قد يكون مرّ على قراءتي الأولى لرواية "مائة عام من العزلة" لماركيز ما يزيد عن الأربعين سنة دون أن أنسى خلالها تلك الدهشة التي أُصبت بها بعد انتهائي من القراءة. أتذكر أنني قضيت وقتًا بعدها غير قادرة على قراءة أي كتاب آخر كي أبقى محتفظة بأثر تلك الدهشة والمتعة وقتًا طويلًا. أتذكر أيضًا أن "مائة عام من العزلة" كانت بالنسبة لي أفضل أعمال ماركيز وقتها، وظلت حتى اللحظة، لا يضاهيها عندي له سوى سيرته الذاتية: "عشت لأروي". أيضًا هي روايته الوحيدة من ضمن رواياته الطويلة التي استطعت إنهاءها في قراءة متواصلة بدون تقطيع، تليها رواية "الحب في زمن الكوليرا". أما عن "خريف البطريرك" فأتذكر أنني أعدت قراءة الأربعين صفحة الأولى غير مرة بدون أن أتمكن من إنهائها. مع "مائة عام من العزلة" كنت أكتشف للمرة الأولى المعنى الحرفي للواقعية السحرية والفرق بينها وبين الفانتازيا التي كانت تمتلئ بها كتب الأساطير الرائعة، كالأوديسة والإلياذة وجلجامش والأساطير اليونانية وغيرها من تلك الحكايات السحرية العظيمة التي كان لها أثر كبير في تربية خيالي الشعري. "مائة عام من العزلة" كانت مختلفة، كنت أقرأ فيها السحر بوصفه حدثًا طبيعيًا من أحداث الحياة اليومية لعائلة بوينديا وسكان قرية ماكوندو. القرية تحولت من خيال إلى واقع، كل ما يحدث لسكانها يقع في الخط الفاصل بين الواقع والخيال، في النقطة التي تفصل السحر عن الحقيقة.
هذا حدث لي أيضًا حين كنت أقرأ الرواية، عشت زمنًا وأنا واقفة في النقطة التي تفصل واقعي عن الخيال الذي جعلني أعتقد أنني أمارانتا في عزلتها، وفي لحظات أخرى أنا ربيكا الملتصقة بالتراب حتى التهامه، وأنا ريميديوس التي ترتفع في الهواء مع غسيلها الأبيض وتعلو نحو السماء وتختفي، بدون أن يستغرب أحد ذلك، وكأنه من الطبيعي أن تطير فتاة بالغة الجمال نحو السماء وتختفي هناك. لم أكن أرى نفسي أشبه أورسولا، كانت أكثر حكمة مما كنت أريده لنفسي ذلك الوقت. لكنني لاحقًا بعد قراءتي الرواية مرة ثانية بعد نحو عشرين عامًا فهمت أن أورسولا هي أصل الحكاية، أصل الخيال كله، الذاكرة الوحيدة التي تحفظ ذلك الخيال من المحو، وتحمي الحكاية كلها من الفناء؛ اكتشفت أن أورسولا هي الرحم الأول الذي أنجب كل احتمالات النساء اللاتي جئن بعدها في تلك العائلة الغرائبية. لم يكن مجرد بناتها وحفيداتها وربيباتها، كن احتمالاتها الأخرى، المنطقة الحالكة منها، المنطقة الغامضة والمخفية التي لا تظهر مع ملامحها الصارمة ولا مع قدرتها على السيطرة، وسط تلك القوة التي تمتعت بها كانت هناك مساحة واسعة للعزلة داخلها تجلت على هيئة نساء من سلالتها، نساء خائفات وحيدات مخذولات تأكل العزلة أرواحهن، وتأكل الوحدة لحم قلوبهن كوحش مفترس. لم تكن أورسولا القوية التي عاشت مائة عام تقريبًا سوى التجسيد الموارب للعزلة التي تعيشها نساء ماكوندو جميعًا، ماكوندو أيضًا ليست سوى تجسيد لبشرية لا تقدّم للنساء الحقيقيات سوى الخوف والعزلة.
