}

تلك القصة القصيرة قبل الإعدام لأبو رقبة

عمار ديوب عمار ديوب 28 أغسطس 2026
يوميات تلك القصة القصيرة قبل الإعدام لأبو رقبة
حكم إعدام بشار الأسد سابقة في القضاء السوري (Getty)
قبل ربع قرن، كان لديَّ بعض الوقت بعد الانتهاء من العمل؛ كنت حينها عاملًا في ورشة كهربائية؛ لأخربش، محاولًا اكتشاف قدراتي على كتابة القصص القصيرة؛ كانت السياسة معدومة فتكاثر الأدباء! لم أنجح، ولكن كتبت يومها ما يشبه القصة، وتتحدث عن شخصٍ برقبة طويلة. كانت فكرة القصة أن ذاك الشخص، يمتاز برقبة تستطيل وتعود إلى مكانها، فيمكن لصاحبها، أن تتدلى رقبته إلى الخلف أو تسير أمامه، أو تذهب يمنة أو يسرة، ويراقب الناس؛ وحينما قرأها أصدقاء، نصحوني بألا أنشرها أبدًا والأفضل إتلافها. ولا أعلم ماذا فعلت بها بالضبط، ربما أتلفتها، والسبب أن رقبة بشّار الأسد طويلة للغاية، وأصبح رئيسًا، وشاغل الناس ومالئ سورية بهبله، وسيتم المطابقة بين قصتي وطول رقبته المعهودة، وقد تطير رقبتي الصغيرة، المكبوسة.
حين بدأت أكتب في صحيفة "العربي الجديد"، عام 2015، وضعوا إلى جانب بعض مقالاتي، كاريكاتير لرقبة بشار الأسد، وكانت تملأ مساحة كبيرة، فأتذكر الأمر، وكلما رأيتُ اللوحة أعود بذاكرتي إلى قصتي "المعدومة"، لم أعاتبهم في الصحيفة على ذلك؛ فأنا لم أغادر دمشق وأكتب من مناطق سيطرة أبو رقبة.
كنت أقلق، وأخاف بعض الوقت بعد نشر كل مادة، وكذلك الأصدقاء في الصحيفة وفي الداخل والمنافي، التي شردنا إليها المجرم. رقبة بهذا الحجم، وإلى جانب مواد لكاتبٍ يقطن في دمشق كانت بالفعل قصة جنونية محضة، وكان بعضهم يضع احتمالين لحالتي، عميلًا أو مجنونًا، وتجدّد التصنيف مع العهد الجديد. أما كيف مرت السنوات بين 2011 و2024، فعدا أنها كانت مليئة بكل أشكال الخوف، ولكن أيضًا بقرار داخلي، أنني لن أغادر البلاد ومهما كانت النتيجة، ولديَّ أسبابي، وتتطلب نصًا آخر. فكرتي هذه، جعلتني أتحفظ على كثير من النشاطات والفعاليات، وأتجنب كل ما يخص معارضة الداخل والخارج أيضًا، وبالأصل، لم أكن على وفاق مع رؤيتهما، المنفتحة تجاه فكرة الحوار، الذي أغلقه بشار الأسد بشكل كامل، وهناك التي رهنت رؤيتها للخارج! وبالتالي، حافظتُ على قدرٍ كبير من العزلة، وربما هذا ما أنقذني من موتٍ محققٍ، سيما أنني لم أكتب نصًا يتضمن أية تنازلات لسلطة بشار الأسد، والإصرار على رحيل سلطته، كما طالبت الثورة بعد الأشهر الأولى من انطلاقتها، وكانت رؤيتي متمحورة هنا: الاعتماد على الشعب للخلاص من السلطة الأسدية، وفقط.
كان أمرًا سعيدًا هروب أبو رقبة هذا وتبخر سلطته بالكامل، وكنت أرى أنها انتهت وبشكل تدريجي وقبل 2024، وكتبت مرة، في 2023، أن فصائل السويداء، التي قطعت مع دمشق حينها، تستطيع إسقاط السلطة، ويتطلب الأمر أن تنظّم نفسها جيدًا، وهذا رأيي منذ 2012، وضاعت الفرص مرّات عدة في إسقاطها، ليس هناك أية نقاشاتٍ معمقة لماذا ضاعت الفرص!
هرب أخيرًا الفاشي الذي دمّر، وأسرته ونظامه، سورية. كان الأمر أشبه بخيال وقد تحقق. لقد راكمت ممارسات سلطته مشكلات كثيرة تقف تحديات متشابكة ومعقدة أمام السوريين والحكم الجديد. لم يشعر السوريون بالسعادة من إعادة الحكم الجديد الصلة مع روسيا، وقد أجرمت بالسوريين منذ 2015 وإلى 2024 ومن دون تسليم بشار الأسد وكل ضباطه للقضاء السوري؛ ولكن لم يضغط السوريون كثيرًا على الحكم للمطالبة باستعادة أبو رقبة، القاطن في موسكو والمتنعم بثروات سورية المنهوبة، وربما يتملس رقبته من رصاصة، يطلقها أحد السوريين، كما فعلوا مرّة مع الجنرال أديب الشيشكلي، 1964، ورأّس نفسه السلطة بعض الوقت، بعد أن أجرى حملة عسكرية لئيمة ضد السويداء في عام 1954 وسقط بعض الضحايا.




