ترجمة: فريد الزاهي
(مقطع من السيرة الفكرية: "الكاتب وظله")
أعتقد أني بنيت نفسي تبعًا لسيولة الهوية، ولميول متعدّدة الأقطاب. فأنا، بالإحساس والملاحظة والسماع، أميل نحو التقاط العلامات الآتية إليّ من الخارج، كما تلك الآتية من حميميتي؛ تلك النابعة من الطبيعة وتتحرك من حولي، وتلك التي تحيل إلى شيفْرات التواصل بين الناس. ليس لي من منهج قارّ، فأنا بالأحرى أتمرّس بالتلقي الصادق لتلك العلامات، من غير أن أقوم بتقويم، أو تأويل هائليْن، وذلك بالكثير الأكثر من الدقّة التي أستطيعها في الهنا والآن. وأنا أربي نفسي قدر ما أستطيع ساعيًا إلى رفع الحجاب عن الممكنات الخفية لهمّ الدقة ذاك، التي تكون بالضرورة غير مكتملة وإشكالية وهاربة. إنها لَأمنية حيوية أن يضع المرء نصب عينيه الصور والأفكار والكلمات الطائشة، ضمن رغبة في التجول الدائم وفيما وراء كل فكر. ثمة لغة دنيا يسكن الجسد فيها حركات الإيقاع. وأنا أحس بذلك عند أي عاطفة ممكنة.
إن هذا المسعى المتعدد الأقطاب، الذي سأعود إليه لاحقًا، كان يغذي فيّ إحساسًا حادًا بالحيرة، جعلني لحسن الحظ يتيمًا من كل شيخ روحيٍّ يكون قد قاد تكويني. إنها حيرة تشكل أيضًا حظًا لي، وانبثاقًا لبعض اللُّقى واللقاءات مع كتاب ومفكرين أصيلين.
وبدلًا من أن أبحث لنفسي عن شيخٍ روحيٍّ أو أكثر لن أدري كيف أتحرّر منهم، أحسست منذ صباي، بشكل غامض ولكن بوفاء مستمر، أن عليَّ أن أجعل مقاربتي لفكر الآخرين متعددة. أفضّل أن تكون لي نصوص وصيّة على أن يكون لي شيوخ أقدسهم، أي نصوص تشكل مكتبة متحركة في زمن قراءاتي وكتاباتي. هذه العناصر المغذّية لتكويني ليست الوحيدة، فهي تصاحب تجربة الحياة التي تظل مفتوحة على العقل الفطن.
هكذا تتشكل مع توالي السنين ذاكرة التآلفات النشيطة في مجال الفكر والفن. وأنا أفضل لدى مفكر ما، أو كاتب ما نمطًا، أو بالأحرى أسلوب الفكر الحساس للقوى الاستكشافية للغة وللحياة المباشرة.
صحيح أننا خلال قراءة مكثفة ما نتحرك في مكان آخر يكاد يكون سحريًا، يمنحنا الإحساس الغريب بأننا أشبه بكائنات فضائية تعيش حياتنا الواقعية. إنه سفر في الزمن وخارج الزمن. ويكفينا أن نذْكر هنا، في هذا الإبحار الخارق، طواف بعض النصوص الوصيّة التي رافقت قراءاتي، والتي أعيد الاطلاع عليها بانتظام: نصوص هيرقليطس ولاو تسو، وأفلاطون، والمعري، وابن خلدون، ومارك أوريل، ومونطيني، وليوباردي، وماركس، وكييركيغارد، ونيتشه، وفرويد، من غير أن ننسى باشلار، ولوروا غوران، وبول فاليري، وبورخيس، وبلانشو، وبارث، والمرحوم دريدا، الذي كان صديقًا لي لمدة ثلاثة عقود. إنها لائحة غير محدودة، فأنا أتمثل كل نص أجده في طريق التعلم الخاص بي. وأنا لا أذكر هنا الكتاب المنتمين للأدب العالمي، والذين يشكلون بهجة حياتي اليومية.
