}

أميركا على مقعد حافلة

سركان كامل 22 أغسطس 2026
يوميات أميركا على مقعد حافلة
سيليكون فالي (Getty)
في عام 2010، بدأت واحدة من أغرب رحلات حياتي من مكان لا يشبه محطات الحافلات إطلاقًا: لقاء رسمي في واشنطن العاصمة، حضرته وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون، إلى جانب خبراء وممثلين عن شركات كبرى، بينها آبل وماكدونالدز وكاتربيلر.

كنت أظن أن أكثر لحظات ذلك اليوم حساسية ستكون النقاشات الاقتصادية. كنت مخطئًا تمامًا.
بعد انتهاء اللقاء، اقتربت هيلاري من المجموعة التي كنت أقف معها، ثم أشارت إليّ وإلى شابة أخرى وقالت، بما معناه: "أعرف تقريبًا من في القاعة… إلا أنت وهذه الشابة. من أنت؟".
قلت: "أنا من العراق"؟.
صافحتني. وهنا قررت، بعفوية عراقية كاملة، أن أستغل اللحظة لأقول شيئًا كنت أراه مهمًا: إننا، كشعب عراقي، نحب الشعب الأميركي، لكن السياسة التجارية والاقتصادية الأميركية تجاه العراق كانت فاشلة؛ لا تخدم العراق، ولا تخدم المصالح الأميركية أيضًا. وكان في رأسي كلام آخر عن اقتصاد يخدم الفاسدين والإرهابيين، وعن مصالح دولة مجاورة فضّلت ألا أذكر اسمها.
كانت المداخلة جاهزة في رأسي. بدأت بثقة: We love…
ثم خانني لساني. توقفت الجملة في منتصف الطريق، وكأن بقية الكلمات قررت فجأة طلب اللجوء السياسي.
ابتسمت هيلاري. ويبدو أنها فهمت أنني كنت أقول لها: We love you. فضحكت، وردت بما معناه: "وأنا أحبك أيضًا… ونحن نحبك". ثم صافحتني مرة ثانية، هذه المرة بقوة أكبر.
وانفجر الحاضرون من حولنا بالضحك: خبراء ومديرون وممثلون عن شركات أميركية كبيرة. دخلت اللحظة بنيّة مناقشة السياسة الاقتصادية الأميركية في العراق، وخرجت منها باعتراف عاطفي غير مقصود أمام وزيرة الخارجية.
تركت تلك الثواني عندي درسًا ظلّ يتكرّر لاحقًا: الفكرة التي لا تقولها بوضوح في اللحظة المناسبة قد يفهمها الطرف الآخر بطريقة مختلفة تمامًا. وفي السياسة والدبلوماسية والحياة، قد يكون الفرق بين خطاب اقتصادي واعتراف بالحب ثلاث كلمات لم تستطع إخراجها من فمك.
والأطرف أن هذا لم يكن أغرب ما سيحدث لي في أميركا.

من أميركا الرسمية إلى أميركا على الطريق
كنت آنذاك أقيم في ولاية ماريلاند، على مقربة من واشنطن. وبعد تلك التجربة الرسمية في قلب المؤسسة الأميركية، أخبرت العائلة الأميركية التي استضافتني أنني قررت عبور الولايات المتحدة بحافلات غريهاوند (Greyhound).
لم يظهر عليهم الحماس. نظروا إليّ النظرة التي يمنحها الناس عادة إلى شخص قال لهم بهدوء: "قررت الذهاب إلى القمر… بالدراجة"؟.
كان سؤالهم منطقيًا: "لماذا لا تستقل الطائرة؟" وكان جوابي أقل منطقية: "لأنني أريد أن أرى أميركا"؟.
كنت قد سافرت بالطائرات بما يكفي لأعرف أن المطارات لا تعرّفك إلى البلدان بقدر ما تعرّفك إلى أجهزة التفتيش وأسعار القهوة المبالغ فيها. أما أنا، فأردت أميركا التي تقع بين المطارات: محطات الوقود، والمدن الصغيرة، والمطاعم المجهولة، والطرق الطويلة، والأشخاص الذين لا يتحدثون باسم أميركا على شاشة التلفزيون، لكنهم هم أميركا في الحياة اليومية.
اشتريت تذكرة غريهاوند، وبدأت رحلة ستأخذني عبر 36 ولاية قبل أن تعيدني إلى ماريلاند. كنت أعتقد أنني اشتريت تذكرة سفر؛ ثم اتضح أنني سجلت نفسي، من دون أن أدري، في دورة مكثفة في علم النفس والاجتماع والدين والسياسة والعلاقات البشرية… مع حمام في مؤخرة الحافلة لا أنصح بإجراء أي بحث علمي داخله.

