}

ما لم يقله الغرب: حين نحتاج للآخر لنصدّق أنفسنا

مها حسن 30 أغسطس 2026
سير ما لم يقله الغرب: حين نحتاج للآخر لنصدّق أنفسنا
(Getty)

ذات مرة، كنت أشرح لأحد الطلاب قاعدة لغوية، وكان يصرّ على أن ما أقوله له خطأ، لأن "الآنسة قالت غير ذلك". حاولت أن أشرح له أن الآنسة، مثل أي إنسان، يمكن أن تخطئ، وأن المهم هو أن نفهم القاعدة لا أن نتمسك بما قالته صاحبتها. لكنه لم يكن مستعدًا للتنازل عن يقينه. بالنسبة إليه، لم تكن المسألة تتعلق بصحة المعلومة، بل بصحة الشخص الذي قالها. الآنسة لا تخطئ.
أعود إلى هذه الحكاية أحيانًا لأنني أجد فيها، على نحو مصغّر، شيئًا من علاقتنا بالمعرفة. نحن لا نختبر الفكرة دائمًا بما تحمله من قيمة، بل نسأل أولًا: من قالها؟
حدث لي شيء مشابه حين نشرت ذات مرة عبارة لي على فيسبوك، فسارع أحدهم إلى القول إنها لإميل سيوران. كأنّه لا يمكن لأحدنا أن يكتب شيئًا لافتًا، بل حين تظهر عبارة مهمة، فهي دون شك مأخوذة من كاتب "كبير".
المشكلة، إذًا، ليست في سيوران، ولا في الغرب، ولا حتى في رغبتنا الطبيعية في التعرف إلى أفكار الآخرين. المشكلة في تلك الهالة التي نضعها حول كل ما يأتي من هناك، كأن المسافة الجغرافية تمنح الفكرة قيمة إضافية.

حين يصبح الغرب مرجعًا للحقيقة
لا يحتاج القارئ العربي إلى كثير من الإقناع كي يثق بكتاب مترجم. يكفي أحيانًا أن يعرف أنه فرنسي، أو ألماني، أو أميركي، أو إيطالي، وأنه صدر عن دار نشر معروفة، أو حصل على جائزة في مكان ما، حتى تحيط به هالة من القيمة قبل أن يقرأ صفحاته الأولى.
في المقابل، يحتاج الكتاب العربي إلى أن يثبت نفسه باستمرار.
ليس المقصود أن كل كتاب مترجم أفضل من الكتاب العربي، ولا أن القارئ العربي لا يحب أدبه المحلي. لكنْ هنالك ميل ثقافي واضح إلى النظر إلى القادم من الخارج باعتباره أكثر جدية، وأكثر حداثة، وأكثر قدرة على قول شيء يستحق أن يُقال.
وقد نقرأ رواية فرنسية عادية لا تحمل فنيًا، أو فكريًا، ما يجعلها استثنائية، فنحتفي بها لأنها رواية فرنسية، بينما تمر رواية عربية أكثر جرأة، أو ابتكارًا، من دون أن تجد قراءً بالعدد نفسه.
هنا لا يعود السؤال: أي الروايتين أفضل؟ بل: من الذي علّمنا أن هذه الرواية تستحق أن نقرأها أصلًا؟

الكتاب الذي يأتي محمولًا على اسمه
الكتاب لا يصل إلينا دائمًا بوصفه كتابًا، يصل محاطًا بسيرة كاتبه، واسم دار نشره، وترجماته، وجوائزه، والمراجعات التي كُتبت عنه، والمهرجانات التي استضافته، والصحف التي احتفت به، والوكلاء الذين سوّقوا له، وشبكة كاملة من المؤسسات التي تقول لنا، بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة: هذا كتاب مهم.
وهنا تصبح المسألة أكبر من الأدب نفسه. إنها تتعلق بما يمكن أن نسميه اقتصاد الاعتراف.
فالكاتب الغربي لا يصل وحده. تصل معه منظومة كاملة من الاعترافات التي تهيئ القارئ لاستقباله بوصفه كاتبًا مهمًا. أما الكاتب العربي، في كثير من الأحيان، فيُطلب منه أن يدخل الساحة العالمية وحيدًا، وأن يشرح نفسه، وأن يثبت أن ما يكتبه يستحق أن يُقرأ خارج لغته وحدود بلده.




