1
حين أفتح عيني في الصباح
أجد الحنين جالسًا على حافة السرير.
لا أعرف متى دخل.
ربما كان يحمل مفتاحًا قديمًا
أو ربما كان المفتاح هو الذي حمله
وأدخله إلى البيت.
ينظر إليّ كما ينظر موظف حكومي
إلى رجل جاء متأخرًا
ليثبت أنه كان موجودًا.
ثم يقول:
لقد تأخرت.
أضحك.
ليس لأنني فهمت
بل لأن الحياة في لحظاتها الأكثر جدية
تتصرف مثل بائع متجول
ينادي على بضاعة لا يملكها.
منذ مدة
يتسكع الزمن في الشوارع
بوجه رجل فقد عنوانه
يسأل المارة:
أين يمكنني أن أجد غدًا؟
لا أحد يجيبه.
حتى الغد
ذلك الكائن المتأنق
الذي يلمع حذاءه كل ليلة قبل أن يأتي
صار يرسل اعتذاراته مع البريد.
أما الحنين
فلا يحتاج إلى عنوان.
إنه يعرف الطريق إلى كل شيء.
إلى البيت الذي هدمناه وبقي واقفًا في مكان آخر.
إلى اليد التي تركناها في يد شخص لم نعد نعرفه.
إلى صوت أمي وهو يفتح نافذة في الجدار
ليدخل منها الهواء من دون أن يستأذن.
إلى جدتي وهي تخيط ثوبًا للغياب
بماكينة لا تعرف أن صاحبها رحل.
كلما دارت عجلة الماكينة كان الماضي يقترب.
كلما انقطع الخيط ولد موت صغير تحت الطاولة.
كنت أراقب ذلك وأظن أن العالم يُصلح نفسه.
كان ذلك أول كذب تعلمته من الأشياء.
الكرسي، مثلًا، لا ينسى من جلس عليه.
يحتفظ بثقل الجسد
كما تحتفظ العظام بسرّ لا تريد أن تقوله.
والنافذة لا تطل على الشارع.
إنها تطل على ما لم يحدث.
لذلك
كلما مررت بجانبها
سمعت الزجاج يهمس بأسماء أشخاص
كان يمكن أن أكونهم.
أحدهم يعيش في مدينة لم أزرها.
آخر مات منذ سنوات من دون أن يعرف
أنني كنت أستطيع إنقاذه لو كنت شخصًا آخر.
وثالث يجلس الآن في مقهى ويشرب قهوتي.
أغضب منه.
ثم أشفق عليه.
فأنا أيضًا أعيش في حياته من دون إذنه.
هكذا يتصرّف الحنين.
لا يطرق الباب.
يدخل.
يضع حقيبته على الكرسي.
يفتح الثلاجة.
يشرب الماء.
ثم يحدق طويلًا في وجهك كأنه يحاول أن يتذكر
من منكما مات أولًا.
قلت له ذات مساء:
أنت لا تكبر.
فأجاب:
أنا لا أعيش في الزمن.
أنا الذي يجعل الزمن يشعر بالوحدة.
عندها رأيت الليل ينحني فوق المدينة
مثل حيوان عجوز يريد أن يلتقط شيئًا سقط منه.
كانت الأشجار تتبادل رسائل سرية بأصابعها الخضراء.
والريح تشم رائحة البيوت
بيتًا
بيتًا
كأنها تبحث عن شخص نسي أن يعود.
حتى القمر
كان يبدو متعبًا.
جلس فوق سطح بعيد وأخذ يلمع بلا سبب.
قلت له:
لماذا لا تنام؟
فقال:
لأن أحدًا ما ينظر إليّ. ولم أجد ما أقوله.
أنا أيضًا لم أكن أنظر إلى القمر.
كنت أنظر إلى شخص كان ينظر إليه قبل سنوات.
ومنذ ذلك اليوم أصبحت أفهم:
نحن لا نشتاق إلى الذين غابوا.
