"الماجدة"... ماجدة الرومي،
هي الصوت، الكلمة، المواقف، والأخلاق التي جعلتها تحتلّ منزلة الأم، حتى إنّي ما زلت أتذكّر غيرة والدتي من حبّي الكبير لها، إذ تبتسم أمّي وتقول: ماجدة أمّك، لستُ أنا.
خارج الغرفة كان الرصاص يكسر سكون الليل. أيّة طفلة يمكنها أن تنام على وقعه بعد مشاهدة نشرة الثامنة؟ كيف لها أن تطفئ الصور المضيئة في رأسها؟ كنت أحتاج صوتًا واحدًا يقنع الطفلة أنّ الليل لن يبدأ بركلات على الباب. كبرتُ وكبرت معي ماجدة، وبعد أن كانت الصوت الذي يسرق الخوف، فتحت لي أبواب الشعر. الكلمات ليست كالكلمات، واللغة تتحوّل إلى موسيقى، والقصيدة أغنية.
أوّل مرّة سمعت فيها أغنية "لن أعود" كلمات الشاعر حبيب يونس، كان انبهاري كبيرًا. كنت أتساءل: كيف لليد أن تنتحر؟ وكيف يغتال المنديل؟ كيف يسقط العشق صريعًا أمام كبرياء امرأة فتغادر مرفوعة الرأس؟
لكلّ هذا استصعبتُ الكتابة عن هذه الأيقونة، إذ إنّها تجاوزت حدود الفن الأصيل، أو ربّما أعادت صياغة المصطلح نفسه. فنّانة أصيلة، ومطربة ذات مجد استثنائي، من حيث لا تدري شكّلت ذاكرة جيل كامل، وذائقة مراهِقة، ووعي كاتبة.
ماجدة الرومي... ابنة الموسيقار العظيم وصائد العبقريات حليم الرومي؛ الرجل الذي احتضن "نهاد حدّاد" وصنع منها "فيروز" المعروفة بجارة القمر عند الكثيرين. بين أحضان "كفر شيما" اللبنانية، نشأت الماجدة في وسطٍ نخبوي أدبي وموسيقي، فكانت ابنة بيئة صقلت موهبتها مع مبادئها باكرًا. ومنذ إطلالتها الأولى في برنامج "استوديو الفن" سنة 1974، وهي تحمل همّ مشروع ثقافي متكامل ومتفرّد.
تمتاز ماجدة بصوتٍ من طبقة السوبرانو، يحمل قدرة مذهلة على التلوّن الدرامي؛ صوت مسرحي يبثّ الحياة في الكلمة، وينتقل بسلاسة مطلقة بين الرقة البالغة والقوّة الملحمية. وبموازاة هذا الصوت الاستثنائي، تعدّت دور المؤدّية لتصبح شريكة حقيقية في النص. لقد أعادت الاعتبار للغة العربية والقصيدة الفصحى، مشكّلة ثنائية تاريخية مع الشاعر السوري نزار قباني في روائع مثل: كلمات، مع الجريدة، وطوق الياسمين... كما غنّت لمحمود درويش "سقط القناع"، ولسعيد عقل "عم يسألوني عليك الناس"، ولحبيب يونس "لن أعود"، لتثبت في كلّ مرّة أنّ الأغنية في ميزانها قطعة أدبية خالدة، وجوهر فنّي غير قابل للاستهلاك السريع.
هذا الرقيّ الجمالي تُرجم في مواقف إنسانية وسياسية صلبة غير معزولة عن الواقع، أكّدت أنّ مفهوم الفن عند ماجدة الرومي رسالة التزام ومسؤولية تجاه الإنسان وقضاياه العادلة. ولأنّ صوتها ومبادئها كانا على قدرٍ عالٍ من الصدق والنزاهة، تمّ اختيارها سفيرة للنوايا الحسنة والسلام لدى منظمة الأمم المتحدة، لتكون السفارة أكبر من لقب شرفي، ومنصّة كرّست من خلالها جهودها لخدمة قضايا السلام والتعليم ومحاربة الفقر والجهل.
لقد تجسّد هذا الالتزام في دعمها المتواصل للعديد من الجمعيات الخيرية، وفي مبادراتها الميدانية التي لم تسعَ خلف أضوائها؛ إذ لا تزال الذاكرة الإنسانية تحفظ زيارتها المؤثّرة لدعم ومساعدة أطفال الصعيد في مصر، وهي تمسح على رؤوس الصغار وتزرع الأمل في وجوههم. وبذات الشغف الإنساني، تقف الماجدة حائط صدّ أخلاقي دفاعًا عن قضايا أمتها العربية؛ فموقفها من القضية الفلسطينية جذوره ضاربة في أعماق الأرض لا تتزعزع، وتعبيرها الدائم عن ألمها العميق أمام الاعتداءات المتكرّرة على وطنها لبنان وعلى قطاع غزة يؤكّد أن حنجرتها ستظلّ لسان حال المقهورين في هذا العالم.
