ننتقل إذًا إلى بيروت، بعدما ضاقت صيدا بأمي، إلى كورنيش المزرعة، خلف ما يسمى "تقاطع الكورنيش- الكولا"، أي معمل الكوكا كولا. ومع الوقت، اختُصر هذا الاسم بـ "الكولا"، وهو المعمل الذي اشتهر بصنع هذا المشروب، على الرغم من إحراقه في حرب حزيران/ يونيو 1967، احتجاجًا على الهزيمة.
نحن في عام 1963، وعمري إحدى عشرة سنة. نسكن عمارة جديدة من ثلاثة طوابق. في كل طابق شقتان، واحدة على الجهة الشمالية والأخرى على الشرقية. الأولى واسعة، بغرفها وشرفاتها، والأخرى أضيق منها.
الطابق الأرضي فيه واجهة لمحل، وخلفه شقتان أضيق من التي فوقها. والمحل يبيع ثياب "البالَة" المستعملة، والآتية من ألمانيا. صاحبه، يونس، من الجنوب اللبناني، يعيش خلف واجهته مع زوجته وأولاده الأربعة. وهذه الواجهة عابقة برائحة النفتالين. على أدنى حيطانها يعلّق يونس الثياب بصفوف مرصوصة، وكذلك على أعلى هذه الحيطان التي يطاولها بعصا طويلة. وفي كل صف صنف: فستانين، بناطيل، جاكيتات، قمصان، معاطف...
ونحن في العائلة، نعي تمامًا بأننا أصبحنا من طبقة اجتماعية جديدة، أقل بحبوحة. فيونس يسعفنا بملابس "البالَة" التي تعرف أمي كيف تختارها، وكيف تنمّقها، تحسّنها، وأحيانًا تعيد خياطتها، لكي نبدو أنا وأخوتي "أكثر أناقة" مما كنا أيام عزّنا. وبفضل أمي أطلقنا على محل البالَة هذا اسم "شيك يونس" (شيكْ من شياكة، أو أناقة، أو حسن هندام).
ولكن أيضًا: يونس عنده تلفون. ونحن لا نعطي رقمه لمن أراد الاتصال بنا. وعندما تأتينا المكالمة، يصرخ يونس من تحت بنبرته المتبرّمة، أمام الملأ: "أم سعيد...! تلفون!"، فيهرع إليه أحدنا، وبشيء من الخجل.
خلف "شيك يونس"، في الطابق الأرضي إذًا شقتان:
في الأولى، تسكن لطيفة مع زوجها الياس، وابنهما طوني. ولطيفة كانت تجهر بمناسبة ومن دونها أن الياس، أو كما تسميه "للّوس"، "لا يصلح"، بغمزة عين موحية. كما يمكن أن نفهم من الغمزة أنه "لا يصلح"، لا لكسب العيش ولا للجنس. ولطيفة ليست جميلة بالمعنى الذي نعرفه. ولكن تنبعث منها طاقة وجاذبية غير عاديتين. ممشوقة، سمراء، شعرها طويل فحْمي، تتراقص وتتكلم بحرية وبذاءة وخفّة ظل، وبشتائم جنسية يطلقها عادة الرجال. وزوجها الياس ينال قسطًا وافرًا منها. خصوصًا أنه تأخر بطلبه أن "تنضم" إليه بعدما هاجر إلى السويد. كنا نحب لطيفة. الجو معها خفيف، رفقتها مسلية. نضحك كثيرًا على كلماتها، على مجونها وظرافتها. بقينا لسنوات طويلة نتذكرها ونتساءل عن مصيرها في السويد بعدما التحقت أخيرًا بإلياس. ولا نعود نعرف عنها سوى أنها استقرت في العاصمة ستوكهولم.