لم أكن أبحث عن أي أنموذج لأحاكيه، أو لأستنسخه. فأنا في قراءاتي أحب التآلفات المفكرة التي تمكن من تعزيز إيماني بالإنساني وبأعماله. وإذًا، في تلك الفترة، أي الستينيات، لم أكن قد توفرت على سُبل بلوغ تلك الذاكرة اللامتناهية، وتلك العالمية للعقل والتجربة التي تشكلت في الفكر. كان عليَّ، بشكل منفرد، أو مع أشخاص آخرين، "أن أعمل على تصفية الاستعمار" الثاوي وراء تكويني المدرسي والجامعي؛ وأن آخذ موقعًا لي في التاريخ كما عشته في عداواته، وأن أجعل من هذا الموقع موقفًا متفردًا، على هامش كل نظام للفكر يكون قد روَّضني.
إنه تعلّم دائم، تسنده إحدى هوياتي الشغوفة: أن أفرغ ذاتي تمامًا من كل شيء، لكي أندهش من أن أكون كائنًا آخر. لذا، لم أكف عن أن أفرض على نفسي تمارين للغيرية وسلوكًا متقشفًا، يكون أحيانًا قريبًا من المجاهدة الصوفية، وذلك بمحاولة ألا أعرف شيئًا مما أعتقد أني عرفته. لقد كنت أبعَدَ ما أكون عن الأوهام النافلة، وأبْعدَ عمّا لا أحس به وما لم أستوعبْه بملاحظتي وسمعي، وسيولة وجودي، أو عدم وجودي. فوحدتي النشيطة تتعلق بذلك.
لهذا أرغب، كما يقال عادة، في أن أمنح السياق لشذرات السيرة الذاتية الفكرية هذه. لنعد إلى الستينيات. لتتذكّروا، كان الناس يدْعون بشتى الأشكال إلى موت المؤلف؛ أي إلى خلعه عن أسطورته وقداسته، وتحويله إلى شخصية محايدة منذورة لموت محمول. إن هذه العدمية المتطورة جدًا، التي تملك فتنة جنائزية، لم تكن تلائم منزعي الحيوي؛ أم أنني لم أدركْ ما هي وضعية الكاتب والمفكر؟ ليس لي أن أعذر مخاوفي إزاء فقدان الهوية الذي كان يهدّد المجتمعات المغربية ونخبها من الخارج كما من الداخل، وهي في سيروة تصفية الاستعمار. وأنا أقول لنفسي، إن المرء لكي يتوارى بذلك الشكل، وفي كل لحظة، عليه أن يملك قوة خارقة؛ والحال أني كنت كائنًا إشكاليًا، بالكاد ينتقل من المرحلة الاستعمارية وعداواتها. كنت أرغب في تكريس نفسي للكتابة بشغف المبتدئ، وفي الآن نفسه، المساهمة في الأنشطة العلمية والثقافية بالمغرب وغيره من البلدان.
الكتابة؟ كنت قد حفظت درس سطيفان مالارميه الذي اكتشفته، ويا لها من روعة، في الخامسة عشرة من عمري. كان شاعر الحداثة القصوى، وكائنًا ملانخوليًّا موسومًا بختم اللامقروئية. ذلك ما يُقال عنه منذ قرن. فهل أخطأتُ منارتي ونجمي القطبي؟ لا. كنت أقرأه كما أقرأ موسيقى تأتيني من شطٍّ ما، من لاوعيي وإيقاعاته.
