1- تتيح مباريات كأس العالم في كرة القدم لعشاق الكرة مناسبةً للفرجة والتفكير في تحولات لعب الكرة في العالم. ويسمح استعراض تاريخها برسم صور التطور الذي عرفته اللعبة، وعرفته قواعدها منذ سنة 1930، زمن تنظيم أول كأس للعالم في دولة الأوروغواي، إلى مونديال 2026 الذي جرى اليوم في ثلاث دول بأميركا الشمالية.
وإذا كنا نعرف الصلات القوية بين الرياضة والسياسة والاقتصاد والتربية، ونعرف أشكال التوظيف التي ترتبط بنظام الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، المشرف على المونديال والصانع لمختلف الطقوس والحكايات التي تُنسج في سياق تدبيره للكأس، لأدركنا الأهمية الكبرى التي أصبحت تحتلها كرة القدم في العالم. وقبل وضع اليد على بعض الأسئلة المرتبطة بمباريات كأس العالم التي تنعقد اليوم، نشير إلى بعض لحظات الانتشاء التي تتيحها بعض مبارياته؛ فقد تضاعف عدد المهتمين بكرة القدم، وأصبح للعبة حضور كبير في حياة المجتمعات البشرية، حضور يفوق باقي الرياضات التي كانت تُمارس قبلها، والرياضات التي نشأت بعدها. وتعزز هذا الحضور بظهور كرة القدم النسائية. ويمكن أن نذكر هنا أن متابعي المباريات في مدرجات الملاعب فاق عددهم، حسب معطيات الفيفا، ستة ملايين متفرج، وذلك دون الحديث عن الجمهور الذي يتابع المباريات على شاشة التلفزيون في البيوت والميادين والمقاهي والأندية.
تتنافس الدول المحتضنة لمباريات كأس العالم في تقديم لوحات استعراضية في حفلات الافتتاح والاختتام، وفي كأس العالم 2026 رسمت الفرق الأميركية لوحات تخللتها إيقاعات وألوان وأصوات صانعة لكثير من مزايا الجمال والإمتاع في عالمنا.
تتخلل اللعب في المباريات لحظاتُ الانتقال بالكرة وتمريرها بين اللاعبين، ويتمركز الجهد في هذه العملية في قدرة اللاعب ومهارته في تجاوز من يقف أمامه من لاعبي الفريق الآخر، ولا يحصل ذلك إلا بتقنية التمرير، التي تتطلب بدورها الكثير من الثبات واليقظة والقدرة على الجري وحسن التصويب. هنا تتنوع أساليب اللعب، وتتعدد مستويات الجري، إضافة إلى هندسة توزيع اللاعبين ومواقع الفريق الخصم. ويجتهد مدرب الفريق، صحبة فريق عمله، في رسم حركة المشهد أثناء اللعب داخل الملعب، رغم وعيه بكون اللاعبين يحتفظون لأنفسهم بمبدأ اختراق خطاطة ورسم المدرب في ضوء مقتضيات اللعب الجارية، الأمر الذي يفيد صعوبة اللعبة وصعوبة توقع ما يحصل في مختلف أطوارها.
تنوعت أنماط حضور اللاعبين، وأنماط جريهم وحرصهم على حسن التسديد، وما هو جميل وممتع في لعب الكرة يتمثل في كون نظام لعب كل فريق يخضع أثناء اللعب لمقتضيات لحظة اللعب الجارية، بكل ما تخلقه من معطيات تستدعي المواجهة الآنية المناسبة، وتتطلب السرعة التي تمكن من اختراق نظام دفاع الخصم من أجل بلوغ المرمى. وأتصور أن جديد اليوم في ميدان اللعبة يتمثل في الحركات التي أصبحت تعرفها المباريات، وهي في الغالب حركات تمويهية، وأخرى راقصة، يتقنها أصحاب الأجسام القوية والرشيقة، إضافة إلى القدرة على الجري السريع في الوقت الذي تكون فيه الفرصة مواتية ومناسبة للجري وقت الاقتراب من مرمى الفريق الآخر ثم التسديد.