أمّا على الصعيد الفني، فتتجلّى إنسانيتها في مساندتها المستمرة للفنانين الجدد ودعمها للمواهب الشابة، ممهّدة لهم الطريق بدون خوف على مكانتها التي لا تُطال. ويرافق هذا كلّه تواضع نادر مع معجبيها كما المتربّصين بكل كلمة حرّة، وترحيبها الدافئ بكلّ مبادرة صادقة تُقدَّم لها، وإن كانت تطوعية بسيطة؛ لتقدّم أنموذجًا فريدًا للفنّان الذي يزيده المجد تقرّبًا من الناس، لا ترفّعًا عليهم.
في الجزائر، تحظى ماجدة الرومي بمكانة استثنائية تعدّت معاني النجومية التقليدية. إنّ جمهورها هنا جمهور مترفّع، لا يبحث عن الترفيه الاستهلاكي والمتعة اللحظية، جمهور نوعي، أغلبه من النخبة الفكرية والأدبية، ومن أصحاب الذائقة الرفيعة الذين يرون في فنّها امتدادًا لقيمهم ورؤيتهم للإنسان والحياة.
هذا الارتباط الوجداني تعمّد بالدم والدموع في أكثر فترات تاريخنا المعاصر حرجًا وعتمة، ولم يأتِ من فراغ. ففي سنوات الجمر، تلك العشرية السوداء التي انفضّ فيها الكثيرون من حول الجزائر خوفًا من لهيبها، وتحوّلت فيها الأرض في نظر العالم إلى منطقة محظورة، اختارت الماجدة أن تصنع الاستثناء. جاءت إلينا حاملة صوتها كرسالة تحدٍّ للموت، لتغنّي على مسارحنا وتؤكّد للعالم أنّ الجزائر نابضة بالحياة، وأنّ شعبها يستحق الفرح.
لقد كانت زيارتها ووقوفها الشجاع معنا في تلك المحنة الكبرى بمثابة بلسم ضمّد الكثير من الجروح وجبر العديد من الكسور. كانت زيارتها موقفًا تاريخيًا سيظلّ محفورًا بحروف من ذهب في ذاكرة كلّ جزائري عاصر تلك الحقبة وعاش تفاصيلها.
اليوم، في وقتٍ تُشرّع فيه كبرى المسارح والمهرجانات العربية أبوابها للاحتفاء بالماجدة من قرطاج إلى جرش، ومن دار الأوبرا المصرية إلى أضخم المحافل العالمية، نركن إلى زاوية بعيدة لنتساءل بمرارة وألم: عشر سنوات كاملة مرّت والماجدة غائبة عن الجزائر، فأين مكانها من برامجنا الثقافية ومهرجاناتنا الكبرى؟ أين حقّ هذا الجمهور النخبوي في مشاريع وبرامج وزارة الثقافة؟
المحزن والمقلق معًا أن نرى مسارحنا التاريخية تُستباح؛ نرى كيف تحوّل مهرجان عريق بمقام ومجد مهرجان "تيمقاد" الدولي، الذي طالما صدحت على ركحه الأثري أعظم قامات الفن والجمال، إلى منبر للنشاز وفضاء مغتصب يستضيف أشباه المغنّين والرّواد العابرين الذين شوّهوا الذوق العام وأفرغوا الكلمة من معناها.
مقابل هذا الانحدار، انحدار آخر متمثّل في التركيز المبالغ فيه على الفولكلور واختزال الثقافة في قوالب ضيّقة، وكأنّ الإبداع حبيس حدود جغرافية لا ينبغي له تجاوزها، وكأنّ عقول الجزائريين غير مهيّأة لاستيعاب الفن الإنساني الرفيع.
أمام هذا الغياب الذي دام عقدًا كاملًا، يفرض سؤال استنكاري نفسه بقوّة: هل هكذا تجازي الجزائر أصدقاءها؟ ألا يستحقّ من وقف إلى جانبنا في لحظات النزيف والعزلة، يوم كان الموت يتربّص بنا عند كلّ مفترق طرق، أن نفتح له أذرعنا في أيّام السلم والتمكين؟
إنّ استضافة ماجدة الرومي وتكريمها اليوم في الجزائر، بعد عشر سنوات من الفراق، أكبر من واجب بروتوكولي؛ هو قرار سيادي أخلاقي، وردّ دين معنوي لقامة فنية وإنسانية وهبتنا الأمان بصوتها يوم كنّا نبحث عنه تحت السرير. تكريمها هو استرجاع لمهابة المسرح الجزائري، وإعلان صريح بأن هذا الوطن لا ينسى أبدًا من كفكف دموعه باللحن والكلمة الطيبة والصوت الصادق.
* كاتبة جزائرية.


تحميل المقال التالي...