أكملت اليوم عامها الخامس والعشرين، بقيت شاردة الذهن وهي تنظر إلى التاريخ المكتوب على الروزنامة المعلقة على الحائط، متهالكة القوى، حاملةً في سرائرها خيبات الماضي، وأماني مستقبلها الواعد.
راحت تتأمل ابتسامتها في صورتها المعلقة على الحائط بجوار الروزنامة حين كانت في السابعة عشرة ربيعًا، تلك الابتسامة الممتلئة شوقًا لملاقاة الحلم القريب.
مضت ساعةٌ من الزمن ولم تقوَ على النهوض، لم تكن تلك الليالي الجميلة بانتظارها ولم تفلح مثابرتها في تحقيق ما كانت تصبو إليه؛ تعود لذاكرتها أيام الطفولة وحلمها بأن تتسارع الأيام لتصبح ما تريد، ولا شعوريًا ترتسم ابتسامةٌ لطيفة على وجنتيها سرعان ما يبددها اشتداد الريح التي طغى صوتها في الخارج فتصحو من شرودها لتعود فتاةً نحيلةً هزيلةً.
أخذت قرصًا مهدئًا لآلام المعدة المزمنة، ساخرةً من كلام طبيبها بضرورة الالتزام بوصفتها الطبية، تحدث نفسها قائلةً: “ولكن من يعرف دواء الإنسان أكثر من نفسه؟”، ثم تجرعت كأسًا من الماء وتعاود الاستلقاء مرةً أخرى، دافعةً خيباتها بعيدًا، لتعاود استقبالها بعد ساعاتٍ قليلة، كما تفعل دائمًا، وتغفو أخيرًا بعد أن يأخذ القرص المهدئ مفعوله.
في نهاية الشارع الذي تقطن به تلك الفتاة الهزيلة، تربع منزلٌ حسن المظهر تحيط بحديقته أشجارٌ طويلة تنتشر ضمنها أنواعٌ كثيرة من الورود يدأب البستاني على الاعتناء بها.
في إحدى غرفه في الطابق الأعلى، وقفت سيدة المنزل تتأمل الأفق من النافذة، حائرةً؛ ما زال صدى الكلمات يتردد في أذنيها: “لم تعد جديرة باستحقاقاتها السابقة، ثمة أناس آخرون سيأخذون مكانها قريبًا”.
استيقظت اليوم باكرًا منذ ساعات الصباح الأولى، سارعت لممارسة تمارينها الصباحية بهمةٍ كبيرة، أمضت بها ساعةً كاملةً تتنقل بين ضربات قلبها المتسارعة وصخب الماضي الجميل، حتى هدأ الصراع مؤقتًا.
انتصف النهار وبقيت تتجول في المنزل تردد في ذهنها: “لا أحد جدير بالاستحقاقات أكثر مني”. يزداد إصرارها على هذه الحقيقة المجردة في أثناء تنقلها بين غرف المنزل وهي تنظر للصور المعلقة على الجدران، تلك الصور الكثيرة التي حاكت تفاصيل حياتها وصولًا لسنوات الأربعين.
كانت اليوم على موعدٍ مهم للقاء عدة أشخاص، لكنها قررت أن على الجميع الانتظار عدة أيام أخرى ليستحقوا رؤيتها.
أمضت عدة ساعات لاحقة في نبش أوراقٍ من ذكريات الماضي، بعضها يوثق صورًا تجمعها مع شخصيات مشهورة، ومنها عقود عمل قد مضت، ولم تجد الدموع طريقًا لعينيها رغم كل الحنين.
وللمفارقة الكبرى، فقد كان هذا اليوم هو اليوم الأول الذي تتحدث به باستكبار مع العاملين في المنزل، وقد أخذ البستاني نصيبه الأكبر منها، بل إن توبيخه كان الأشد بين الجميع، فأزهاره التي تزهو في البستان مستندة إلى سور الحديقة تعاونت مع أشجارها العالية حتى منعت الريح من العبث بها فأبقتها منتصبة بدون أن تنحني.
استيقظت الفتاة من نومها العميق، يخالجها شعور ببداية جديدة، تسارعت نبضات قلبها وتبدد شعورها تلقائيًا عندما غادرت غشاوة النوم عينيها، أخذت نفسًا عميقًا ثم جاهدت نفسها في النهوض لتقف أمام النافذة.
كانت الريح قد هدأت في الخارج وبدأت أشعة الشمس تنذر بقرب اختفائها، فتحت النافذة فدخلت نسمات باردة لرئتيها أنعشتها قليلًا.
لم تكن قد غادرت غرفتها منذ عدة أيام، شعرت برغبةٍ في الخروج لتلامس أشعة الشمس جسدها.
ارتدت ملابسها وقامت بتصفيف شعرها بروّية حتى أُعجبت بمظهرها، ثم راحت تمشي متباطئة خارج المنزل.
في الجهة المقابلة للشارع، كان موعد نزهة السيدة عند الغروب قد حلّ، وقد انتهت مرافقتها للتو من تزيينها، ارتدت لباسًا فاخرًا يناسب مزاجها لهذا اليوم، ثم نزلت بصحبتها من غرفتها استعدادًا للخروج.
كانت أشعة الشمس البرتقالية تمسح الشارع ترافقها نسمات الهواء الباردة، سارت الفتاة ببطء في الشارع شاردة الذهن عمن حولها، تتحسس دفء الشمس المتبقية.
أما سيدة المنزل فكانت مختالة في مشيتها، تعلو بنظراتها عن الجميع، وتتكلم بكلمات قليلة مع مرافقتها دون تكلف عناء النظر إليها.
التقت الفتاة والسيدة في منتصف الطريق على جهتين متعاكستين، نظرت الفتاة الصغيرة للسيدة بعيون بريئة تملؤها الشجاعة، وشعرت مرة أخرى أنها قادرة على المضي قدمًا، وخالجتها رغبة في الاقتراب منها لكنها لم تنصع لهذه الرغبة.
أما السيدة فقد رمقت الفتاة بنظرةٍ حادة طويلة ثم أشاحت بنظرها بعيدًا عنها، لقد وجدت في تلك الفتاة خطرًا حتميًا يستوجب اقتلاعه قريبًا. وستفعل.
* كاتب سوري.


تحميل المقال التالي...