فتاة لا تعرف العراق… لكنها تعرف أسامة بن لادن
في إحدى الرحلات، صعدت فتاة في التاسعة عشرة وجلست إلى جواري. ومن اللحظة الأولى بدأت تتحدث بحماس يوحي بأنها كانت تنتظر طوال حياتها أن تجد شخصًا محاصرًا بجانبها ولا يستطيع الهرب.
سرعان ما وصلنا إلى السؤال المعتاد: "من أين أنت؟". قلت إنني أقيم قرب واشنطن، لكنني من الشرق الأوسط، من العراق تحديدًا.
سألتها: "هل تعرفين العراق؟"، فقالت ببراءة كاملة: "لا".
حاولت فتح باب آخر: "وماذا عن صدام حسين؟" فأضاء وجهها فجأة: "نعم، نعم، بالطبع!" قلت في داخلي: ممتاز؛ اسم الدولة لم يصل، لكن الرئيس السابق نجح في التسويق العالمي.
ثم سألتني: "هل تعرف أسامة بن لادن؟"، أجبت بأهدأ صوت ممكن: "مثلك، أعرف عنه ما أسمعه وأراه في التلفزيون". فقالت بنبرة حزينة مفاجئة: "يا للأسف!".
توقفت. سألتها بحذر: "ولماذا للأسف؟"، قالت بمنتهى البراءة: "لأنه جذاب جدًا… وكنت أتمنى أن أقضي معه ولو ليلة واحدة!"...
هناك لحظات يتوقف فيها العقل عن تقديم خدماته مؤقتًا. نظرت إلى النافذة، ثم إلى باب الحافلة، وبدأت أدرس، من زاوية فيزيائية بحتة، احتمالات النجاة إذا قفزت من حافلة متحركة.
لم تكن تستفزني، ولم تكن تخوض نقاشًا سياسيًا أو تروّج لنظرية مؤامرة. كانت تقول رأيًا شخصيًا غريبًا جدًا بالطبيعية نفسها التي قد تتحدث بها عن ممثل سينمائي. عندها فهمت أن كل واحد منا يحمل خريطته الخاصة للعالم: بعضها مليء بالدول، وبعضها بالأسماء التي صنعتها الأخبار، وبعضها بتصنيفات لم تخطر ببال واضعي كتب الجغرافيا.
في المؤتمرات يتحدث الجميع عن "الحوار بين الثقافات". أما في الحافلة، فتجلس الثقافات بجانب بعضها.