2- لم أكن من عشاق كرة القدم وفنونها، وعودت نفسي على بدائل أخرى أراحتني من الآثار التي تترتب على انتصار أو هزيمة الفرق المتبارية. أتابع بين الحين والآخر مباريات الفريق الوطني المغربي في كرة القدم، ولا أدري كيف أصبحت في السنوات الأخيرة أهتم بمباريات كأس العالم، بدون حماس يجعلني أنسى الأبعاد الأخرى المرتبطة بالمشهد الكروي، كما جرى ويجري ترسيخه في حياة الحشود البشرية من كل الأعمار والفئات الاجتماعية.
يصعب فهم علاقة الجمهور بالكرة، والسحر الذي يمارسه اللعب داخل الملاعب لا ينتهي بنهاية المباريات، وما تصنعه اليوم شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي باللعب واللاعبين ساهم في مضاعفة النتائج والآثار المرتبطة بها.
تحضر الكرة اليوم في عالم المال والأعمال، تحضر في صورة أسماء وصناعات وأساطير، إنها تحضر لتؤسس وترتب ما لا يمكن حصره ولا تصوره من طقوس وحكايات وأحداث. ويتم توظيفها لصناعة نجوم بمواصفات خاصة، كما تحضر في السياسة، حيث تستحضر مباريات كأس العالم لغة الهويات، والأناشيد والأعلام الوطنية، وترتب مقاعد وأماكن جلوس الجمهور في الملاعب في ضوء نظام يغذي التمايز. وتمتلئ الملاعب بالشعارات والكلمات المرتبطة بأزمنة الحرب داخل ميادين مخصصة للعب.
تنتهي المباريات بالصياح والبكاء، كما تنتهي بالغناء؛ ترتفع الأصوات مهللة، وترتفع أخرى تخترقها حرقة يصعب وصفها. يشاهد الجمهور وسط الملعب دموع بعض اللاعبين، كما يعاين غبطة ودموع النصر في عيون أخرى، يشاهد غبطة المنتصرين وعناقهم. يخرج الناس إلى الشوارع في المدن والقرى يحملون الأعلام ويرددون الشعارات، تمتلئ قلوبهم غبطةً وحبورًا. تنشأ كل المتناقضات داخل الملعب وخارجه، ويتغنى الجميع بالنجم وبالنصر.
تمتلئ الملاعب بالحشود البشرية، وبعد انتهاء المباريات تمتلئ فضاءات التواصل الاجتماعي بلعب آخر يوظف حدود المال والسياسة والتقنية، من أجل الدفاع عن قيم الرياضة وقد اقترنت بمواقف وخيارات سياسية، كما ارتبطت بصفقات مالية وتجارية، إضافة إلى ما تركبه من حكايات، وتصنعه من مواقف لا علاقة لها بفضاء اللعب والتباري. كرة القدم اليوم لعب وصناعة.
3- أصبح بإمكاننا اليوم أن نميز بين لعب الكرة في الملاعب، وبين ما يملأ فضاءات التواصل الاجتماعي من مواقف وحكايات ذات صلة مباشرة بمباريات الكرة، وخاصة مباريات كأس العالم التي أصبحت تصنع داخل فضاءات التواصل الاجتماعي فرجة مضافة، فرجة مركبة بلا حدود ولا فواصل. وقد ساهمت تقنيات التصوير والإخراج في تحويل كل مقابلة إلى مقاطع متعددة، مقاطع تمكن من معاينة ما جرى في الملعب بطريقة مختلفة عن كيفية جريانه أو حصوله؛ ذلك أن التقنية التي تختار لقطة، أو حركة، أو تسديدًا للكرة، أو اصطدامًا حصل بين لاعبين أو أكثر، تساهم في إنشاء حدث مختلف عن الحدث لحظة حصوله، فيحصل إدراكه بصورة مختلفة عن روح الإدراك المفترض في عملية النظر إليه عند حصوله زمن حصوله، ضمن شبكة السياق العام المؤطر لعملية الحصول.