لقد عبّر مالارميه عن الحلم الصوفي للكتاب الأعظم في رسالته لفيرلين، التي سماها الناشرون بالضبط "سيرة ذاتية". إنها رسالة من بضع وريْقات. وأنا أوضح هنا أن سيرتي "الذاكرة الموشومة" تحمل آثار تلك الرسالة، ومعها ربما أيضًا بعض رمادها. وإني أبقى حائرًا أمام عبارة مالارميه التالية المقتطعة من تلك الرسالة: "إني في العمق أعتبر الفترة المعاصرة ضربًا من السيادة التفاعلية interrègne للشاعر التي يُحرَّم عليه أن يكون له فيها أي تدخل: إنها فترة عفا عليها الزمن كثيرًا، وفي حال فوران تمهيدي بحيث لن يكون له ما يفعل سوى الاشتغال في الكتمان كي يبعث للأحياء، في ما بعد، أو أبدًا، أو مرةً مرةً، بطاقتُه في ذلك عبارة عن قصائد مرحة، أو حزينة، حتى يفلت من رجْمهم إذا ما هم ارتابوا في أنها لم تُنْظم أبدًا".
إن من يكتب وهو يسلك السبيل نحو ذاته، ونحو الغير، ليس سوى حارس خرقة من يتظاهر بالموت خلال حياته. وبعيدًا عن هذا الطقس، يكون الكاتب، ذلك الذي يتذكر، متأهبًا للتضحية أمام الشاهد الذي هو القارئ. إنه يبني من أجل تلك القراءة مذبحًا قابلًا للانقلاب، أي ضربًا من الحجاب العازل الذي يتألق في ليل اللغة. لذا فإنه يسكن عالم الميلانخوليا هذا، وقلبه منفتح لجراح مصيره، متوثب الذهن وغارق في التفكير.
وفي الحكاية هذه التي تقنّعها السيرة الذاتية، يصارع المرء نفسه والعنف الفوضوي، ويضع مسافة بينه وبين ميوله ونقط ضعفه الأبْرز، ويتوه في الماضي وهو يبرّر فعله ذاك من غير إيلاء الانتباه للحظات فشله التي يراكمها بالتجربة، أو للأخطاء التي لا يعترف بها، والتي ينذرها للنسيان. ومهما قلنا عن العدمية الكتابية، فإن الكتابة تساهم في بناء صرح الذات، التي يهددها فقدان الهوية وجنون قول كل شيء، في الآن نفسه.
أنا لم أتعلم أبدًا النمط الديني للاعتراف المسيحي، وطوبى لي في ذلك. فالكاتب من ثقافة إسلامية يطلب العفو والمغفرة من الله؛ ومن أولئك الذين يواسونه حين يحين أجله. إنه بالأحرى يمارس الإسْرار للآخر، بأسراره الأخيرة، أو من دونها، وبوعد البقاء على قيد الحياة، أو من دونه، بشكل أو بآخر. أما أنا فإني لا أكف عن الانزياح عن أي معتقد.
لقد ظلت السيرة الذاتية، منذ القديس أوغسطين، محكومة بالإلهي. إنها طقس انتقالي يتمّ كتذكير بالموت، غير أنها منذ زمن طويل غيرت عنواها والمرسَل إليه. وفي نظري، أن أنسى فراغ الحياة هذا، أمر يبدو لي رهانًا خاسرًا من الأصل. فما القول بعد ذلك؟
ثمة حسب أحد الاختصاصيين، عَقْد للسيرة الذاتية يتمّ من خلال الاسم: أي اسم المؤلف ــ الراوي ــ الشخصية[1]. إنها هوية مرئية على غلاف الكتاب. وأنا أذكّر، بخصوص اسمي، بما يلي: لقد ولدت باسم يحيل إلى أسماء الله الحسنى، الله الذي يقول عنه المقربون مني إنه قال كل شيء في القرآن. ظل اسمي قارًا، في الوقت الذي غيرتُ فيه لقبي الذي اختاره لنا أخي الأكبر بعد إنشاء الحالة المدنية يوم 14 فبراير/ شباط 1954، أي عامين بعد النهاية الرسمية للحماية الفرنسية على المغرب. ما هي آثار هذا الاستبدال على ممارستي للغة الفرنسية؟
