كنت أحسب أن الحياة
لا يمكن أن تكون ما كانت عليه.
لكنها جلست قبالتي
ترتشف القهوة من فنجاني
وتضحك بأسنان مستعارة.
كانت تمشط شعر الغيوم بأصابعها
وتربط النهار حول خصرها مثل مئزر قديم.
قالت إن الشمس مجرد مصباح محترق
وأن البحر يختبئ أحيانًا في جيبها الصغير
لتخرجه حين ينام الأطفال.
أنا الذي ظن أن النسيان قبر أبيض
اكتشفت أنه دكّان بائع خردة
يعرض فيه الصور الممزقة على المارة
ويبيع الدموع في قنانٍ بلا أغطية.
كل شيء يتحرّك مثل كائن مرتبك:
الريح تمشي على أطراف أصابعها كي لا توقظ الصمت
النافذة تحكّ ظهرها بجدار الحديقة
والوقت يلهو بحبل غسيل معلق بين موتين.
كنت أسمع صوت الماضي وهو يقضم البسكويت
وأشتم رائحة الغد في عرق الجنود العائدين بلا معارك.
في فمي طعم صدأ
وفي عيني مشهد لا ينتهي:
امرأة تضع المطر في حقيبتها
وتذهب به إلى مكان مجهول.
في الليل
جاءت الحياة ترتدي ثوب جَدِّي.
كان الثوب أوسع منها
فتعثرت بأكمامه الطويلة
وجلست على حافة سريري
كأنها ضيفة لا تعرف لماذا جاءت.
فتحت حقيبتها
أخرجت منها أصواتًا قديمة:
ضحكة جارتي وهي تسقي الزهور
صرير باب في بيت مهدوم
وصوت قلبي وأنا أتهجّى اسمها للمرة الأولى.
قالت:
"كل ما فقدته ما زال هنا،
لكنني خبأته في أماكن لا تعرف كيف تصل إليها".
ضحكتُ
وقلت لها إنني نسيت حتى طريقة النسيان.
عندها تحرك الظل خلفنا
كان ظلًا غريبًا
يمضغ خبزًا يابسًا
ويشرب الماء من عيون التماثيل.
قال إن الوقت ليس سوى حارس متعب
وأنه أحيانًا
يترك الساعات تمشي وحدها لتضيع في الشوارع.
لم أعد أعرف إن كنت أنا الذي يتذكر
أم أن الذكريات هي التي تتذكرني.
لم أعد أعرف إن كنت أرى
أم أن الضوء هو الذي ينظر من خلالي.
وفي تلك اللحظة
شعرت أن الحياة يمكن أن تكون ما كانت عليه
لكن بوجه آخر
وجه يشبه المِرآة حين تكذب.
صباح اليوم
وجدت الحياة جالسة في المطبخ
تأكل الخبز المحمص الذي كنت قد خبأته للأيام الصعبة.
قالت وهي تلوح بالسكين:
"الأيام الصعبة لا تأتي، نحن الذين نذهب إليها".
كانت رائحتها مثل كتبٍ رطبة
مثل رسالة وصلت بعد موت صاحبها بسنوات.
سألتها إن كانت تتذكر كل ما فعلناه معًا
أجابت: "أنا أتذكر فقط ما لم يحدث" .
عندها دخل النسيان
يمشي على عكاز مكسور
ويحمل على ظهره قفصًا
فيه عصافير ميتة تغني بلا صوت.
جلس معنا
شرب قهوته ببطء
ثم بدأ يقلب صفحات الصباح
صفحة تلو الأخرى
حتى صار المطبخ مجرد ورقة بيضاء.
خارج النافذة
كانت الريح تنظف الشارع
بمكنسة مصنوعة من عظام الأشجار
وكانت الغيوم تتدرب على البكاء
بصوت منخفض.
أحسست أنني أعيش داخل جملة غير مكتملة
وأن اسمي مكتوب في دفتر أحد الغرباء.
وقبل أن تغادر
وضعت الحياة يدها على كتفي وقالت:
"كنتَ تحسب أنني لا أستطيع أن أكون ما كنتُ عليه…
لكنني أستطيع أن أكون لا شيء،
وأظل أثقل من كل ما حملته في حياتك".
ثم خرجت
وتركت الباب مفتوحًا
كي يدخل الليل متى شاء.


تحميل المقال التالي...