}

وصيّتان

منذر مصري 18 يوليه 2026
سير وصيّتان
حسن صقر وإلياس مرقص

الوصيّة الأولى: إلياس مرقص
في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، قرن المناظرات الفلسفية والسياسية، اسمحوا لي بهذا الوصف، عندما تناهى إلينا خبر إشهار المفكر الماركسي الفرنسي روجيه غارودي إسلامه، انتشرت إشاعة في أوساط مثقّفي اللاذقية أن إلياس مرقص لحق به وصار مسلمًا بدوره! ومثل كلّ إشاعة، مهما بلغ جفاؤها عن الحقيقة، ما كان لها أن تولد لو لم يكن هناك ما يسوّغها في الواقع. فتشابه تجربة إلياس الفكرية والحزبية، الذي يصل في بعض النقاط إلى حالة من التطابق، مع تجربة غارودي لم يكن خافيًا على من يعرفه، بطريقة أو بأخرى. ولم يفتني، أنا بالذات في استعادتي الشخصية له، التي نشرت لأوّل مرّة في صحيفة "السفير" اللبنانية بتاريخ 1/2/2015، بمناسبة مرور 15 سنة على رحيله، ثم في مواقع عدّة، آخرها بتاريخ 23/4/2024 في موقع جمعية إلياس مرقص للثقافة والتنوير، أن أذكر أنّي سمعت إلياس يتندّر مرارًا، بأنه عندما يذكر قولًا ما لروجيه غارودي، أو لمكسيم رودنسون، على سبيل المثال، أمام جلسائه من الرفاق الشيوعيين على أنواعهم، كانوا يخالفونه بمجرد ذكر الاسم، ثم إذا أتبعه بقول لماركس أو لينين يوافق ما قاله غارودي أو ما قاله هو بالذات، يردّون معاندين: "ماركس كان يقصد... ولينين كان يعني...!".

من اليمين: إلياس مرقص وحسين مروة وطيب تيزيني 


بعد وفاة إلياس مرقص بثلاثة عقود من السنين، وبعد هجرة ابنيه زياد وإياد، ولحاق أمهما بهما إلى كندا، وبيع بيت العائلة، الذي اشترط المشتري أن يفرغ من كلّ محتوياته، وأوّلها الكتب! وبعد جريمة قتل رفيق إلياس وتلميذه نزيه جرجي في مكان عزلته في مصيف صلنفة /2022/، الأقرب للعائلة، وقع اختيار أم زياد عليّ شخصيًّا أن أتصرّف بمكتبة إلياس وأقوم بتوزيعها على من يرغب من الأصدقاء والمهتمّين. وهذا ما حصل، بعد فشل محاولة إيداعها في مكتبة مطرانية الروم الأرثوذكس، أو مكتبة الكنيسة الكاثوليكية التي أملنا بها خيرًا بعد أن قيل لنا إنها أكثر انفتاحًا، ولن ترفض ضمّ مكتبة أهم مفكر مسيحي في تاريخ اللاذقية الحديث، حتى وإن كان أرثوذكسيًّا وشيوعيًّا، لكنّ ذلك لم يحصل، للأسف. وهكذا توزّعت على كلّ من استجاب لندائي المؤلفات الماركسية الكبرى لماركس وهيجل ولينين، ومعها كتب إسحاق دويتشر ولويس ألتوسير وأنطونيو غرامشي وأرنست مانديل ومكسيم رودنسون و.. روجيه غارودي طبعًا، بطبعاتها الأصلية باللغة الفرنسية. دون أن أنسى ترجمته لكتابي روجيه غارودي، (فكر هيغل) و(من اللعنة إلى الحوار) الصادرين عن دار الحقيقة/ بيروت/ 1980. ما جعله يبدو للكثيرين وكأنّه مبشر بفكر غارودي.
أمّا علاقة إلياس مرقص بالإسلام، فسأتناولها هنا بحدود معرفتي الشخصية به. وهذا أيضًا يعيدني إلى ما ذكرته في تلك الاستعادة، بأنه كان يثمّن تثمينًا عاليًا فكرة (تعالي اللّـه) في الإسلام، المتمثلة بعبارة (اللّـه تعالى). تنزيه اللّـه عن التشبّه بالبشر، وتعاليه عن صغائرهم! ثم فكرة (جهاد النفس) واعتباره في الإسلام (الجهاد الأكبر)، فماذا على الإنسان أن يعمل بعد (اعرف نفسك) سوى (اجعل نفسك أفضل)؟ أمّا الفكرة الإسلامية التي كان إلياس لا يخفي تحفظه عليها، فكانت (الوسطية)، المتمثلة بالآية: [...جعلناكم أمّةً وسطًا]، أو بالمقولة التي يظنها البعض حديثًا شريفًا: "خير الأمور أوسطها". والتي كان يناقشها معه صديقنا المشترك ياسر صاري، ويقول له، إنّ الوسطية في الإسلام هي التوازن بين الغلو والتفريط، فتكون العدالة هي الوسط بين إدانة البريء وتبرئة الظالم! إلّا أن إلياس كما بدا لي كان مأخوذًا بمقولة السيد المسيح في سفر الرؤيا ليوحنا: (لأنك لست باردًا ولا حارًّا... تقيّأك فمي).