الرجل الذي خبّأ الكحول في أنابيب معجون الأسنان
وفي رحلة أخرى، بينما كانت الحافلة تعبر وسط البلاد في طريقها نحو الغرب، صعد رجل في الستين يحمل حقيبة تبريد متوسطة تكاد تكون فارغة. كان القلق ظاهرًا عليه؛ يبدّل مقعده كل عشر دقائق، وينظر حوله كمن ينتظر شيئًا لا يريد أن يصل.
كل فترة، كان يفتح الحقيبة ويخرج أنبوب معجون أسنان، ثم يضغط منه في فمه بسرعة، كما لو أنه يتناول وجبة خفيفة سرية. حاولت إيجاد تفسير منطقي للمشهد وفشلت. لم أكن أعرف هل أنا أمام عادة صحية متطرفة، أم أمام شيء لا علاقة له بالأسنان أصلًا.
استمر الأمر ساعات، حتى وصلنا إلى كولورادو. هناك صعد رجل آخر ذو هيئة أكاديمية وجلس بجواري، وبدأنا نتعارف. وقبل أن يتطور الحديث، جاء صاحب الحقيبة وجلس أمامنا، ثم أعلن، من دون مقدمات، أنه ترك مدينته متجهًا إلى لاس فيغاس نكاية بزوجته التي هجرته من أجل شاب في العشرين.
لم نكن قد استوعبنا اعترافه الأول حين سألنا: "هل تريدان بعض الكحول؟"، أجاب الرجل الجالس بجواري: "لا، شكرًا". فضحك الستيني وقال إنه لأن زجاجات الكحول ممنوعة في الحافلة بحسب قوله، أفرغ عشرين أنبوبًا من معجون الأسنان وملأها بالكحول.
عندها فقط اكتملت الصورة: ما حسبته معجون أسنان لم يكن معجونًا، والحقيبة شبه الفارغة لم تكن بريئة كما بدت، وتبديل المقاعد المتواصل ربما كان جزءًا من قلق رجل يسافر ومعه حانة متنقلة مصغرة.
لا أعرف إن كانت خطته ذكية أم كارثية، لكنني أعرف أنها تركتني مذهولًا بقية اليوم. ففي الحافلة تتعلم أن البشر لا يكتفون بإحضار قصصهم معهم؛ بعضهم يعيد تغليفها في أنابيب معجون أسنان.
يقال إن ما يحدث في لاس فيغاس يبقى في لاس فيغاس. لكن ما يحدث في الحافلة لا يبقى فيها، خصوصًا حين تكون وجهته لاس فيغاس ويخرج الكحول من أنبوب معجون أسنان.

الرجل الذي بدأ بالطقس وانتهى بزواجه
أما الرجل ذو الهيئة الأكاديمية الذي جلس بجواري في كولورادو، فكان يشبه قليلًا الممثل ستيف كاريل. وما إن عاد صاحب الأنابيب إلى مقعده حتى بدأ حديثنا بالسؤال الأميركي الأبدي عن الطقس. كنا داخل حافلة مكيفة، ولذلك بدا السؤال في حد ذاته إنجازًا فلسفيًا.
بعد خمس دقائق، ومن دون أن أفهم الطريق الذي أوصلنا إلى هناك، وجدت نفسي أعرف تفاصيل زواجه. أخبرني أن علاقته بزوجته وصلت إلى نهايتها، لكنهما قررا تأجيل الطلاق حتى تتخرج ابنتهما. ثم حدثني عن أزمة منتصف العمر، وحبيبته القديمة من أيام المدرسة، وكيف وجدها على فيسبوك وقرر السفر إلى لوس أنجلوس ليراها… بالحافلة.
كنت أنظر إليه وأفكر: جلست هنا فقط كي أصل إلى ولاية أخرى؛ فكيف أصبحت فجأة مستشارًا زوجيًا؟
في الطائرة قد يقضي رجل ثلاث ساعات إلى جوارك ولا يقول لك إلا كلمة اعتذار وهو يعبر إلى الممر. أما في غريهاوند، فقد تعرف بعد ساعتين لماذا تعثر زواجه، وما رأيه في والدته، ومن سرق دراجته سنة 1987. ربما لأن الغرباء يمنحوننا نوعًا غريبًا من الأمان: لن نراهم غدًا، ولذلك نقول لهم أحيانًا ما لا نستطيع قوله لمن سنراه كل صباح.