وحين ينجح أخيرًا في الوصول إلى الآخر، يعود إلينا أحيانًا محمّلًا بشرعية جديدة.
فالكتاب لا يصل إلى القارئ بوصفه نصًا محايدًا فقط. هنالك صناعة كاملة تحيط به وتؤثر في طريقة استقباله. دار نشر، ومترجم، وناقد، وجائزة، ومهرجان، وصحيفة، ووكيل أدبي، وحملات ترويج، وشبكة من العلاقات الثقافية التي تمنحه موقعًا قبل أن يفتح القارئ صفحته الأولى.
وهنا لا يعود التسويق مجرد وسيلة لبيع الكتاب. إنه يشارك أحيانًا في صناعة عين القارئ.
لا يعني هذا أن التسويق يستطيع أن يصنع أدبًا عظيمًا من لا شيء. لكنه يستطيع أن يصنع الهالة التي تجعلنا نتوقع العظمة قبل أن نقرأ.
وقد يكون الفارق بين رواية عربية ممتازة ورواية فرنسية عادية ليس دائمًا في الروايتين نفسيهما، بل في الآلة التي تقف خلف كل منهما، وفي عدد الأصوات التي تقول لنا إن الأولى تستحق القراءة، وإن الثانية تستحق الاحتفاء.
إنها مسألة تتعلق بالقدرة على الوصول، لا بالقيمة وحدها.

الإبداع العربي ليس بريئًا من أزماته
لكن سيكون من السهل جدًا أن يتحول هذا الكلام إلى دفاع أعمى عن الأدب العربي، وليس هذا المقصود.
الأدب العربي يعاني بالفعل من مشكلات عميقة. هنالك الرقابة السياسية، والرقابة الاجتماعية، والخوف من السلطة، والمحرمات الدينية والجنسية والسياسية، والرقابة الذاتية التي قد تكون أشد قسوة من الرقابة الخارجية. وهنالك أيضًا ضعف المؤسسات الثقافية، وأزمات النشر والتوزيع، وفساد الجوائز العربية، وأحيانًا الخوف من التجريب، أو الارتهان لما تنتظره السوق والقارئ.
كل ذلك يؤثر في الأدب، ويحد من قدرته على التعبير الكامل عن ذاته.
لكن الاعتراف بهذه المشكلات لا يعني أن الإبداع العربي غير قادر على إنتاج أدب عالمي.
هذه قفزة أخرى من النقد الضروري إلى احتقار الذات.
يمكن أن يكون لدينا أدب يعاني من القيود، وفي الوقت نفسه أدب عظيم.
يمكن أن تكون لدينا روايات ضعيفة، كما توجد روايات ضعيفة في كل مكان، وفي الوقت نفسه روايات تتجاوز فنيًا وفكريًا كثيرًا مما يُحتفى به في اللغات الأخرى.

من يملك حق أن يكون عالميًا؟
ولعل أكثر ما يربك في فكرة "الأدب العالمي" هو أن العالمية أصبحت تبدو أحيانًا وكأنها جواز سفر تمنحه مؤسسات معينة.
من يقرر أن هذا الكاتب عالمي؟ ومن يقرر أن هذه الرواية تستحق أن تعبر الحدود؟
هل العالمية صفة موجودة في النص نفسه، أم أنها نتيجة شبكة من المؤسسات التي تقول لنا إن هذا النص عالمي؟
قد تكون هنالك رواية عربية لم تصل إلى باريس، أو لندن، أو نيويورك، لكنها أكثر إنسانية وتعقيدًا وتجريبًا من رواية وصلت إلى هذه المدن كلها.
وقد تكون هنالك رواية فرنسية ممتازة بالفعل، لكن وصولها إلينا محمولة على آلة ضخمة من التسويق والجوائز والنقد يجعلها تبدو، قبل قراءتها، أكبر مما هي عليه.
لا يعني هذا أن كل ما هو غربي عادي، ولا أن كل ما هو عربي عظيم. إنما يعني أن العالمية بوصفها اعترافًا ليست هي نفسها العالمية بوصفها قيمة فنية.
قد يكون النص عالميًا من دون أن يحمل جواز السفر الذي يثبت عالميته.

