}

أنا لا أكره تلك السيدة

مريم الفارسي 4 أغسطس 2026
قص أنا لا أكره تلك السيدة
توفيق بشير العويب، ليبيا

1

لقد أحببتُها حينما لم تستطع هي أن تحب نفسها. كنتُ في لحظة ما مجنونًا بتلك السيدة، أما اليوم، فأنا بالكاد أتذكر ملامح وجهها. هل نسيتُها حقًا؟ ليس تمامًا. أعترف أني أذكر تفاصيل شخصيتها ككاتب فحسب. لقد كنتُ دائمًا أحس أنه ينبغي لي أن أكتب عنها.

حسنًا، هذه أفشل بداية على الإطلاق! في الحقيقة، أنا لا أجيد البدايات، ولذلك لا أظن أني سأصبح كاتبًا في يوم ما.

نجوى لم تكن سيدة فاتنة، ولم تكن حتى من ذلك النوع من النساء اللاتي يمكن أن أحبهن، ولكني أحببتها. ولأكون أكثر دقة: لا أعلم هل كنتُ أحبها حقًا، أم أنه فقط ذلك الإحساس بالشفقة تجاه امرأة مطلقة تربي وحدها ثلاثة أطفال، خانها كل ما كانت تؤمن به؟ "الإسلاميون" الذين تربت في بيتهم طفلة، وكل الأفكار التي آمنت بها وهي يافعة، والمجون الذي ارتمت في أحضانه حينما استدار لها الحظ والعالم فجأة... ثم البرود الذي صار يلف حياتها حتى غدت كرة ثلج تتمشى على قدمين.

-  "لماذا لا تذهبين إلى طبيب نفسي؟ ليس في الأمر أي عيب يا عزيزتي، في النهاية كلنا مرضى على نحو ما".

سألتُها ذات مرة، وأذكر أنها ثارت في وجهي كما لم تفعل من قبل. كانت تردّد:

-  "لستُ مجنونة! أنا فقط امرأة جدية. لماذا أبدو لك غريبة؟ هل تغيّر الزمن إلى هذه الدرجة التي أضحى فيها الجادّون مرضى؟".

طبعًا سكتُّ وقتها؛ فلا يمكن أن تقف في وجه البركان أو العاصفة، وهي كانت كذلك. كان لسانها سليطًا. في البدء كان ذلك مسليًا على نحو ما، لكني في المنتصف كنتُ في حاجة إلى امرأة. قد أبدو قاسيًا وأنا أقول هذا، ولكني كنتُ أحتاج حقًا إلى المرأة التي بداخلها. كنتُ رجلًا كاملًا في حاجة إلى امرأة كاملة، لكنها كانت ناقمة على كل من يمشي على رجلين. تكره الرجال والنساء، وتكره الفرح.

لا أعلم لماذا أحس أن قلبها نبتة صبار كبيرة، عمّرت قبلها بسنوات من الزمن.

هل أكره هذه المرأة؟ لماذا أتحدث عنها بهذه الطريقة؟ لا أملك جوابًا. لكني وحدي أعرف الآلام التي عاشتها حتى تصير بهذا "الخبث" الذي هي عليه اليوم.

 في النهاية، بإمكان الذاكرة أن تنسى، إنها فعلًا قد تمحو التفاصيل، لكنها أبدًا لا تمحو الألم. إنه يظل ينبض هناك في مكان ما، ويخرج في أشكال أخرى غير متوقعة؛ أشكال بشعة جدًا في الغالب.

إن الألم في الحقيقة لا يرحل عنا مهما تقدّم بنا الزمن.

2

أجلس الآن في الشرفة، أطفالي يلعبون في الخارج أمامي، وصوت الآذان يأتي قريبًا من مئذنة الحي بينما أشرب كأس زعتر.

تبدو هذه اللحظة مثالية جدًا ورومانسية. ما الذي ينقصني الآن؟ لا شيء كبيرًا، فقط تنقصني حياتي فعلًا، وينقصني المعنى، وتنقُصُني أنت جدًا.

أحبك... لم أعرف شيئًا خلال الأعوام الماضية أكثر من أن أحبك، ولكني أيضًا لم أتقن في حياتي كلها أمرًا أكثر مما أتقنتُ إيذاءك.

يبعد منزلك عن منزلي بضع خطوات، ولكنك تبدو لي بعيدًا كما لم تكن في أي وقت. أفكر فيك مؤخرًا. إن صورتك لا تفارق مخيلتي، حتى أني في كثير من اللحظات أتمنى لو كان بمقدوري أن أتقيأها إلى الأبد. أكره أن أعترف بهذا، إن هذه الأمور تناسب المراهقات وليس النساء اللاتي هن في مثل سني. يا لهذا البؤس!

لا أنسى ذلك اليوم الذي قلتَ لي فيه إنه ينبغي لي زيارة طبيب نفسي. ثرتُ في وجهك لأنك كنتَ تقول الحقيقة. أنا نفسي لا أعلم كيف ومتى صرتُ هكذا!

ثمة أمور كثيرة لم أخبرك بها؛ لم أخبرك مثلًا أني كنتُ السبب في طرد أربع فتيات جميلات وصغيرات من العمل. فعلتُ ذلك وأنا منتشية. تخيل أني لم أحس بأي طيف ندم عابر! أجل، فعلتُ ذلك لأني ببساطة كنتُ أرى في أعيُنهن تلك الشعلة التي سرقها مني العالم عنوة. إن الحياة غير عادلة، ولذلك قررتُ أن آخذ حقي منها عنوة أيضًا.

أنا مريضة بالنسبة لك ربما، لكني امرأة تحاول أن تستمر. هل تفهم ما الذي يعنيه ألا يكون لك سبب تستيقظ من أجله لكنك تفعل على كل حال؟ هل تفهم ما معنى أن تربي بمفردك ثلاثة أطفال؟ معنى أن ترعى ثلاث حيوات وأنت نفسك ميت؟ لا أظن أنك اختبرت ذلك.

أنا نفسي لا أفهم لماذا أختار أن أكون شخصًا سيئًا في كل مرة. كنتُ أعلم دائمًا أني العطب الحقيقي في هذه الحكاية، لكني على كل حال فضّلتُ أن أكون امرأة سيئة على أن أكون ضحية أخرى يدهسها هذا العالم ويمضي.

* صحافية وقاصة من المغرب.

 

مقالات اخرى للكاتب

قص
17 مارس 2026
قص
15 ديسمبر 2025

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.