}

ملفات أفتحها في المنام

رشا عمران رشا عمران 2 أغسطس 2026
يوميات ملفات أفتحها في المنام
(سهف عبد الرحمن)

استيقظت اليوم تتملكني مشاعر غامضة لا أستطيع تفسيرها، ليست حزنًا، فالحزن واضح وجليّ مثله مثل الفرح، لا مجال للغموض فيه، هو المرآة الناصعة التي تكشف ارتباطنا بالعالم والكائنات التي تحيط بنا، كلما ازددنا فقدًا ازددنا حزنًا وازددنا حبًا، كما لو أن هنالك ارتباطًا خفيًا بين الحب والحزن، كأن الفراغ الذي يخلفه الحزن في الروح يبحث عن حب ما ليردم. لست حزينة اليوم بهذا المعنى، ما بي هو أقرب لأن يكون شعورًا بالمرارة، حين تشعر بأن ثمة ما يعصر روحك ويستخلص المر فيها، ويملأ به حواسك كلها. هل المنام الذي رأيته هو السبب؟ نادرًا ما أتذكر مناماتي، أتذكر منها ما يجعلني أستيقظ غير مرتاحة؟ تلك المنامات المرتبطة بي شخصيًا! بكينونتي، بمخاوفي، بهواجسي، بخيبتي العاطفية، المنامات هي طريقة الدماغ في معالجته للعواطف والتجارب التي نمر بها، حسب تفسيرات علماء النفس، لكنها أيضًا مرآة لمخاوفنا وللخفي من أفكارنا والأكثر سرية فيها، تشبه الشعر إلى حد ما، لا تروي الوقائع بل تحولها إلى صور، لا تشرح ولا تفسر، بل تعطي تلميحات خفية عما يؤرقنا، وهي تشبه الشعر أيضًا في ندرتها عندي، أو في عدم قدرتي على القبض عليها دائمًا، أعرف أنني رأيت منامًا ما، لكنني لا أتذكر منه صباحًا غير أثره، كذلك الشعر عندي يملأ كل كياني، لكنني لا أمسك منه إلا أثره الغريب بي، لا أستطيع القبض عليه إلا لمامًا؛ المنامات أيضًا تشبه الشعر في أنها لغة ثالثة بين الوعي واللاوعي، بين الذاكرة والرغبة، بين الروح والجسد، هي اللغز الذي يقف بين إدراكنا وبين العدم. كأن النوم موت تجعله المنامات مؤقتًا.
ربما ما زاد في المرارة هذا الصباح هو "سيوا"، قطتي البيضاء العجوز، استيقظت على يدها فوق وجهي، لا لتداعبني، بل لتوقظني كي أضع لها طعامها، نادرًا ما تفعل هذا، عادة هي تنتظر نهوضي من السرير ثم تتوجه إلى المطبخ قبلي طالبة الطعام. لكنها الآن مصابة بمرض السكري الذي عجل في إظهار شيخوختها وجعلها أكثر إلحاحًا في طلب الطعام، "سيوا" تبلغ اليوم الثالثة عشرة من عمرها، هي في القياس البشري تعادل السبعين، تدهشني هذه الكائنات، تدهشني قدرتها على اكتشاف ما يناسبها، منذ أصيبت بالسكري توقفت تلقائيًا عن أكل الطعام الناشف الذي يزيد في تقدم المرض، لا تأكل اليوم سوى الطعام الرطب، الخالي من الحبوب والكربوهيدرات، وهذا ما يجعلها في حالة جوع متواصلة، أشعر أن قلبي يتقطع عليها وأنا أراها منعزلة وحدها تبذل جهدًا لفعل الأشياء التي تحبها! ما الحكمة في أن تمرض هذه الكائنات بالغة اللطف والبراءة؟! كيف يمكن فهم ما تعانيه وما تشعر به؟ هل تدرك القطة أنها مريضة؟ هل تشعر بأنها كبيرة في السن؟ هل يؤرقها هذا مثلي؟ لو أن للبشر قدرة فهم ما يدور في خلد الكائنات غير الناطقة لربما كانوا أكثر رحمة ورأفة بهم، كنت أقرأ قبل أن أنام أمس عن شخص في مدينة حلب يقبض على القطط ويعذبها على الهواء مباشرة، ثم يقتلها أمام جمهور يتابعه ويضحك ويهلل له ويزيد في أرباحه! لم أصدق الخبر بداية... لم أصدق أنه يمكن لأحد أن يفعلها، لكننا نحن السوريين فعلنا هذا بالبشر... ثمة سوريون عذبوا وأهانوا وقتلوا واغتصبوا سوريين وسوريات، ووثقوا ذلك عبر هواتفهم، ونشروه على مواقع التواصل، ليصل إلى أكبر عدد من المشاهدين كأنهم يتباهون بفعلتهم، وكان لهم، بالفعل، جمهور واسع يضحك ويهلل ويطالب بالمزيد، ما الذي يمنعهم من فعل الشيء ذاته مع الكائنات الأخرى الضعيفة؟ نحن، السوريين وصلنا في العنف إلى درجة غير مسبوقة في الانحطاط، يمكن معها فعل أي شيء، وتصديق أي سلوك عنفي بدون حتى التأكد منه. أظن أن ما قرأته قبل نومي كان من أسباب ما أنا فيه هذا الصباح... تخيلت أن أحدًا يفعل هذا بـ"سيوا"!! كدت أجن من الفكرة... أنا غاضبة أصلًا من فكرة أن تصاب قطة بأمراض تشبه أمراضنا نحن البشر! لماذا؟ هل هذا يعني أنه في مستقبل البشرية البعيد قد تتطور القطط لتصبح كائنات عاقلة على الطريقة الداروينية في شرح تطور البشر من القردة إلى المرحلة الحالية؟ هل ستتحول هذه الكائنات اللطيفة الذكية إلى بشر قادرين على ارتكاب الجرائم والتباهي بها؟ أمسح رأس قطتي وأدعوها إلى الطعام، هي تحبني أن أفعل هذا حين أضع لها طعامها، وأفكر بأنني قد أفقدها قريبًا، كم أخشى هذه اللحظة، قلت لصديقتي إن حصل شيء لـ"سيوا" قبلي فلن أتبنى قطًا آخر، لم أعد أحتمل التعلق بشيء. ولا القلق على أحد.
غير أن مرض "سيوا" والخوف من فقدانها ليس هو السبب الرئيس لهذه المرارة التي تقضم روحي كما الفأر... منذ مدة وأنا مشغولة بالتفكير في خيارات حياتي. ملفات كثيرة كانت مغلقة في داخلي فتحتها مؤخرًا ودخلت في دوامة من الغضب والندم والإحساس بالخواء، هل ما فعلته في حياتي كان صحيحًا؟ كنت دائمًا أقول: يكفي أن يكون مسار حياتنا هو من اختيارنا كي نكون ممتنين، لكن إن كان هذا صحيحًا فلماذا تأكل سكين الوحدة لحم قلبي؟ لماذا أشعر أن الخذلان والخيبة ينامان في سريري؟ لماذا بات الندم يرافقني كظلي؟ أفكر بالندم وكم كنت أردد أنني لا أندم علي شيء فعلته في حياتي، لكنني بدأت أكتشف أن شخصياتي التي ظننت أنني قتلتها ودفنتها في داخلي مع كل فشل، أو خيبة، ما زالت حية وتستعيد أصواتها وتصرخ في حواسي. الندم هو أصوات تلك الشخصيات، هو ماضينا الذي يعود في لحظات ضعفنا، هو ندوبنا الخفية التي لا تظهر إلا حين تصقل التجربة أرواحنا حين لا يعود في الإمكان تغيير أي شيء.
للندم هويات متعددة: مرض في الشرايين، قولون عصبي، اكتئاب مفاجئ، منامات واضحة، صداع لا تفسير له، وجع في العظم والمفاصل، قد يسميها البعض أمراض شيخوخة، لكنها في الحقيقة هي شخصيات للندم لا نستطيع التعامل معها، فتظهر لنا على هيئة علل، الندم لا يعني التحسر والشكوى، هو فتح ملفات مغلقة وكشفها أمام الذات، ومواجهتها لرؤية الماضي الذي قد نكون فوتنا أجمل ما فيه ونحن نؤكد على الوهم الذي وضعنا أنفسنا فيه: نحن قادرون على تجاوز أخطائنا والتعامل معها من دون ندم، ومن دون ضعف، لم نترك أنفسنا لنضعف في الأوقات المناسبة، لم ننتبه لضرورة أخذ الوقت للتفكير في كل خطأ ارتكبناه، نحن دسنا عليه وأكملنا. لكنه في كل مرة كان يلملم نفسه ويلتصق بنا في انتظار وقت كهذا كي يعلن عن نفسه. هذه المرارة التي أشعر بها اليوم هي ملفاتي العالقة بي أراها على هيئة منام متقطع تظهر فيه شخوص حياتي وشخوص تجاربي، كما لو أنني أحاول التخفف منها نهائيًا عبر المنام، كما لو أنني وأنا أرى اليوم ما أنا فيه من ضيق المساحة لاحتمالات جديدة وتجارب أخرى أكتشف تلك المسافة التي تفصلني عن الاحتمالات الأخرى التي ربما كانت متاحة لي ذات يوم وتركتها خلفي.

مقالات اخرى للكاتب

يوميات
2 أغسطس 2026
يوميات
11 يوليه 2026
يوميات
23 يونيو 2026

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.