روجيه غارودي (1913-2012) 


15/1/1991- مكثت في بيت إلياس مرقص، من الساعة /7.30/ حتّى /9.30/ مساء. لا يستطيع القيام عن السرير، ازداد نحولًا وضعفًا خلال الأسبوع الماضي. يصرخ، يطلب من الموجودين إمساك يده. عندما تعطيه ماري حقنة المسكّن، يسألها ما إذا كانت تسمح له بالصراخ؟ أمسكت أنا بيده الصغيرة الشاحبة ذات الشعيرات الطويلة، وقبلتها، وأدمعت، تشبه يد أبي. يردّد: "بسم الآب والابن والروح القدس" ويصيح: "يا اللّـه"، "يا فاطمة". ثمّ يقول لي، وقد خفّف المورفين من آلامه: "إذا شفيت، سأدور أنا وأنت يا منذر على المزارات، وسنصلّي في جامع المغربي". أقول له لألهيه عن ألمه ولو قليلًا: "أنا يا أبو زياد، منذ سنين كثيرة لم أدخل جامعًا، وما عدت أذكر كيف أصلي. ولكن نعم، عندما ستشفى، وستشفى بالتأكيد، سنصعد أنا وأنت إلى جامع المغربي، ونصلّي معًا". يعود إلى نظرته بعض بريقها فيزيد: "نصلّي وندعو اللّـه يخلّصنا منهم... يا منذر"! نبتسم معًا للطرفة التي خطرت له لتوّه.
لم تشف يا معلمي، لم يقيّض لنا أن نصعد سوية سلم جامع المغربي وندعو على الظالمين.

الوصيّة الثانية: عبد الله هوشة
أمّا الوصيّة الثانية، فصاحبها هو عبد الله هوشة (1940-2018)، الأمين الأوّل لحزب الشعب الديمقراطي، نيسان/ أبريل- تشرين الأوّل/ أكتوبر 2005، وكانت قبل رحيله بعشر سنوات وربما أكثر! في زيارته لي في مكتبي، في مديرية التخطيط، قبل إحالتي إلى التقاعد، سنة 2009. يرافقه صديقنا المشترك عادل دواي، الذي لحق به بعد أربع سنوات. وهي لا علاقة لها، كما وصية إلياس مرقص، بلحظة ضعف إنساني قبيل الموت، فما زلت أستطيع أن أراه وأسمعه وهو يشيح بوجهه عن شاشة التلفزيون ويقول لي: "واللّـه يا منذر، لا شيء يندم عليه في مغادرة هذا العالم".

نجيب محفوظ وعبدالله هوشة سنة 1959 


بل كانت أقرب للمزاح، كعادته، فهو كثير المزاح. ولكنّي لم أكن متأكّدًا، لأنه كعادته أيضًا يخلط المزاح بالجد، فقد جاءت كتعليق، كردة فعل، على ما أخبرتنا به زميلتي في المديرية سهام سرّاج، وكانت تعرف عبد اللّـه سابقًا، من صداقته القديمة مع خالها د. خالد حلاج، عميد جامعة اللاذقية، الذي كلّفه بتأسيس مكتبة الجامعة، عن مجيء أحد عناصر الأمن السياسي وسؤاله عددًا من الموظفين عنّي... ما هي آرائي السياسية؟ من يزورني؟ وهل أطلق لحيتي؟ هل أصوم رمضان أم أتظاهر بالإفطار؟ وهل أهبط إلى جامع عمر بن الخطاب على الرصيف المقابل للمبنى الذي تحتل المديرية طابقه الرابع، بحجّة الصلاة؟ كلّ هذا ولا يسألني أنا القابع، يا غافل لك اللّـه، على بعد خمسة أمتار، في غرفتي. وبينما صوت أذان الظهر يصل إلينا من مكبر الصوت المعلق على رأس مئذنة الجامع الصامدة، وما زال عليها آثار الرصاصات التي أطلقها مسلحون غاضبون إثر اغتيال الشيخ يوسف صارم، خطيب جامع الإمام جعفر الصادق في حي (الرمل الشمالي)، فجر 30 آب/ أغسطس 1979، إلى غرفتي المطلّة عليها، فإذ بأبي يوسف يقول: "بحقّ هذا الأذان، إذا سقط النظام سنصلّي أنا وأنت صلاة الفجر في هذا الجامع". وكأننا فوجئنا بهذا القسم فساد الصمت بيننا لبرهة، ثم ما لبثنا أن ضحكنا جميعنا... ما عداه!
سقط النظام بعد هذه الوصية بعقدين من السنين، تمامًا في ذكرى رحيل صاحبها، الذي قضى حياته ينتظر ويعمل ويحلم أن يرى هذا السقوط، عبد الله هوشة، السادسة، باليوم! والساعة! 8/12/2018-8/12/2024. أسألكم بالله ماذا تعني هذه الصدفة؟ بالنسبة إلي تعني أن الوصية مستحقّة، وأنّ هناك عملًا يتوجّب عليّ القيام به، ووعدًا يتوجّب علي ألّا أتقاعس في الوفاء به. وأقسم إنّه خلال ما بات يقارب السنتين، من تاريخ سقوط النظام العظيم وتحطم عظامه وجمجمة رأسه، أنّي استيقظت فجرًا مرارًا، وتناهى إلي مسامعي أذان الفجر الشجي مرارًا، وفي كلّ مرّة أتذكّر عبد الله هوشة وأتذكر وصيّته، ولليوم، وأرجوكم لا تسألوني لماذا؟... لم أفعل.

مقالات اخرى للكاتب

سير
18 يوليه 2026
يوميات
24 يناير 2026
استعادات
16 نوفمبر 2025

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.