وضمن هذا السياق، لم أفهم لماذا أضيفت "تقنية الفار" (VAR) إلى مباريات الكرة؛ فقد كان حكام المباريات يقومون بتحكيم مجريات اللعب كما تتم، وفي حدود خبرتهم، بدون استبعاد نسبية أحكامهم ونسبية موضوعيتها. ونتصور أن التقنية الجديدة لم ترفع روح المبدأ الذي يقوم عليه التحكيم. أما الصور والمشاهد التي يعود الحكم إلى معاينتها على الشاشة فإنها تضع الحكم أمام مشهد جديد مختلف عن مشهد الملعب في صورته كما تلتقطها العين لحظة حصوله.
أغرب ما يحصل في مباريات المونديال الحكايات الناشئة؛ حكاية الأفراد والجماعات والفئات المرتبطة بمجال صناعة الرياضة. تنشأ في قلب اللعب وفي مدرجات الملاعب حكايات موضوعها اللعب والسياسة والاقتصاد والتسلية، تنشأ حكايات صانعة لمسارات ومواقف مرتبطة بمجال تدبير اللعبة، وتدبير دروبها وأبطالها. ومن الأمور الغريبة في هذا الباب نذكر الفيديوهات المتعلقة بمداخل وممتلكات اللاعبين، حيث نصبح أمام كائنات لا علاقة لها بواقع حال المجتمعات التي ينتمون إليها.
لا يمكن فصل ما ذكرناه عن أسئلة التحولات الجارية في المجتمعات البشرية، وفي العلاقات بين الدول والقارات، وذلك رغم كل أشكال التداخل والاختلاط الحاصلة داخل الفرق وفي كل القارات. وعندما تختفي قارات أو دول من مسلسل اللعب في برنامج المونديال، يستمر حضور اللاعبين من المدن والقارات التي توقفت عن اللعب في طور من أطوار تسلسله.
إن استمرار بعض اللاعبين يحضر في صورة انتماء إلى فريق آخر وبلد آخر دون أن يكونوا من أبنائه؛ الانتماء هنا يحدده مجال اللعب، والفرق القوية في الدول المتقدمة اقتصاديًا وكرويًا لا تتردد في شراء اللاعبين الذين يؤهلون فرقها للفوز والاستفادة من مزايا اللعب في مختلف تجلياته.
وقف جمهور مباريات كأس العالم في كرة القدم على أمر يحصل باستمرار يتعلق بصعوبة التوقع في نتائج لعبة تتحكم فيها قواعد وشروط متعددة. فقد تم نقد الفرق التي غادرت اللعب مبكرًا بعد مباراة واحدة أو اثنتين، كما تمت السخرية من الفرق التي انهزمت بست أو خمس إصابات. إلا أن بعض الفرق التي واصلت اللعب، وسبق لبعضها الفوز بكأس العالم، ذاقت بدورها مرارة الإصابات التي أوقفت طموحها. فقد انهزمت فرنسا أمام إنكلترا في مباراة الترتيب: لا ثقة في اللعبة.
أما مباراة التتويج التي جرت يوم الأحد 13 يوليو/تموز بين إسبانيا والأرجنتين، فقد جاءت نتيجتها مطابقة للجهود التي بذلها الفريق الإسباني طيلة أطوار المباراة، بما في ذلك أطوارها الإضافية، وانتهت بانتصار إسبانيا. وطيلة زمن المباراة واصلت البحث عن نجم الأرجنتين ميسي فلم أجده، ثم تذكرت أنه على أبواب الأربعين.


تحميل المقال التالي...