عندما اخترع نادل في يوتا "تاكو من الدوريتوس"
بعد طريق طويل قادمًا من كولورادو، وصلت إلى قرية صغيرة في ولاية يوتا؛ من تلك القرى التي تستطيع عبورها كاملة قبل أن ينتهي هاتفك من تحميل صفحة إنترنت.
كنت جائعًا. دخلت مكانًا بدا خليطًا من مقهى ومتجر ومطعم ومحطة استراحة، وربما غرفة معيشة صاحب المكان أيضًا. طلبت من النادل الشاب طعامًا لا يحتوي على لحم الخنزير أو الكحول.
نظر إليّ كما لو أنني طلبت منه تحضير وجبة على سطح المريخ. شرحت له: "أنا مسلم". وفجأة ظهرت في عينيه اللمعة التي تسبق الاختراعات العظيمة… أو الكوارث الغذائية.
بدأ يفكر، ثم تحرك، وعاد إليّ بتحفته: رقائق دوريتوس بدل خبز التورتيلا، مع الجبن والمخلل والهالبينو والطماطم. أدخل التركيبة كلها إلى الميكروويف، ووقف يراقبها بالطريقة التي أتخيل أن علماء "ناسا" راقبوا بها أول مركبة فضائية.
تذوقت. لم يكن الطبق مكسيكيًا، ولا أميركيًا، ولا شرق أوسطيًا، ولا أظن أن القانون الدولي للطعام يسمح بتصنيفه ضمن أي مطبخ معروف. لكنه كان لذيذًا. أكلته كله وغادرت سعيدًا.
وربما بقي ذلك الشاب سنوات يخبر أصدقاءه: "ذات يوم جاءنا مسلم من العراق، فاخترعت له تاكو من الدوريتوس".
قرأت لاحقًا عشرات الكتب عن الابتكار، لكن ذلك النادل سبقها إلى مبدأ بسيط: حين لا تجد الحل، استخدم ما أمامك. أحيانًا لا يحتاج الابتكار إلى وادي السيليكون؛ يكفي مسلم جائع، ونادل مرتبك، وكيس دوريتوس.

الرجل الأزرق "Avatar"
ثم وصلت إلى لاس فيغاس: مدينة الأضواء والقمار والحفلات والسهر. وأنا لا أقامر، ولا أشرب، وكنت أسافر وحدي. بعد 24 ساعة توصلت إلى نتيجة استراتيجية مهمة: لاس فيغاس لم تُصمم من أجلي.
بحلول منتصف الليل قررت الهرب إلى لوس أنجلوس. جلست في الحافلة، ثم صعد هو.
رجل طويل جدًا، حوّل جسده وهيئته ليشبه شخصيات فيلم Avatar: جلد أزرق، وشعر غريب، وحلقات معدنية في وجهه. كان يبدو كما لو أن شخصية خرجت من الفيلم وقالت: "سأذهب إلى كاليفورنيا بالحافلة".
جاء وجلس بجانبي. اشتغل نظام الطوارئ في رأسي فورًا: هل سيتحدث؟ ماذا يريد؟ وهل سيعود إلى كوكبه قبل لوس أنجلوس؟
نظر إليّ وقال: "Hi." قلت: "Hi". ثم أغلق عينيه ونام.
نام بسلام طوال الطريق. وعندما وصلنا، قام وحمل أغراضه وغادر. لا حادثة، ولا اختطاف، ولا غزو فضائي؛ لا شيء.
ظللت في مقعدي مع اكتشاف أكثر إحراجًا: كنت قد بنيت في رأسي فيلمًا كاملًا عن الرجل، بينما هو لم يكن مهتمًا بي بما يكفي حتى ليكوّن عني رأيًا. منذ ذلك اليوم أصبحت عبارة "لا تحكم على الكتاب من غلافه" أكثر واقعية بالنسبة إليّ، خصوصًا عندما يكون الغلاف أزرق.

رسالة إلكترونية فتحت باب هوليوود
في لوس أنجلوس قررت حضور برنامج "ذا تونايت شو مع جاي لينو". كانت هناك مشكلة صغيرة: لم تكن لدي تذكرة.
كتبت رسالة إلكترونية إلى البرنامج أخبرتهم فيها أنني رحالة عراقي أعبر الولايات المتحدة، وأن حضور البرنامج جزء من الرحلة التي أحلم بها. لم أكن أعرف أحدًا، ولا أحمل توصية، ولا أتوقع جوابًا.





خلال 24 ساعة جاء الرد: تم اختياري للحضور. دخلت استوديوهات بوربانك وجلست في الصف الأول، ثم كُلّفت بمهمة ذات أهمية وطنية: أن أصافح جاي لينو بحماس عندما يدخل. ونفذت المهمة بإخلاص كامل.
لكن ما أثار فضولي أكثر من ظهور النجوم كان ما يحدث خلف الكواليس: شاشات تخبر الجمهور متى يصفق، وإيقاع محسوب، ونصوص ضخمة تتغير باستمرار، وتفاصيل كثيرة تصنع أمام المشاهد شيئًا يبدو طبيعيًا وعفويًا.
خرجت بكيس هدايا، لكنني خرجت أيضًا بفكرة بقيت معي: نفترض أحيانًا أن أبوابًا كثيرة مغلقة من دون أن نختبر المقبض أصلًا. بعد سنوات، في الأعمال وريادة الأعمال، عدت إلى الدرس نفسه: اطرق الباب أولًا، ودعه هو يقول لك "لا"؛ لا تقلها لنفسك بالنيابة عنه.

