}

عبده وازن : شاعر العين في "بيته" الروائي

ديمة الشكر ديمة الشكر 10 نوفمبر 2017

 

 

لكل كاتب حقيقي أسطورته الشخصية، نبرته التي لا يخطئها قارئ، بصمته التي لا تغيب عن ناقد. آثار الكاتب، عمله، شيء غريب كنهه، يزين للناقد والقارئ معًا، الاختصار والركون إلى بضع كلمات فحسب، للوصف. كأن يقال إن "أنا الشاعر" لدى المتنبي، هي الأوضح والأقوى - والأوقح على سبيل المزاح-. أو أن الأصوات بنشيجها وضجيجها، همسها وعويلها، هاجس بدر شاكر السياب. أو أن المكان غائبًا أو حاضرًا، أو الاثنين معًا، عالم القلب الرهيف للاستثنائي محمود درويش، وطبعته الخالدة. 


تجيء "أفكار" كهذه، من تراكم القراءة، وإدراك روح الكاتب أيضًا. أمرٌ له في النقد منهج مطمئِن: النقد النفسي. وقد كان الفرنسي شارل مورون، أول من كتب فيه. فقد انتبه إلى شبكة استعارات تستحوذ على مخيلة مالارميه وتظهر في آثاره، وتؤلف بنى خاصة، فحددها ودرس العلاقة بينها. وإذ طور فرضيته، ظهرت في كتابه الشهير: "من الاستعارات الملحة إلى الأسطورة الشخصية"، وأعطت النقد النفسي قوة، راجت في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم. احتفظت فرضية مورون على الدوام بإشعاعها، نظرًا إلى أنها تدخل القارئ والناقد معًا إلى منطقة أثيرة سحرية في الأدب: العالم الداخلي للكاتب، وما يموج به من هواجس ووساوس، تشتبك مع الإلهام، ثم تمرّ عبر مصفاة الإلهام الأولي، قبل أن ترضخ للانضباط، وتمسك بالكاتب حتى التلابيب، والنتيجة عمل أدبي، يؤنس الناس، ويرفع البشري فيهم -والأوهام أيضًا- ويرنّ كقيم ومثل عليا، شيء هو المتعة وأحوالها.


عالم العين الواسع


لقارئ الكاتب عبده وازن، أن يضيع ويتوه في الثلثين الأولين من روايته "البيت الأزرق" (منشورات ضفاف والاختلاف)، ذلك لأنّه لن يجد فيهما أية نقطة علّام للشاعر وازن. ولعبده "أسطورة شخصية"، واستعارات ملحّة، تتواتر خفيةً في كتاباته الشعرية والنثرية، وتؤلّف على الدوام شبكة متشعبة - إذ هو واسع القاموس اللغوي - من الصور التي تحيل إلى أفكار قوية، وأفكار ترسم صورًا أرقّ ما يكون. زد على هذا أن للشاعر "فضيلة" غريبة، فلعله من أولئك النادرين الذين يخفون "أنا الشاعر" بإتقان، ويتركون للعناصر (الصامتة وتلك الآتية من الطبيعة خصوصًا) والمفردات البسيطة اليومية، مهمة إنشاء القصيدة. أمرٌ نتاج لأمرين: الخفر وذلك الإيمان على حافّة الشك.

وضع نصوص عبده "فوق بعضها"، يفضي إلى استعارة ملحّة يهجس بها: إنها العين، لا بوصفها ماكينة للإبصار (بتعبير فيريليو)، بل بكل وظائفها: تبصر، تنظر، ترنو، تحدق، تغمض، تنغلق، تقفل، تنام وتحلم. يكفي ربما أن يستعيد المرء عناوين بعض دواوينه الأولى: "العين والهواء" و"أبواب النوم"، أو أن يعيد قراءة سيرته النثرية الباهرة (السيرة النثرية مشرقية المنبت، ووافرة منذ منتصف القرن الماضي، وأمثلتها كثيرة) "حديقة الحواس"، حيث الكتابة والجسد بطلان اثنان في تلك اللغة الشفيفة، أما الشاعر وحبيبته، فيتواصلان من خلال العين وكل وظائفها. ها هنا حفنة من الجمل: "صامت، لكن عيناي مفتوحتان"، "لكن، لم تكن تغيب. حاضرة دومًا في عينيها اللتين لا تغمضان"، "لا تفتح عينيها لأنها لم تغمضهما، "وكانت في أحيان تعصب عينيها كي لا ترى". والعين حاضرة برهافة في ديوان حياة معطلة، إذ يكتب: "العين لا تغفو مهما أغمضتها./ يقظتها تبدأ ما وراء الجفن". وانسجم مع الأمر، أن القصة التي كتبها لليافعين "الفتى الذي أبصر الهواء" دارت حول الحاسّة نفسها، إذ اختار عبده لبطله الصغير ألا يكون مبصرًا. وفي كتابه الجميل "غيمة أربطها بخيط" (السيرة النثرية الرابعة)، كان عالم الأحلام/ الكوابيس، سيدًا. عالم لا يمكن ولوجه إلا من خلال العين ووظائفها الوفيرة. عالم آخر، لعين الشاعر فيه نصيب، ففي سيرته النثرية الثانية "قلب مفتوح"، صارت "تجربة الاقتراب من الموت" نافذة لعالم داخلي شخصي مرهف، سيحضر أيضًا في السيرة النثرية الثالثة "غرفة أبي".

