}

فاجعة غزو الكويت

سركان كامل 8 أغسطس 2026
سير فاجعة غزو الكويت
من حرب الخليج الأولى سنة 1990 (Getty)

هناك لحظات في التاريخ لا تُقاس بعدد الضحايا فقط، بل تُقاس بعدد الأرواح التي بقيت حيّة وهي تحمل الجرح لعقود.
وغزو الكويت بالنسبة لي ليس مجرد حدث سياسي وقع في 2 آب/ أغسطس 1990، بل هو فاجعة إنسانية ما زالت تعيش داخلي حتى هذه اللحظة.
ولدت في زمن كانت فيه منطقتنا تُذبح باسم الشعارات، وتُدار بالعنف، وتُحكم بالخوف.
قبل أن أولد، أُعدم عمي حرقًا وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.
ثم وعيت على منع التجوال، وعلى اقتحام البيوت، وعلى اختطاف عمي الآخر، قبل أن يُعثر على جثمانه لاحقًا في المقابر الجماعية.
وأذكر جيدًا مشهدًا لن يمحوه الزمن من ذاكرتي؛ قوات أمن تقتحم منزلنا وتعتقل جدتي وزوجة عمي أمام أعيننا، ولم يكن أفراد تلك القوة ينتمون إلى مكوّن واحد، بل كانوا من العرب والكرد، ومن السنة والشيعة.
ومنذ ذلك العمر المبكر أدركت حقيقة مؤلمة:
الاستبداد لا يملك قومية، ولا مذهبًا، ولا لغة.
الطغيان لا يميز بين ضحاياه.
ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية، تلك الحرب العبثية التي حصدت مئات الآلاف من الأرواح
من الشعبين، وتركت جيلًا كاملًا يحمل آثارها النفسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولم تكد البلاد تلتقط أنفاسها حتى جاءت حملات الأنفال وما رافقها من جرائم مروعة بحق
المدنيين، لتضيف مأساة جديدة إلى سجل وطن أنهكته الحروب.
وبعد عام واحد فقط من الهدوء النسبي، جاء صباح 2 آب/ أغسطس.
كنت طفلًا.
استيقظت على بكاء والدتي، وعلى وجه والدي الذي لم أرَ فيه ذلك القدر من الصدمة من قبل، وكان قد عاد قبل أيام من الكويت.
سمعت والدتي تقول:
"لقد دُمّرت الكويت… وانتهى العراق لخمسين سنة… وانتهت قضية فلسطين".
وقفت مذهولًا.
لم أفهم.
قلت في نفسي: هل هناك مصيبة جديدة حلّت بالعراق؟
ثم عرفت الحقيقة.
صدام حسين أمر بغزو الكويت.
ومنذ تلك اللحظة، استقر في داخلي شعور ثقيل لم يغادرني حتى اليوم.
كنت أدرك، حتى وأنا طفل، أن ما حدث لم يكن مجرد خطأ عسكري، بل كان قرارًا كارثيًا سيغيّر مصير المنطقة بأكملها.
لقد كان قرارًا يفتقر إلى أبسط قواعد الحكمة السياسية، وأدخل العراق في نفق مظلم دفع ثمنه ملايين الأبرياء داخل العراق وخارجه.
وأنا أحمّل النظام الذي اتخذ ذلك القرار كامل المسؤولية عنه، وعمّا ترتب عليه من مآسٍ.