ستانفورد ووادي السيليكون: ما وراء المباني
كانت ستانفورد بالنسبة إليّ حلمًا قديمًا. لذلك لم أرد زيارتها بالطريقة السياحية المعتادة: أصل، وألتقط صورة أمام اللافتة، ثم أكتب أنني "زرت ستانفورد". مكثت ثلاثة أيام وأربع ليال لأنني أردت أن أفهم المكان.
زرت مؤسسة هوفر، حيث توجد وثائق وأرشيفات مرتبطة بتاريخ العراق والمنطقة. ومن أجمل المفارقات أن يستقبلني هناك أميركي يتحدث العربية بطلاقة: عراقي في كاليفورنيا يبحث في تاريخ بلاده بمساعدة أميركي يتحدث لغته.
لكن سؤالًا أكبر كان يشغلني: ما الذي يجعل جامعة مثل ستانفورد "ستانفورد"؟ هل هي المباني، أم المختبرات، أم الميزانيات، أم المناهج والأساتذة؟ كل ذلك مهم، لكنني بدأت أرى شيئًا لا يظهر في صور الحرم الجامعي: العلاقات.
طالب يلتقي بطالب، وباحث يعرف رائد أعمال، وفكرة تجد شريكًا. شخصان يتعارفان اليوم، وبعد سنوات يؤسسان شركة. كانت حافلات الجامعة تنقل الطلاب بين أجزاء الحرم، لكن ما كان يتحرك في الحقيقة أكبر من الأجساد: كانت تتحرك الاحتمالات.
هناك تغيرت نظرتي إلى الجامعات. الجامعة العظيمة لا تصنع الشهادات فقط؛ إنها تصنع شبكات بشرية تستمر في إنتاج الفرص بعد المحاضرة الأخيرة بسنوات. وهناك بدأ حلم آخر يتكوّن في رأسي: أن نبني يومًا في أربيل والعراق مؤسسات تعليمية لا تقلد عمارة الجامعات العظيمة، بل تفهم لماذا أصبحت عظيمة أصلًا.
أما وادي السيليكون، فقد بدأ بالنسبة إليّ قبل أن أعرف موقعه على الخريطة. عام 1989 أهداني والدي حاسوبًا، وفي طفولتي زرع أستاذي عمر عساف في داخلي حب البرمجة، وحدثني عن مكان بعيد في كاليفورنيا تصنع فيه الشركات المستقبل. كان اسمه: وادي السيليكون.
وحين وصلت إليه أخيرًا، تحوّلت الأسماء التي كنت أقرأها على الشاشات إلى أماكن حقيقية: آبل، وغوغل، وفيسبوك، وأوراكل، وأدوبي. كنت أتحرك بينها مثل طفل دخل متجر ألعاب ضخمًا.
لكن القصة لم تنته بالزيارة. بعد سنوات عدت إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو ووادي السيليكون. هذه المرة لم أكن سائحًا يلتقط الصور أمام شركات الآخرين؛ عدت لأحاول بناء شركتي أنا.
وادي السيليكون الذي يبدو من بعيد أرضًا سحرية للأفكار يصبح من الداخل مكانًا أكثر قسوة وواقعية. المنافسة حقيقية، والمال حقيقي، وضغط العمل حقيقي، والفشل حقيقي جدًا. ولا أحد يوزع مليار دولار على كل شخص يرتدي سترة بغطاء رأس ويحمل حاسوب ماك بوك.
أسست شركة، وعملنا، وأصبنا في أشياء وأخطأنا في أخرى. لم تحقق تجربتي النجاح المالي الذي كنت أتخيله عندما نظرت إلى الوادي بعيني السائح للمرة الأولى. لكن شيئًا آخر حدث: تغيرت أنا.
وتلك واحدة من المفارقات التي لم أفهمها إلا بعد أن خضت التجربة: تدخل ريادة الأعمال لأنك تريد بناء شركة، ثم تكتشف بعد سنوات أن الشركة كانت تبنيك أنت أيضًا.