عكسها سهام الساكنة في الشقة المقابلة، في الطابق الأرضي أيضًا. وزوجها جورج، الذي يحب أن يكنّى بـ"أبو داني". رغم أنه شبيه نجوم السينما الأميركيين، بعيونه الزرقاء وشقاره. فهو رجل "بيتوتي". رجل متعلق ببيته، وقور، مواظب على عمله المتواضع، يحب أولاده الثلاثة، ولا يُسمع له صوت. ومثله سهام، التي تقلّ عنه جاذبية. ترتب بيتها، تنظّفه بشيء من الولع. تسعى إلى زيادة دخلها عبر أعمال السكر لإزالة الشعر من الأرجل والأفخاذ، ونتف الحواجب، وأحيانًا الماكياج في المناسبات. وباختلاف لطيفة أيضًا، لا تنتظر سهام أكثر من شهر واحد للالتحاق بزوجها في السويد؛ وحيث هاجر هو الآخر، بعد الياس، إثر إطلاق الرصاصات الأولى للحرب الأهلية.
في الشقة التي قبالتنا، في الطابق الأول، تسكن عجوز حلبية، اسمها أم الياس. لا نعرف ما الذي أوصلها إلى هنا بيننا. تسترسل في الكلام عن موضوعين لا ثالث لهما: الياس راح، الياس جاء، الياس نجح، الياس ربح، الياس اقترب مجيئه، الياس تأخر... ونحن نمتنع عن سؤالها عنه. ربما بعد ملاحظة من أمي صاحبة الفطنة الدائمة. إذ تعتقد بأن كل هذا الكلام عن الياس، والياس لا يظهر، ربما إشارة إلى أن الياس توفي، أو اختفى، أو هاجر ولم يرسل أي إشارة... وهي لا تريد أن تعترف، وربما أتت إلى لبنان، هربًا من حقيقة غيابه... ولكننا ننطلق على سجيتنا، عندما تروي لنا أم الياس مغامراتها التي لا تنتهي مع الرجال. فعلى الرغم من حزنها المفترض، من سنها المتقدم، وضفيرتها مكتملة البياض. والقصة نفسها: بأن الرجال يتحرشون بها. فننطلق نحن بأسئلتنا الساخرة كل مرة: "إروي لنا أم الياس، كيف تحرش بك الرجال في سوق الخضار... أو في الفرن... أو في البوسطة...؟". وفي مرة من تلك المرات، تصرخ أم الياس بوجهنا: "يا عفاريت! أنتم عفاريت! حلّوا عني (اتركوني وشأني) الآن! الآن!". وهكذا، نترك أم الياس وشأنها... لا هي تعود وتروي، ولا نحن نسألها. إلى أن رجعت إلى سورية، أو إلى غيرها من البلاد حيث أحببنا أن نتصور أنها التحقت بإلياس.
في الطابق الثاني، فوقنا مباشرة، شقة أبو فرحان. موظف في الدولة، أي ذو شأن، لا نعرف درجته ولكننا نفهم أنه قد يكون من الأعلى بقليل من المتوسط أو الأقل بقليل من الرفيع. فهو متعالٍ، جاف، لا يطلق السلام على أحد. يسكن الشقة مع زوجته وأمه وابنه الوحيد، فرحان. وعندما انتقل إلى سكن آخر، لم نشعر بمغادرته. كنا قد نسيناه. وكانت عائلة آل فايد، الملاكين الشركاء للبناية مع آل الداعوق، هي التي سكنت مكانه.
في الطابق نفسه، تسكن عائلة أبو خالد. وأبو خالد موظف في قوى الأمن، أو "دركي"، كما نسميه. يعيش في هذه الشقة ذات غرفة النوم الواحدة، مع زوجته أم خالد وأبنائه الثلاثة، صبي وابنتان. وأبو خالد معتدّ بمهنته. لا يفارقه مسدس الشغل، على جانبه، أينما ذهب. صوته كالعاصفة، مرتفع وحاد. حتى عندما يريد أن يمتدح شخصًا. وعلى كل حال، يبالغ بمديحه، كما يبالغ بغضبه. وعاصفة صوته نسمعها من شقتنا، وهو يطلق اللعنات والشتائم، وصراخ زوجته أم خالد أو ابنه خالد... يتلقون لسعات كرباجه.
كنا دائمي الاستنكار لتصرفات أبو خالد. مزعج، منفّر. نشفق على زوجته، ولا نستطيع أن نفعل لها شيئًا.