*****

من الذكريات التي لا أنساها أيضًا، أن عائلتي كانت تمتنع عن شراء أي منتج أو قطعة حلوى أو سلعة يُشك في أنها جاءت من الكويت بعد الاحتلال.
ليس خوفًا من القانون، بل خوفًا من الضمير.
كان والداي يرفضان أن يدخل إلى بيتنا شيء يمكن أن يكون قد سُلب من أصحابٍ ظُلموا.
ذلك الموقف الصغير علّمني أن الشعوب قد تبقى أخلاقها حية حتى في أحلك الظروف.
ومن أكثر الأمور التي كانت تؤلمني، وما زالت، أن أسمع أحيانًا عبارة: "الغزو العراقي".
هذه العبارة، في رأيي، لا تنصف الحقيقة التاريخية؛ لأن من اتخذ قرار الغزو كان النظام الحاكم، وليس ملايين العراقيين الذين كانوا هم أنفسهم يعيشون تحت القمع والخوف.
لقد كان الشعب العراقي ضحية لذلك النظام قبل أن يكون غيره ضحية لسياساته.
والشعب الكويتي كان ضحية الاحتلال.
والخاسر الحقيقي كان الشعبين معًا.
لهذا أؤمن أن الأدق تاريخيًا وأخلاقيًا هو وصف ما حدث بأنه احتلال نفذه النظام العراقي آنذاك بقيادة صدام حسين، مع التمييز الواضح بين مسؤولية السلطة ومسؤولية الشعوب.
الحقيقة التي يؤمن بها قلبي قبل عقلي، هي أن شعوب الخليج والعراق وبلاد الشام ومصر واليمن والمغرب العربي يجمعها تاريخ طويل من التداخل الإنساني والثقافي والاجتماعي.
العراقي والكويتي بينهما مصاهرة، ونسب، وتجارة، وجيرة، وذكريات مشتركة تمتد لعقود طويلة، حتى ليصح القول إنهما منطقة واحدة تتداخل فيها العوائل تداخلاً عميقًا.
والأمر نفسه ينطبق بدرجات مختلفة على شعوب السعودية وقطر والإمارات والبحرين وعُمان واليمن وسورية والأردن وفلسطين ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.
قد تختلف الحدود السياسية، لكن العلاقات الإنسانية والثقافية بين هذه الشعوب أعمق بكثير من خطوط رُسمت على الخرائط.
ولهذا فإن تحويل الشعوب إلى خصوم دائمين بسبب قرارات اتخذتها أنظمة سياسية، هو ظلم جديد يضاف إلى ظلم الماضي.
إن قصة التعصب والانتماء الأعمى إلى الكيانات المصطنعة قصة خطرة وكارثية، أصابت عقول وقلوب فئات واسعة من شعوبنا بالجهل والعمى.
ولكي تتضح خطورة هذه الفكرة، أطرح تجربة ذهنية بسيطة:
تخيّلوا أن قوة محتلة قسّمت العراق، ففصلت البصرة عن السماوة، ثم أعلنت قيام "دولة البصرة" المستقلة، ومنحت ميسان استقلالًا باسم "دولة ميسان". ماذا سيحدث بعد جيل أو جيلين؟ سينشأ أبناء البصرة على انتماء متعصب لدولتهم الوليدة، ويصبح أهل "دولة السماوة" في نظرهم غرباء وخصومًا، ثم تتحول الدولتان الجديدتان معًا إلى ضد للعراق الأم الذي خرجتا من رحمه.
أو تخيّلوا أن قوة عظمى احتلت الكويت وقسّمتها إلى منطقتين، فمنحت الأولى استقلالًا باسم "دولة السالمية"، والثانية استقلالًا باسم "دولة حولي". أليس من المؤكد، بعد عقود قليلة، أن ينشأ في كل كيان تعصبٌ وانتماءٌ خاص، ثم عنصرية متبادلة بين "شعبين" كانا بالأمس القريب عائلات متصاهرة، وأسواقًا مشتركة، وذاكرة واحدة؟ والعكس صحيح في الاتجاهين.
هذا المثال ليس خيالًا بعيدًا؛ هذا بالضبط ما جرى لمنطقتنا كلها. إنها فكرة ضالة وخطرة، تنمّ عن جهل كبير وعقل مخدَّر، ولا تنتج إلا مزيدًا من التمزق.
ثم يتدرج هذا المرض في نفوس الناس درجة بعد درجة:
فنجد الإنسان يُقيّم أخاه أولًا بحسب دولته، فإن كانا من الدولة نفسها انتقل الداء إلى القومية، فإن كانا من القومية نفسها ظهر مرض الطائفة والمذهب، فإن اتحدت الدولة والقومية والمذهب جاء السؤال: من أي مدينة أنت؟ فإن كانا من المدينة نفسها، صار السؤال: من أي عائلة، ومن أي عشيرة، ومن أي حزب؟
وكأن قيمة الإنسان لم تعد تُقاس بأخلاقه وعلمه وعدله، بل بالبطاقة التي يحملها.
وعندما ننظر إلى القوى الكبرى في العالم، ندرك سر قوتها:
أميركا هي أميركا لأنها تضم خمسين ولاية تحت راية واحدة؛ ولو استقلت كل ولاية بذاتها لما بقيت دولة قوية محترمة قادرة على قيادة العالم، بل لتعرّض بعض تلك الدويلات المنبثقة عنها للاحتلال والتبعية.
والصين تستمد قوتها من السبب نفسه: وحدة الكيان واتساعه.
وأوروبا، بعد أن دفعت عشرات الملايين من الأرواح ثمنًا للحربين العالميتين الأولى والثانية، اهتدت أخيرًا إلى تكوين الاتحاد الأوروبي، لتحفظ لنفسها سيادةً ومكانةً ما كانت لتنالها دولها متفرقة.
أما نحن، فحالنا اليوم دويلات متجاورة تفتقر إلى السيادة الحقيقية، تتنازع فيما بينها، وتُنفق مليارات الدولارات هباءً منثورًا، بينما تنخر الطائفية والقومية والعنصرية في جسدها حتى النخاع.
لقد نسينا كثيرًا من المعاني الكبرى.
نسي كثيرون الله، ونسوا هدف الحياة، ونسوا أن الحياة قصيرة، وأقصر مما نتخيل.
نسينا أن الإنسان سيقف يومًا بين يدي الله، وأنه حين يموت تقوم قيامته الخاصة، ولن يُسأل يومها: من أي دولة أنت؟ ولا من أي قومية؟ ولا من أي مدينة أو عشيرة أو حزب؟
بل سيُسأل عن عدله، ورحمته، وأمانته، وما قدّمه للناس.
فأي قيمة ستبقى لكل هذه العصبيات التي مزّقت أوطاننا وقلوبنا؟
لقد أضعنا البوصلة.
وحين تضيع البوصلة، يضيع الطريق.
وأخشى أننا، في كثير من الأحيان، خسرنا الدنيا قبل أن نخسر الآخرة.
وللبقية… قصة أخرى.

* كاتب عراقي.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.