في تلقّي العلاج ثمة بنود لا تزيح عن شروط واقعة الألم. وعند العلاج ثمة خضوع لنزيف الآلام، وتناثرات علائمها. فالعلاج والألم هما ينبوعا عشقٍ غارقٍ بأوهام التجلّي... عندما يفيض الألم تفيض أوجاع العلاجات المُقترحة. وربما يفيض الانكماش كما لو أنه هذيان، فيأتي العلاج كما لو أنه سراب.
يتبادل الألم مع العلاج طعم الانحسار، ومذاق التيه، ونكران الحالة. ويقايض العلاج مع الألم دفة النجاة، وثقوب الوعد، ونكران الحالة... ففي الحالتين حالتان: علاج الألم وألم العلاج، وبينهما وصلٌ متصل من نسيج وقيود وعتاب.
قد يصحو العلاج على ألم العلاج، أو ينجو من محاولات الكيفية، وكثافة السؤال، فالظنون، واللايقين الوقائي تحسّبًا، أو رصدًا لمقولات العلاج ذاته، وسبله، وكيفياته، ومخزون غباره الصحراوي، والفضائي، والسديمي... وقد يصحو الألم على فراق العلاج فتنتفي شرطية علّته، وسببية سطوته، ومخزون أوهامه. لعلّ في الأمرين حالة مصير، ودروبًا تلمع على ترابها الزائل بقايا تصاميم أقدام، وظلال خسارات.
هذه الخسارات ليست حتمية الوقوع في فخ الألم. هذا قد يحصل، وبالتالي، لن تتشكّل معها حالة من حالات الخضوع للعلاج. وما بينٍ وبيْن، سيكون ألم الخسارات هو العلاج... علاج ينبع من الألم عينه، من بؤرة الألم نفسها، مُحاطًا بأغلفة الحقائق.
أية حقائق؟ كيّ الألم بنار العلاج؟ أم كيّ الألم بنار الألم؟ أتفاضلية مزاجية! أم ثمة تمازجٍ يبدد القشرة، وينزع الوهم؟ وينتزع، ماذا ينتزع؟!
***
يتصادق الألم والعلاج. ويتطبّعان بقليل من قبول. يتدارك أحدهما الآخر بصيغة الغلبة. غلبة الأداء، والفوز، وحتمية القرار والنتيجة. غلبة التنميط، واكتساح بطاقة الشراهة، والاستباحة، وطغيان السطو والسطوة. وعندما يفوز الألم بتمدده الآني والظرفي والطويل الأمد، تبدأ على أطرافه هوامات تنتشر وتتشاوف بلعنة القوة والاستئثار، وتغليب للغلبة المجردة، الجافة، الخاوية من خلايا الإبداع.
إنه ألم العلاج لعلاج الألم. تنبسط معه ومنه تنبثق الحلول، وتنقبض معه وبه تتأرجح النفوس. وسيّان ما ستؤول إليه النتيجة، لأن الغلبة للغلبة، وللمغلوبة أحلامهم بتوقعات العلاج أيضًا.
كأنهما خلية تنقسم على ذاتها، فتُولَد، وتتوالد، فتُنبِتُ الألم والعلاج معًا. ومعًا يتبادلان لعبة البقاء، بأشكال متعددة، ومتنوعة، ومتلاقية وغير متقابلة. لا بل مندمجة ومتأففة في آن، لا بل منزرعة ومنزوعة بلا حراك، لا بل نابضة ومتآكلة في الحضور.
يتنصت العلاج على الألم، واعدًا بشفاء عاجل، أو رحيل على عجل. كأنهما عنوان لواقعة واحدة، وفي ميدان واحد: في الحب، في مصائر شعوب، وفي شتلة زهور لم تبرح ارتفاعًا يليق بفوْحها بعد... العلاج يعِد الألم بحلول، حلول قد لا تُوصل رسالة أحبة، ولا ترفع قبضة ألم عن مصائر شعوب، وقد تميت الزهرة وفوْحها بلا انقطاف.
كيف للعلاج ألّا يكون الألم بعينه؟ وكيف للألم أن يداوي الألم عينه بلا علاج؟
(21/1/2023)
قصاصات من زمن ونيف
مقالات اخرى للكاتب
يوميات
24 أغسطس 2026
حوارات
18 أغسطس 2026
حوارات
22 يوليه 2026
حوارات
25 يونيو 2026


تحميل المقال التالي...