص ضخم البنية بأنه مثل الباب. لكن في لغتي، الباب سواء فتح أم أوصد، فهو بستان يبين لنا وردًا نابضًا بالحياة. مما يعني، أن الباب هو حبيبتي.
***
للحبيب أبواب متعددة. وهو أمر متعلق بالمحب. فلو المحب مغرم، سيكتشف - تباعًا- أبوابًا - لا تحصى- في حبيبه.
***
لا تَمَلُّك في الحب، لكن فيه أن تكون بابًا. الحب الفاشل، هو الحب الذي أضاع بابه. الأصل هو الباب، وليس فتحه وغلقه. طالما أحببت أصدقائي الذين عايشتهم كأبواب مقفولة.
***
إياك أن تكسر باب الحبيب. ولا تلجأ لصانع الأقفال. لا تدخل بيت الحبيب من النافذة، ولا المدخنة. اطرق الباب. انتظر. فلو لم يفتح، ربما يكون هناك باب آخر مفتوح للبيت. ترجع من الباب الوحيد الذي لم يُفتَح؛ لأنك عجزت عن اكتشاف أبواب من تحب. إذًا، تفقد إذا ما كان بين أبوابك بابًا مفتوحًا؟، فلا يطرق المرء أبواب غيره، بينما مغلقة أبوابه.
***
هل نحن أمام "سيزيف" [2] جديد حاملًا للأبواب، يسعى إلى نقل بابه الضخم صاعدًا من أسفل المنحدر إلى قمته؟. نحن البشر، مخلوقات مغلقة - (لو أصفها بأنها مخلوقات أُغلقت تجاه شيء، أو من قبل شخص؟)- نحمل أبوابنا معنا في كل لحظة. نحن في نفس الوقت أبواب. أبواب كثيرة البوابات.
***
صاحب الأمكنة التي لا يتضح من يطأها دخولًا وخروجًا، قد فقد أبوابه. ونسي ماهيتها.
***
أسامينا ليست مكتوبة على أجراسنا. ولا توجد شيفرة تفتح الأبواب بداخلنا. رفقاء الروح يعرفون الطرقات، والأبواب الكامنة في أعماقنا. أما الأصدقاء السطحيون، فيسألون عن الشيفرة؛ ولأن ليس لدينا شيفرة، فمنذ سنوات، وحلالو الشيفرة يحاولون فتح أبوابنا.
***
أمضي قدمًا. ظهر باب أمامي. يا ترى ماذا يمنع؟ وماذا يخفي؟ وماذا يعرقل؟ هل الباب عائق؟ الباب إنذار يصرخ: "تيقظ، أنت ما زلت على قيد الحياة".
***
هل تتطلع إلى دنيا بلا أبواب؟ فحتى لو لم يكن هناك أبواب ظاهرة، فهناك احتمال لوجود أخرى خفية.
***
مرحبًا بأبواب الحبيبة! تنفتحين كلما أغلقتِ، وكلما انغلقتِ فتحتِ.
***
أعرف المرء من بابه.
***
ليس "افتح بابك أنا جئت"، وليس أيضًا "افتح بابي أنا أتيت"، بل فتحنا أبوابنا لبعضنا، وازدهرنا.
***
انتظريني. فليأت كل منا عند باب الآخر. ونتشاجر.
***
- سأكسر أبوابك بنفخة!
- إكسرها! فأبوابي ليست مصنوعة مما تراه أو تحطمه. لأن بداخلي عددًا من الأبواب، تبقيك رهينًا للصقيع.
***
- تاك تاك! افتح بابك!
- لأفتح بابي، يجب أن تكوني أنتِ بابي!
***
الأبواب غلفت الحياة. الأجلاف لا يرون الأبواب، ولو رأوها يكسرونها، ويعبرون منها. فأبصارهم مغشية عن الأبواب؛ ولأنهم يعجزون عن رؤيتها، لا يجدون سبيلًا للدخول إلى عالم أحد.
***
وراء الأبواب المغلقة
نفتش عن صوت
ونسأل:
ألا يوجد أحد
سابق لعصره؟
***
كم من كلام يود قوله باب لباب آخر.
***
أحبيني بأبوابي.
***
- منذ قليل لم يكن هنا باب، فمن أين ظهر أمامي؟
- ظهر، لأنكِ كسرتِ قلبي.
***
لا يُدخل من الباب المكسور.
***
ينبغي أن يكون لكل باب فاتح يبصر روحك.
***
- كل الأبواب مغلقة في وجهي.
- لا تنس أن الباب المغلق هو باب أيضًا.
***
"افتح يا سمسم افتح"، هي عبارة لغلق الباب.
***
أبوابي، هي أبواب لعوالمي الداخلية. مفتوحة للأرواح الآتية لتأمل الدنيا؛ لو قابلتهم، وتلاقينا على أرض مشتركة من التفاهم.
***
يقال: "الباب لا يمنع اللصوص".
اللصوص يفتحون أبوابهم، لا أبوابي.
***
من يقف عند الباب؟ الحب، والموت. مرحبًا بهما.
***
اتبعوا الأبواب. فعندها تتجلى الحقيقة.
***
لدينا أبواب، سنُعرّفها إلى الطارقين على بابنا.
***
الأفق عند بابنا، ينتظر من يطرقه.
***
أنا لست شخصًا مفتوحًا بابه. أجتمع - فقط- بالذين تلتقي أبوابهم بأبوابي.
****
أقول لصديقنا الشاعر عاشق ويسل [3]، إن خاننا به العديد من الأبواب، وليس بابين فقط.
فالإنسان يولد ويموت - مرارًا- وهو على قيد الحياة، فتتزايد أبوابه.
****
أيها الباب! أشكرك، على الأبواب التي فتحتها لي.
(*) أحمد إينام: (1947- ) أكاديمي، وكاتب، وشاعر، ومفكر تركي معاصر. ولد في بلدة صاندقلي في ولاية أفيون. تخصص في دراسة الهندسة الإلكترونية والكهربائية في جامعة الشرق الأوسط التقنية. ثم التحق كطالب دكتوراه بقسم فلسفة، بجامعة إسطنبول. حصل على الدكتوراه في الفلسفة والمنطق كتخصص رئيسي، وفي الأدب اليوناني القديم كتخصص فرعي. صدرت له العديد من المؤلفات بين شعر، ونقد، ومقالات. حصل على العديد من الجوائز.
[1] هنا يقصد بها الخانة التي يُمنع اللاعب المنافس فيها من وضع حجرين من الطاولة معًا (الكاتب).
[2] إشارة إلى أسطورة سيزيف الإغريقية.
[3] عاشق ويسل: شاعر، وموسيقى، ومغن تركي مشهور، له قصيدة معروفة جدًا كتبها ولحنها عنوانها: "أنا في طريق طويل وضيق"، تتناول رحلة الإنسان في الحياة، منذ ميلاده وحتى مماته، وتتحدث عن أن الدنيا فانية، ووجود الإنسان فيها ما هو إلا رحلة مؤقتة. هناك جملة في الأغنية تقول: "منذ اللحظة التي أتيت فيها إلى الدنيا، وأنا بدأت السير، في خان له بابان، أمضي قدمًا ليلًا ونهارًا"، وهنا الخان يرمز إلى الحياة، باب للحياة، وباب للموت.


تحميل المقال التالي...