جاء حكم الإعدام، بحق بشّار وأخيه وابن خالته وضباط كبار في نظامه، ليبرد قلوب السوريين، الذين اكتووا بنيرانه، ولأكثر من خمسة عشر عامًا، وبعد إفقارٍ شديدٍ منذ عام 2000، واستبدادٍ كبير منذ زمن أبيه ولا سيما مع بداية الثمانينيات من القرن المنصرم.
هذا الإعدام سابقة في القضاء السوري، بأن يحاسب رئيسًا سوريًا، وهذا ما أراح السوريين بشكلٍ مذهل. رغم هذا، ربما كان على القضاء أن يتنبه، أن الحكم هذا سيكون مرفوضًا من القضاء العالمي، الذي أسقط حكم الإعدام، وأن يُستبدل بالأشغال الشاقة إلى نهاية حياته، وهو ما يفتح نحو إمكانية استعادته بإحدى طائرات الشحن الروسية، التي كانت روسيا تقله فيها أحيانًا، وربما، تمكن حينها السوريون من "تزويره" في كل المحافظات السورية، ووضعه أمام المتضرّرين مما فعله وأن يتلقى البصاق مثلًا، وربما إجراء محاكمة علنية، وبإعدادٍ جيد، والإدلاء بكيفية عمل نظامه في أثناء الثورة، ولا سيما في المجالات، الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وربما كان لهذا فائدة كبرى؛ وطبعًا لن نناقش الرأي إن روسيا لن تسلمه إلى سورية ولو لم يكن الإعدام هو حكمه، وربما ليس خاطئًا هذا الرأي، وهناك رأي آخر، أن هذا الحكم هو من أجل ألا يُسلّم لسورية، وأيضًا لن نناقشه.
كان لبشار الأسد صفتان، وقبل صفة الإجرام منذ 2011 في سورية، الأهبل أو أبو رقبة، وهناك سواهما، والآن صار الرئيس الفارّ، والمحكوم بالإعدام. هذا الحكم، طالب به السوريون منذ بداية الثورة، وبسبب قصفه المدن بكل أنواع السلاح، "الشعب يريد إعدام الرئيس". إذًا لم يكن حكمًا للقضاء فقط. والسؤال: هل انتهى خوفي، أو خوف السوريين من ذلك الديكتاتور؟
لا يمكن للسوريين أن يخرجوا من البنية النفسية التي شُكلوا وفقها، طيلة عقود الشمولية، وشكلتهم وفقًا للبنية النفسية المتوارثة منذ قرون، والتي عاملتهم كرعايا وعبيد وبدون الحد الأدنى من الحقوق. كانوا مستكينين لواقع الاستبداد ذاك، كان الرفض نادرًا، فقط تيارات من المعارضة المنظمة ونالت نصيبها قمعًا وعقودًا من الاعتقالات والمنافي وتشريد العائلات؛ كانت الأغلبية ترضى بالقليل القليل. لم يكونوا يطالبون بما يرونه متوافقًا مع مصالحهم، وحقوقهم. حاول السوريون الخلاص من هذه البنية النفسية عبر الانفجار المجتمعي الواسع وليس عبر قوى سياسية منظمة، طوال سنوات الثورة، ولا بد من ملاحظة الفارق بين الأمرين ونتائجه! قارعوا كل أشكال التوحش الأسدي، ولكن تحوّلت الثورة إلى صراع عسكري، أعاد السوريين إلى بنية الخوف والاستكانة والتذلل، إلى الخضوع من جديد، وهناك الفقر، والدمار، وقلة المال، وكافة أشكال الانتهاكات. ماذا يعني هذا؟ لقد عادوا إلى بنيتهم النفسية القديمة.
هل أعود إلى الكتابة القصصية؟ الأمر متوقف على تطوّرات الوضع العام. وفي كل الأحوال، هناك آخرون كثر يكتبونها، وعلى الأغلب لست مؤهلًا لمجالاتٍ كهذه. الآن صارت الكتابة "المسؤولة" أعقد بما لا يقاس عن بداية الألفية، لقد صار الوضع السوري مزدحمًا بالمآسي؛ قلقي الحالي أن يعاد تكريس البنية النفسية القديمة من جديد؛ هل هذا مستحيل التحقّق؟...

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.