نحن نشتاق إلى أنفسنا حين كنا نراهم.
الحنين لا يعيد الموتى.
إنه يعيدنا نحن
إلى المكان الذي لم نكن فيه
حين كانت الحياة تحدث.
الريح
تلك الموظفة القديمة التي لا تعرف معنى التقاعد
تدخل.
تبعثر الأوراق.
تطفئ المصباح.
وتجلس على الكرسي الذي تركته فارغًا منذ زمن.
ثم تبدأ
بصوت لا يشبه الصوت في سرد حياتي
كما لو أنها لم تكن حياتي.
2
في المساء جلست أمام المرآة.
لم تكن المرآة هناك.
كانت قد خرجت لتبحث عن وجه آخر.
تركت مكانها فراغًا مستطيلًا على الجدار.
نظرت إليه طويلًا.
اكتشفت أنني للمرة الأولى أرى نفسي
من دون أن أرى وجهي.
كان ذلك أكثر صدقًا.
فالوجه في النهاية مجرد كذبة
تتلقى التحية كل صباح.
أما الحنين
فلا وجه له.
له أصابع.
يمسح الغبار عن أشياء لم تعد موجودة.
له أسنان.
يقضم أطراف النوم.
وله قلب صغير
يركض في الليل من غرفة إلى غرفة
ويصرخ:
هل ما زال أحد هنا؟.
الإنسان لا يعيش في جسد واحد.
نحن مجموعة من الغرباء
استأجروا بعضهم بعضًا من دون عقد.
كلما غاب واحد منا
أرسل الآخرون برقية تعزية
إلى العنوان الخطأ.
حين أحن إلى الماضي
لا أحن إلى زمن مضى.
أحن إلى ذلك الشخص الذي كان يعتقد
أن المستقبل مكان يمكن الوصول إليه.
كان ساذجًا.
لكنه كان سعيدًا.
أما أنا
فقد وصلت.
ولم أجد شيئًا.
في الخارج
كانت الأشجار تمشي.
لم يكن لها مكان تذهب إليه.
لكنها كانت تمشي.
كل ورقة كانت قدمًا صغيرة.
كل غصن كان ذراعًا تلوّح لشخص لا يأتي.
والريح
وقد أصابها الملل
راحت تدفع الغيوم من كتف إلى كتف.
كانت السماء تتظاهر بأنها تعرف الطريق.
لكنها، مثلنا، كانت تضيع بأناقة.
في تلك الليلة
جاء الحنين من دون أن يطرق.
جلس إلى جواري.
لم يقل شيئًا.
وضعت رأسي على كتفه.
كان باردًا.
لكنني شعرت بأنني أعود.
ليس إلى بيت.
ليس إلى مدينة.
ليس إلى شخص.
بل إلى تلك النقطة الغامضة
التي كنت فيها
قبل أن أعرف أنني سأفقد كل شيء.
هناك، كان الزمن لا يزال صغيرًا.
وكان الموت يلعب في الحديقة.
وكانت الحياة تضحك من النافذة.
ثم اقترب مني الحنين ووضع يده على فمي.
وقال:
لا تتكلم.
إن تكلمت
سوف يتحوّل كل شيء إلى قصة.
فصمت.
وبقيت الأشياء حية.
الكرسي.
النافذة.
الليل.
اليد التي لم تعد هنا.
حتى الغياب كان يتنفس.
3
الإنسان يستطيع أن يواصل حياته
حتى بعد أن تنتهي أشياء كثيرة فيه.
ينتهي بيت.
تبقى رائحته.
ينتهي شخص.
تبقى طريقته في نطق اسمك.
ينتهي الحب.
تبقى يده تبحث عن يدك في النوم.
ينتهي العمر.
تبقى منه
محفظة في دُرج
صورة مائلة
قميص لا يجرؤ أحد على رميه.
الحياة
سخيفة إلى حد العبقرية.