وفي سنة متأخرة، تفوق على نفسه: كانت أيامًا عصيبة. ونحن مختبئون في مصنع خياطة، تحوّل إلى ملجأ بعدما هاجمت قوات الجيش السوري العاصمة بيروت وبدأت بقصفها. أي عام 1976، وكنت قد تزوجت، وسكنت ناحية أخرى، ولكنني علقت عند أهلي، أنا وزوجي وابني، فلجأت مثلهم إلى هذا المعمل.
والطيران السوري يحلق فوق رؤوسنا، ونحن مرعوبون. ماذا يفعل أبو خالد؟ يسحب مسدسه من جيبه، يرفعه إلى السماء ويبدأ بإطلاق النار على الطائرات، وبالشتائم نفسها التي اعتاد على إطلاقها وهو في حالات الغضب. ونحن مذهولون، لا نعرف ماذا نفعل: هل ننهره أو نضحك عليه؟
وفي الطابق الأخير، الثالث، تعيش العائلة صاحبة البناية، من آل الداعوق. وأم محمد هي المحور، بعد وفاة زوجها أبو محمد. عائلة كبيرة: ثلاث بنات وخمسة صبيان. البنت البكر، مثل الصبي البكر، ليسا الآن في عداد ساكنيه. الأولى، عايدة، انتقلت مع زوجها الطيار إلى بيت آخر. والثاني، محمد، هاجر إلى العربية السعودية بعدما تخرج في الهندسة المعمارية. بيننا وبين أم محمد علاقة وطيدة. أم محمد تحب صحبة أمي بمرحها الدائم. نطلع كلنا لعندها مرة وأحيانًا مرتين في الأسبوع أو ثلاث لنحضر التلفزيون. الصغار، نحن، نجلس صفين على الأرض، وأمي وأم محمد على الكرسي. فيكون مسلسل أبو سليم وأبو ملحم. والجلسة الأكثر إثارة، عندما يحين موعد مسلسل اسمه "بونانزا"، عن الغرب الأميركي. تتولى أمي ترجمته للجميع من الإنكليزية، التي لا يفهمها أحد منا. نحضره، ورؤوسنا تتنقل تباعًا بين الشاشة ووجه أمي، حتى الكبار بيننا مذهولين من طلاقة لسانها.
وأنا أصادق ليلى من بين أبناء أم محمد. ذات يوم، تنتبه ليلى إلى تالولَة (أي ثُؤْلول)، وهي زائدة جلدية، ظهرت على وجهي. تقول إنها ناجمة عن تحديقي بالنجوم، وإن لديها الحل: تنتظر اكتمال القمر، ليصبح بدرًا، وتصطحبني إلى سطح البناية لتدلّني على مشتل أغرس فيه باذنجانة. وبعد ذلك، لم تختفِ التالولة. لكن الطلعة على سطح البناية كانت مغامرة ليلية غريبة، أضواؤها فضية، يختلط فيها البدر بالباذنجان.
واللحظات الأمتع مع ليلى هي عندما نشطف الدرج في كل الفصول، الحارة والباردة. هي تدلق من فوق المياه الممزوجة بالصابون، لتصل إلينا، فنضيف إليها مياهنا، ونسعد بها. ونضحك، ونبذل جهدنا لكي تدوم هذه المياه. ولكن ليلى يجب أن تنهيها بدلق المياه الصافية، التي تكون المرحلة الأخيرة من الشطف، ومن بعدها المهمة الثقيلة، مسح الأرض، أي تنشيف المياه بفوطة، فنهاية لتلك الفرحة المائية، وثناء الجيران على نظافتنا...
الشقة الصغيرة المقابلة لأهل ليلى، في الطابق الثالث، سكنتها عائلة سورية لم تختلط بنا أبدًا. ولم تستقر على أي حال. أفرادها دائمو التنقل، الأم والأب والابن، إلى حيث لا نعرف. وعندما أسأل أمي عنهم، تؤنّبني، وتنعتني بتلك الصفة التي ألصقتني بها دائمًا: "حشورة...! تتدخلين بما لا يعنيكِ...". على كل حال، نسيناهم مع الوقت.
(يتبع)


تحميل المقال التالي...