أكدت في الحلقة الأولى أن تنظيم أسواق السلع المستعملة في شتى أصقاع فرنسا على أرضيات خضراء خلابة في الكثير من الأحيان، والتي أطاردها تحت الشمس اللافحة والرذاذ والمطر الغزير وغير الغزير، مناسبة مثالية للتنزه وتغذية الرئتين بهواء الأشجار الباسقة على إيقاع زقزقة العصافير. اجتماعيًا وثقافيًا وإنسانيًا، تعد قبل كل شيء نافذة يطل من خلالها الزبائن بوجه عام، وبوجه خاص إذا كانوا يمشون كالضفدعة مثلي ومثل الراحلة برناديت شيراك (انظر الحلقة الأولى)، على مجتمع تعددي رغم المحاولات البائسة لنخب مخملية ما زالت تسعى جاهدة كسيزيف لمواجهة صخرة التاريخ الذي يدوس ويطحن الواقف في طريقه. الكتب القديمة التي تباع في هذه الأسواق مثلها مثل كل السلع المستعملة، حقيقة تنطق بعيش حضاري تاريخي رغم مخاطر تراجع القراءة عالميًا وليس في فرنسا فقط، والتي أعيش فيها منذ أكثر من ربع قرن خادمًا طيعًا لأبناء جلدتي، وعلى رأسهم أبناء فلسطين الصامدة مثلي في وجه محترفي المحو المرضي الممنهج.
النساء ومعركة القراءة
تحتل الكتب مساحة كبيرة في أسواق السلع المستعملة، ووجودها في ذيل قوائم السلع القديمة المعروضة للبيع ليس أمرًا سلبيًا بالضرورة كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن. فبقدر ما تؤكد هذه الأسواق تراجع القراءة بشكل رهيب ليس في فرنسا فقط كما أشرنا، بقدر ما تثبت أنها ما زالت حاضرة بنسب كافية تنفع الباحثين في علم الاجتماع للكشف عن هويات وانتماءات فئات عمرية صامدة في وجه الأمر الواقع المرير. في أسواق السلع المستعملة، نجد الكتب جنب سلع استهلاكية أخرى تسد حاجات معيشية مادية صرفة، ونلاحظ أن القراءة ما زالت ضرورة في حياة نساء شابات يضعن كتبًا اشتروها جديدة، وأتين بها لأسواق السلع المستعملة لبيعها قديمة بعد أن تمتعن بزخمها الأدبي، الأمر الذي يفسر تصدر الروايات قائمة الكتب التي عادة ما توضع في رفوف كبيرة أو في صناديق بلاستيكية. النساء هن الشريحة الاجتماعية الطاغية في أسواق السلع المستعملة، وهن اللاتي يقدن رغم الداء والأعداء معركة الحفاظ على ماء الوجه في مجتمع تأثر ككل المجتمعات بثورة تكنولوجية سمحت بنوع جديد من القراءة التي لم يترعرع عليها تربويًا الجيل الذي ولد قبل انفجار ثورة التواصل الرقمي.
انطلاقًا من تجربة كاتب هذه السطور كزبون مدمن على شراء الكتب والسلع القديمة (1)، يمكن القول إن جولاته وصولاته الأخيرة في أحضان الطبيعة الخلابة خلال فصل الربيع ومطلع فصل الصيف، قد أكدت مجددًا ميل النساء نحو القراءة أكثر من الرجال. وقوع نظر كاتب هذه السطور الأسبوع الماضي على منظر سيدة بدينة تقرأ وراء طاولة سلعها المعروضة للبيع بدل متابعة فيديوهات منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها "تيك توك"، دليل صحة هذا المعطى الاجتماعي الذي ترك سيدة أخرى تعرض الروايات التي قرأتها للبيع في بهو بيتها (2) وليس في أسواق السلع المستعملة التي تحتضنها الملاعب البلدية المعشبة والغابات الغناء والشوارع. خلافًا لضواحي إقليم "سان إي مارن"، تحتضن ضواحي إقليم "سان سان دونيه" (93) أسواق السلع المستعملة في الشوارع بمعظم الأحيان، وهي الضواحي التي تسكنها جاليات عربية ومسلمة وأفريقية مهاجرة تقصد أسواق السلع القديمة لشراء حاجات يصل الكثير منها إلى بلدانها الأصلية باستثناء الكتب التي لا تهمهم في معظم الأحيان شأنهم شأن فرنسيين كثر.