أحيل القارئ هنا إلى روايتي "عشق اللسانين"[2]. سأضيف بعض الملاحظات على خطي في الكتابة وطريقة كلامي، مهما كانت اللغة. كنت أخط الأبجدية العربية من اليمين إلى اليسار، قبل أن أقوم بذلك من اليسار إلى اليمين بالحروف اللاتينية عند بدايات تعليمي في المدرسة. كيف كان يتمّ هذا الخط المزدوج في لاوعيي وفي فُرْشاته الكابتة؟ لا أدري، لكن، ربما كان حبي الجارف للخط (العربي والصيني والياباني) وراء اهتمامي بالسيميولوجيا، وبكل علامة غير محدَّدة بين الرسم وأشكال الحروف. خطي مائل وذو تعريق ومتشابك. إنه ضرب من الاضطراب والسيولة في الهوية التي تتبدّى في الحركة والأثر ومواطن التردُّد، كما تتبدّى أيضًا في سلوكي واتخاذي للقرارات الصغيرة. الجسد تركيب من الحركات يحفّز على تملُّك الكتابة والتشكيل الفني. حين أكون في حال استعجال، يحدث لي أن أسرع وأن أفصم حركاتي، كما لو كنت أودّ أن أختزل إلى الحدّ الأقصى الوقت الضروري الذي يتطلب من الجسد بالأحرى الاستمرار والانتظام والتؤدة الإيقاعية.
يدفعني هذا التضعيف المتزامن للحركات إلى أن أجد وجْهتي في فضاء المَتاه. فيتداخل الزمان والمكان في هذا السبيل نحو ذاتي. وليس من قبيل الصدفة، في ما يبدو لي، أني كنت خلال هذه اللحظات الحادة، أبدأ في الكتابة بالشذرات وبحروف طائرة. يكون ذلك في الغالب في دفتر صغير ملازم لي. أحيانًا، أسقط من علٍ يغمرني القلق بمويجات صغيرة، ودَفَق متردّد من الكلمات السريعة تطلب خلاص العلامة التي أرغب في أن أضعها على هذا الجزء أو ذاك من الجملة، على هامش وعيي. واللاوعي يسهر على هذه الاضطرابات.
مع ذلك، فإن هذا النزاع المتأصِّل في المكتوب يرغب في الانشطار النشيط في ذاتي. وهذا العذاب أعتبره أيضًا خلاصًا لي. فهو يوجهني في النهاية نحو الحلم التعبيري اليقظ، ذلك الخاص بالهوية المتعددة الأقطاب. ألا نكتب الروايات لكي نتمتع بهذه البلبلة اللاهية؟ الكتابة هي ذلك المسعى الحالم، والكتابة عن الذات هي سبيل للانفصال، وتشويه حميم للذات؛ وبداية من البدايات. لم يعد ثمة من أصل خالص نقي. فأنا كان عليَّ بكتابة سيرتي الذاتية أن ألد نفسي وأتطور في لغة الآخر، وأن أعيش فيها وأحافظ على حياتي بها.
وإني منذ وقت طويل وأنا أتحدث بصوت خافت؛ وأحيانًا أهمهم بالكلمات. ويبدو لي أن السامع يختار الكلمات التي تكون مفهومة منه. وأنا ألاحظ أيضًا أن هذه النبرة المحايدة، التي تتغير بالضرورة حسب السياق، تفصح عن خوف من الغير. الخوف من قساوته. فكري يعرف التردّد والحيرة. وحين أُسأل بأي لغة أفكر، أقرر غالبًا تقديم هذا الجواب: من الصورة والصوت إلى العلامة. وهكذا أنا أتكلم إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بهذه اللغة أو تلك. وإني أعلم بالتجربة أن على المرء أن يتصارع مع اللغة ليستعيد التوازن الحسي للجسد والروح.ٍ
هوامش:
[1] Philippe Lejeune, Le Pacte autobiograhique, éd. Du Seuil, 1975.
[2] Fata Morgana, 1983, repris in Œuvres, t. I, romans et récits.


تحميل المقال التالي...