أن نرى أنفسنا بعين الآخر
ربما يعود الأمر في النهاية إلى علاقة قديمة بين المركز والهامش.
المركز لا ينتج المعرفة وحده؛ إنه ينتج أيضًا معيار الاعتراف بها.
ولذلك لا يكفي أن نكتب. ينبغي أن نعترف بأن هنالك فارقًا بين أن يكون لديك نص جيد، وبين أن تمتلك المنظومة القادرة على تقديم هذا النص إلى العالم بوصفه نصًا جيدًا.
لكن المفارقة الأكثر قسوة أن الهامش قد يتبنى أحيانًا معيار المركز إلى درجة أنه يبدأ بالنظر إلى نفسه بعين المركز.
فنقول عن كاتب عربي إنه "يشبه" كاتبًا فرنسيًا، وكأن التشابه هو الذي يمنحه قيمة.
وحين نكتشف فكرة لدى كاتب عربي، نبحث عن شبيه غربي لها.
وحين نقرأ نصًا عربيًا قويًا، نقول: "ذكرني بفلان".
كأن النص لا يستطيع أن يكون نفسه، بل عليه دائمًا أن يحمل شهادة نسب أجنبية.
وهنا يتحول الانبهار بالآخر إلى شيء أبعد من الإعجاب بالغرب: يتحول إلى احتقار للذات. ليس بالضرورة احتقارًا معلنًا، بل ذلك الشعور الخفي بأن ما يأتي منا أقل شأنًا، وأن ما يأتي من بعيد أكثر جدية، وأن القريب لا يمكن أن يكون مبدعًا بالقدر نفسه.
ولعل لهذا صلة أيضًا بعلاقتنا بالأشخاص القريبين منا. أحيانًا، يكون من الصعب علينا أن نتخيل أن شخصًا نعرفه، نراه في حياته اليومية، يمكن أن ينتج شيئًا استثنائيًا. القريب يبقى في أذهاننا أسير صورته القديمة، بينما نمنح الغريب، منذ البداية، مساحة الأسطورة.

ما لم يقله الغرب
ليس المقصود بالعنوان أن الغرب لم يقل أشياء عظيمة. لقد قال كثيرًا، ولا تزال أفكاره وفلسفاته وآدابه جزءًا أساسيًا من تكوين العالم الحديث. والانفتاح على الآخر ليس عيبًا، بل ضرورة، كما أن التعلم من تجارب الآخرين لا ينتقص من قيمة تجاربنا.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحوّل الانفتاح إلى تبعية، والإعجاب إلى انبهار، والتعلم إلى إلغاء للذات.
ليس المطلوب أن نقول إن الأدب العربي أفضل من الأدب الفرنسي، أو إن الفكرة العربية أصدق من الفكرة الغربية. المطلوب أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن نضع الأفكار والنصوص أمام المعيار نفسه، مهما كان اسم صاحبها.
أحلم أن يأتي يوم تُكرَّم فيه الأعمال العربية المميزة، التي سيموت أصحابها قبل أن يعرفوا أن العالم سمع بهم، وأن تتحقق العدالة، ولو بعد سنوات، لتظهر رواية لكاتب مغمور من سورية، أو اليمن، أو السودان، أو ليبيا، أو أي بلد عربي آخر، يقول عنها العالم إنها "عالمية"، وإنها كشفت عوالم جديدة غير مألوفة، واشتغلت في منطقة إبداعية لم يقترب منها أحد ذات يوم، فنقلب بهذا معادلة الغرب المركزي والشرق الهامشي، وأنا متأكدة من وجود هذه الرواية اليوم.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.