تعايش أيديولوجي لا يشمل الكتب
خلافًا لمواقف مثقفين مغرضين تستضيفهم قنوات باريسية خاصة يتاجر مالكوها بـ"خطر" المهاجرين العرب والمسلمين والأفارقة على "الصفاء العرقي الأوروبي" حسب تعبيرهم، تنصع أسواق السلع المستعملة - التي لا يؤمها الفقراء فقط كما يعتقد البعض - بأجمل سيمفونيات التعايش الأيديولوجي والإنساني والثقافي بعيدًا عن خطاب نخبة حاقدة على كل ما هو غير فرنسي خالص، تمامًا كما يفعل اللاعبون المنحدرون من أصول عربية ومسلمة وأفريقية مسيحية أروع صفحات التعايش الإنساني على الملاعب البديعة في مونديال كرة القدم. هكذا يفند زوار أسواق السلع بهتان أطروحات عنصريين سعدوا حتى الثمالة بأهداف كيليان مبابي في شباك لاعبي فريق السنغال الأفارقة الأقحاح مثله، وحزنوا حينما عبر عن إيمانه بفرنسا المتنوعة ثقافيًا واجتماعيًا على صورة زبائن أسواق السلع القديمة المستعملة والجديدة في الكثير من الأحيان. الفرنسيات اللاتي يظهرن شبه عاريات بسبب الحر الشديد مجسدات حرية وجودية على طريقتهن، يتعايشن عن قناعة أو عن غير قناعة مع زبونات فرنسيات يرتدين الحجاب أو الجلباب خلافًا لأخريات يرتدين حجابًا عصريًا يعكس عقيدتهن الإسلامية مهما يكن من أمر، جنب أفريقيات مسيحيات متحررات إذا استندنا إلى هندامهن، خلافًا لأخريات يبرزن الصليب على صدورهن. ولأن العنصرية يمكن أن تتواجد في كل المناسبات حتى حينما يتعلق الأمر بسياق غير سياسي مباشر، لا يمكن إلا أن نضع في تقديري اشمئزاز وامتعاض بائعة شقراء البشرة من زبونة أفريقية متحجبة رغم إقبالها على شراء ألبسة أطفالها. هذه الحقيقة التي وقفنا عندها ليست سوى حالة شاذة لا يقاس عليها، وتجاذب أطراف الحديث والتنكيـت على مرآنا ومسمعنا هي الحالة الطاغية في أسواق السلع المستعملة بين باعة فرنسيين من الجنسين وزبائن فرنسيين من أصول عربية ومسلمة وأفريقية، الأمر الذي ينافي الحالة الأولى المذكورة.
الكتاب كسلعة يتيمة
التعايش الاجتماعي والأيديولوجي الذي يطبع إنسانيًا أسواق السلع المستعملة - تكريسًا لتعددية دينية وفكرية نسجت خيوطها عقود من التلاقح الحضاري الذي يرفضه حراس الصفاء العرقي - لم ينقذ الكتاب من اليتم كسلعة لم تجد من يتبناها سواء تعلق الأمر بالفرنسيين الشقر الأقحاح أو السمر المنحدرين من أصول عربية ومسلمة وأفريقية أو المهاجرين الفرنسيين "على الأوراق" على تعبيرهم نكاية في العنصريين. أنا الذي يتردد على أسواق السلع المستعملة لشراء الكتب وحاجات استهلاكية أخرى منذ قرابة أربعة عقود، لم أشاهد فرنسيًا واحدًا أو مهاجرًا واحدًا يقف مطولًا عند الكتب ولو لتصفح بعض أوراقها وليس لشراء بعضها، وللتاريخ ولله أضيف أن الكتب التي اشتريتها كانت لباعة فرنسيين بيض البشرة مثلهم مثل المهاجرة الجزائرية التي راحت تبيع كتب ابنتها الطالبة السابقة في علم النفس (3). حسب الميكانيكي عبد القادر ب.، الذي يعد شخصًا هامًا في حياتي بحكم مهنته، فإن الكثير من المهاجرين المغاربة يغزون أسواق السلع المستعملة لحظة انطلاقها لشراء حاجات يعاد بيعها في الوطن الأصلي، الأمر الذي لا يعني أن المهاجرين العرب الآخرين يغزون أسواق السلع المستعملة لشراء الكتب التي يضطر أصحابها إلى رميها في الكثير من الأحيان قبل عودتهم إلى بيوتهم. أتذكر أنني كنت من الأوائل الذين عادوا بدورهم إلى بيوتهم بكتب تبنيتها بدون دفع سنتيم واحد، ومن بينها الكتب التي أرسلتها إلى الجزائر مع صديقي رضا الذي وصفني بـ"البزناسي" (4) "الفاشل" منفجرًا ضحكًا. وضعتها جنب الكتب التي ألفتها شخصيًا، ومن بينها كتاب "إبادة غزة: رد جزائري على المكارثيين الفرنسيين"، وهي الأخرى لم تجد من يتبناها كما كان منتظرًا. للتخفيف من تداعيات تجربتي التراجيكوميدية مع الكتب والكتابة على وجودي السيكولوجي، أفكر جديًا في تأليف كتاب عن الفريق الوطني الإيراني لكرة القدم، مخصصًا فصلًا خاصًا لحارسه الأسطوري علي رضا بيرانفاند.
هوامش:
1ـ من السلع القديمة التي اشتريتها، عدة مزهريات ولوحات زيتية وأقلام وثريات نحاسية كلاسيكية وفناجين قهوة وملابس قيل لي إن بعضها كانت ملكية موتى سبقوني إلى الآخرة.
2ـ باعت السيدة المذكورة حاجاتها القديمة بما فيها الكتب ببيتها تحت عنوان "تفريغ البيت": Vide maison
3ـ الكتب التي اشتريتها مؤخرًا "القاموس الكبير لعلم النفس" و"فن الحدائق" و"المصير التراجيدي للجزائر الفرنسية"، و"الانتصارات المذهلة لعلم النفس" و"تأثير وتقليب".
4ـ يَقْصِدُ صديقي رضا بـ "البزناسي" رجل الأعمال بالتعبير الجزائري الدارج مأخوذًا من اللغة الإنكليزية.


تحميل المقال التالي...