تخسر كل شيء ثم تذهب إلى السوق
لتشتري الخبز.
تدفن موتاها
ثم تسأل عن سعر الطماطم.
تغلق بابًا إلى الأبد
ثم تتذكر أنك نسيت المفتاح في الداخل.
وهكذا
يواصل الإنسان مأساته بأصغر الأعمال.
يغسل الأطباق.
يطوي القميص.
يكنس الغرفة.
ويترك في زاوية ما قلبًا مكسورًا كي يجف.
الحنين لا يغادر.
إنه يغير شكله.
مرة يصبح أغنية تأتي من بيت الجيران.
ومرة يصبح رائحة تخرج من درج قديم.
ومرة يصبح وجه امرأة في الحافلة
تشبه شخصًا لم تحبه
لكن كان يمكن أن تحبه
لو أن العالم أخطأ في ترتيب الأيام.
ومرة
وهو الأكثر خبثًا
يصبح سؤالًا.
ماذا لو؟
هذا السؤال لا يموت.
إنه حيوان صغير ينام تحت السرير.
كلما أطفأت الضوء
فتح عينيه.
ماذا لو بقيت؟
ماذا لو رحلت؟
ماذا لو قلت؟
ماذا لو صمت؟
ماذا لو كنت شخصًا أكثر شجاعة وأقل غباء؟
الحياة لا تجيب.
تضع يدها على فمها وتضحك.
ربما لأنها تعرف
أن كل جواب يحتاج إلى حياة أخرى
كي نختبره.
نحن لا نعيش حياتنا.
نحن نعيش حولها.
ندور حولها مثل كواكب صغيرة لا تملك الشمس.
نقترب.
نبتعد.
نحترق.
ثم نسمي ذلك تجربة.
خارج البيت
كانت الأشجار تتنفس.
كان الفجر يمشي حافيًا بين البيوت.
وكانت المدينة تفتح عينيها ببطء، كأنها لم تنم
بل كانت تنتظر أن يتعب الليل.
عندها
أدركت أن الحياة
لا تستمر لأن الزمن يدفعها إلى الأمام.
الزمن موظف متعب.
يمرّر الأوراق.
يختم الأيام.
ويغلق مكتبه في نهاية الدوام.
أما الذي يواصل السير
حين لا يبقى سبب واضح للسير
فهو ذلك الكائن
الذي لا يكبر.
الذي لا يهدأ.
الذي لا يموت.
الحنين.
إنه لا يعيد لنا ما فقدناه.
وهذه هي سخريته الكبرى.
إنه يعيد إلينا قدرتنا على فقدانه.
كل صباح يوقظنا.
كل مساء يتركنا أحياء.
وفي المسافة بينهما يجلس في داخلنا
مثل رجل ينتظر حافلة يعرف أنها لن تأتي.
ومع ذلك
لا يغادر المحطة.
ربما لأن الطريق ليس إلى مكان.
ربما لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يصل.
ربما تكفيه رغبة غامضة
في أن يواصل النظر
إلى النافذة.
إلى الشارع.
إلى يد تلوح من بعيد.
إلى حياة تتظاهر بأنها انتهت.
بينما في مكان ما
تحت جلد الوقت
يواصل الحنين نبضه.
ويقول لنا:
ما دمت تشتاق
فأنت لم تنته بعد.
4
الحنين لا يأتي دائمًا من ورائنا.
أحيانًا يأتي
من أمامنا.
من الأشياء التي لم تحدث.
من الوجوه التي لم نلتق بها.
من المدن التي لم نزرها.
من الكلمات التي سنقولها بعد أن يفوت أوانها.
ربما نحن نشتاق إلى موتنا منذ لحظة الولادة.
ليس لأننا نريده.
بل لأننا نعرف
في مكان غامض
تحت الجلد
أن كل ما نحبّ يتّجه إليه.


تحميل المقال التالي...