تابعت قبل أيام المسلسل الكولومبي الرائع الذي أنتجته منصة نتفليكس عن رواية "مائة عام من العزلة" في موسميه، ومعه استعدت تفاصيل قراءاتي الأولى والثانية للرواية، وأعترف أني حين تابعت المسلسل اكتشفت أن ذاكرتي القريبة كانت قد نسيت الكثير من التفاصيل في الرواية، لكن ذاكرتي العميقة كانت لا تزال تحتفظ بتفاصيل تتعلق بنساء عائلة بوينديا، كل ما قلته في الفقرة السابقة عن تلك النسوة أعادته لي بشكل جلي أحداث المسلسل، بينما كل الأحداث الأخرى جاهدت ذاكرتي كي تستعيدها. هكذا إذًا... كنت أخبئ نساء عائلة بوينديا في جيب خفي في ذاكرتي. والآن يمكنني القول إنني كنت أخرج من ذلك الجيب ما كنت أجهل وجوده وأستخدمه في نصي الشعري. في الشعر، حين تحدث تلك الدفقة الشعورية التي تدفعنا للكتابة ونسميها أحيانًا الوحي، يبدأ الوعي في الحفر داخل العقل الباطن ويخرج منه الأكثر ظلامًا وعمقًا وتأثيرًا. خلال الخمس عشرة سنة الماضية كتبت ثلاث مجموعات شعرية عن العزلة، عن العزلة الذئبة التي تأكل لحم قلوب النساء وتنهش أرواحهن، كنت أستغرب من أين تأتي هذه الوحشة الوحشية داخلي. كثيرًا ما عزوت ذلك إلى انتقالي المفاجئ من سورية وعيشي في مجتمع جديد وحدي لأول مرة في حياتي، كنت أيضًا أحيله إلى دخولي مرحلة التغيير الهرموني وسن اليأس الذي يغيّر في كيمياء الجسد والوعي والعقل الباطن. هل كنت مخطئة؟ حتمًا لا... كان لظرفي اللوجستي أثر كبير على ما كتبته، لكن كنت دائمًا أشعر بما هو غريب في ذلك: أنا امرأة اجتماعية، أحب الحياة وأجد سلامي في الزحام، بين البشر، في ضجيجهم، لا أحب الأماكن المعزولة حتى لو كانت الجنة بحد ذاتها إن كانت خالية من الناس، لهذا حين عشت في القاهرة اخترت أكثر أماكنها ازدحامًا وضجيجًا، في شارع رئيسي متفرع من ميدان التحرير حيث قلب القاهرة وروحها الصاخبة، أنام وأصحو على ضجيج السيارات والمارة وصراخ الناس ومعارك الباعة وسائسي الحارات القريبة، أعيش وسط هذا الضجيج المخيف لأنني أشعر وسطه بالأمان، أنا لا أحب العزلة، ومع ذلك كتبت أهم ثلاثة كتب لي في الشعر عنها.
حين تابعت "مائة عام من العزلة" على منصة نتفليكس وبدأت أسترجع تفاصيل الرواية تذكرت بسهولة كل الأحداث التي تتعلق بنساء العائلة، بينما بدت لي التفاصيل والأحداث المتعلقة برجالها ومسارات حياتهم كما لو أنني أسمع بها للمرة الأولى. هذا المخزون من العزلة الذي كان عندي والذي كتبته في ثلاثة كتب شعرية لم يكن فقط نتيجة تغيير لوجستي ونفسي وجسدي، كان يعيش معي متخفيًا منذ زمن طويل، منذ أن تعلقت بالشخصيات النسائية في الكتب العظيمة التي قرأتها، نساء "مائة عام من العزلة" كن الأكثر تأثيرًا بي، لأنهن الأكثر عزلة ووحشة، والأكثر التباسًا بين وجودهن كحقيقة روائية أو كخيال قارئة فتية كانت تسعى لفهم المعنى الحقيقي للأنثى وللأنوثة، وكانت لديها أسئلتها الشخصية عن تخلي البشرية عن عصر الأمومة السخي والمرح والمنفتح لصالح عصور بطريركية صارمة وعنيفة وأنانية، وعن تأثير هذا التخلي على مصائر سلالات لا تحصى من النساء في العالم. ووجدت الإجابة فعلًا في شخصيات ماركيز النسائية في روايته الأهم: "مائة عام من العزلة".
مصائر نساء عائلة بوينديا هي مصائر نساء البشرية: الحروب التي يصنعها الرجال من أجل الثروة والسلطة واستعراض القوة والتحكم وصراعات النفوذ والسياسة، فيما تدفع أثمانها النساء من أمانهن النفسي. ثمة هشاشة أصابت سلالات النساء بعد سقوط العصر الأمومي، هشاشة وجودية لا يستطيع الرجل فهمها، حتى لو كانت المرأة تشبه أورسولا سيدة عائلة بوينديا وسيدة قرية ماكوندو القوية التي عاشت قرنًا كاملًا، كان الحزن سيد حياتها، الحزن والخوف الخفي، ليس على نفسها، بل على سلالتها، بناتها وحفيداتها وربيباتها، كلهن ورثن عنها الحزن والتمرد الذي جعلهن معزولات يأكلن التراب ويختفين فجأة مع غروب الشمس وينجبن ذكورًا يصنعون الحروب أو يشاركون فيها، لكنهم في النهاية لا يسببون لأنفسهم وللبشرية سوى البؤس وللنساء المزيد من العزلة. أنا من تلك السلالة من النساء، عزلتي قديمة جدًا، عزلتي لا ينهيها الضجيج ولا تنهيها الحياة الصاخبة ولا القوة ولا الثبات النفسي الذي يراه الآخرون بي، عزلتي موروثة، أصيلة، تعيش في جوفي، في المساحة الفارغة المهولة التي في جوفي، في ذلك الظلام العدمي الذي ينتج الشعر مثلما ينتج القلق. عزلتي التي كتبت عنها هي عزلة نساء ماكوندو، القرية التي تخيّلها كاتب عظيم ذات يوم، لكنها نفسها التي تشبه كوكبنا البشري الآيل إلى الاختفاء بعد وقت ما، تمامًا كما اختفت قرية ماكوندو ولم يبق منها غير الكتابة وغير أثر تفاصيل حياتها على قراء لا يمرون على الكتابة بشكل عابر.


تحميل المقال التالي...