أميركا التي لا تظهر في الأخبار
حين أستعيد الرحلة اليوم، أجد أنني لا أتذكر الولايات بقدر ما أتذكر الأشخاص، ولا الطرق السريعة بقدر ما أتذكر الحوارات التي جرت فوقها.
ذهبت لأرى أميركا، لكنني اكتشفت سريعًا أن "أميركا" ليس لها وجه واحد. ليست واشنطن، ولا نيويورك، ولا هوليوود، ولا لاس فيغاس، ولا ستانفورد، ولا وادي السيليكون، ولا حتى الرجل الأزرق "Avatar". إنها كل هؤلاء في الوقت نفسه.
أميركا التي عرفتها من مقعد غريهاوند لم تكن أميركا التي تظهر في نشرات الأخبار. فالبلاد على شاشة التلفزيون تتكوّن من رؤساء وانتخابات وحروب وأسواق وبورصات. أما البلاد على مقعد الحافلة فتتكون من فتاة لا تعرف أين يقع العراق لكنها تملك رأيًا شديد الخصوصية في أسامة بن لادن، ورجل يخبر غريبًا بكل تفاصيل زواجه، ونادل في قرية نائية يريد فقط أن يطعم مسلمًا جائعًا، ورجل أزرق ينام بهدوء بينما الراكب العراقي بجانبه يتخيل نهاية العالم.
ومع مرور السنوات بدأت أعتقد أن هذه النسخة هي الأهم من البلدان: النسخة التي لا تدخل كتب السياسة ولا تظهر في نشرات الثامنة، لكنها التي يعيشها الناس كل يوم.
لكن الرحلة لم تغيّر صورتي عن أميركا وحدها؛ بل غيّرت، مع مرور السنوات، صورتي عن النجاح نفسه.
كنت أصغر سنًا حين ركبت تلك الحافلة، وكان تعريف النجاح عندي واضحًا وسهل القياس: شركة أكبر، ومال أكثر، واسم أشهر، وإنجازات أكثر. ثم جاءت السنوات، والأعمال، والأسفار، والنجاحات، والإخفاقات؛ فتغير الميزان.
تعلمت أن المال رزق، لكنه ليس كل الرزق؛ وأن النجاح اختبار، كما أن الفشل اختبار؛ وأن الإنسان قد يمتلك أشياء كثيرة جدًا ثم يكتشف أنه لا يمتلك الطمأنينة.
اليوم أرى النجاح بطريقة مختلفة: أن تعمل بأقصى ما تستطيع، وأن تطمح وتبني وتجرب وتخطئ وتنهض، وأن تسعى إلى التميز من دون أن تخسر نفسك وأنت تطارده. وأن يبقى في القلب، فوق كل تلك الحسابات، ميزان آخر لا تستطيع الأسواق قياسه: رضا الله.
عبرت في تلك الرحلة 36 ولاية، لكنني لم أصل في نهايتها إلى أميركا واحدة. وصلت إلى عشرات الأميركات، وربما اكتشفت في الطريق عشرات النسخ من نفسي أيضًا.
ولهذا، حين يسألني أحد عن أكثر المدارس التي علمتني في حياتي، يمكنني أن أذكر الجامعات والمعاهد التي درست فيها. لكن هناك منافسًا لا أستطيع تجاهله: حافلة غريهاوند قديمة، مقاعدها ضيقة، ركابها غرباء، وحمامها من الأماكن التي لا يزورها الإنسان طوعًا إلا عندما تنهار أمامه جميع الخيارات الدبلوماسية.
بدأت الرحلة من قلب واشنطن، حيث تعثرت جملة أمام هيلاري كلينتون، ثم حملتني الحافلة عبر آلاف الأميال ومئات الوجوه والمواقف.
كنت أعرف طوال الوقت إلى أين تتجه الحافلة…
لكنني لم أكن أعرف إلى أين كانت تأخذني أنا.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.