وإن كان ممكنًا لـ "العين" أن تضم عالم عبده وازن شعريًا ونثريًا، فإن الأثر النفسي القوي للحرب الأهلية اللبنانية، على الروح، له حصّة كبرى كذلك. ومن الممكن تلمّس كل هذا في السير النثرية خصوصًا، حيث الحطام الروحي يعصف من كل الجهات، ويترك الشاعر قلقًا مشككًا مؤمنًا، لكن أبدًا مقتنعٌ أن المعرفة سبيل للنجاة والمتعة معًا.

وبعد، كيف يمكن بعد حوالي ثمانية دواوين، وأربع سير نثرية فائقة الشعرية الانتقال إلى الرواية فعلًا لا مجازًا؟ وفي كلام مختلف، كيف يمكن تقنيًا، التفلّت من "أسطورة شخصية" من مسارب استعارات، ودروب مجازات، تؤلّف شبكة متشعبة وراسخة، صوب عالم مختلف تمامًا، هو عالم الرواية، حيث "أنا" الروائي، شبكة من سردٍ لغوي ذي درجة حرارة مختلفة، وطائفة من الشخصيات المتنوعة، تحيل إلى مجتمع ما في زمان ومكان معينين؟


الإبدال سبيل للروائي


الجواب في الإبدال: بدّل الشاعر "نقطة علّامه"؛ العين، بماكينة أخرى، و"قمع" لغته الشعرية الرهيفة في الثلثين الأولين من "البيت الأزرق"، فجاءت شبه حيادية لكأنها محض إخبارية، توحي إنها سردٌ خفيف، بيد أنها تبطن معرفة واسعة بمجتمع بعينه في زمان ومكان معينين.

اختار عبده مكانه بدقة: السجن، وتحديدًا السجن الاحترازي أي "البيت الأزرق". وللمرء ها هنا أن يتذكر ملاحظة صائبة للناقد الفلسطيني فيصل درّاج، عن رواية هدى بركات الرائعة "أهل الهوى"، حيث قرأ في مجاز اختيار الروائية مشفى المجانين مكانًا روائيًا، مجازًا وجوابًا على الحرب الأهلية اللبنانية. فهناك في ذلك البلد الصغير المنتف بأنواع الحروب، يجنّ العاشق المتيّم، فيقتُل، ثم يُعاقب، بينما "أمراء الحرب" أسوياء طليقون. من المنظور نفسه، يبدو اختيار السجن للبريء (بطل الرواية بول أندراوس المتهم بقتل فتاة ليل فلسطينية)، عقابًا قاسيًا. ويزيد في الأمر أن البطل رُسم على مثال الخير والمعرفة، فهو الذي درس الفلسفة واللاهوت، وطرح أصعب الأسئلة، وهو العاشق المخلص، واليتيم الطيب. وهو بالطبع الذي يقع على عاتقه الإبدال؛ إذ اختار له عبده وازن ماكينة "الفم".

في المرّة الأولى، أراد بول أن يتوقف عن الكلام، وأن يخرس خرسًا تامًا. مقابل الاتهام بالقتل، سيصمت صمتًا ماحقًا. وفي المرة الثانية، أراد بول أن يتوقف عن الطعام، توقفًا كاملًا نهائيًا، ليفضي إلى طريق وحيد: الموت الشبيه بالانتحار. شيء أقرب إلى الاحتجاج، على عالم المجتمع اللبناني المتشعب باستمرار، نتيجة حروب من كل نوع، لمّا تنته.


قوة المثنى في رواية متعددة الطبقات


يصلح "المثنى"، مفتاحًا، لسبر الرواية المتعددة الطبقات، إذ مقابل الخير الطافح من البطل بول أندراوس، وإخلاص الروائي الذي يُعهد إليه بالمخطوط الذي كتبه بول، تتلون الشخصيات الأخرى، بهذا القدر أو ذاك من الشر: حبيبة بول غادة داغر و(لاحقًا حبيبة الروائي)، تظهر عنيدة أنانية، بنظر الأب ألبير طربيه الذي علّم بول اللاهوت، وكان شغوفًا به بشكل مريب، وصولًا إلى القتيلة سعاد، بائعة الهوى، وأخيرًا الشر متجسدًا في شخصية القواد طارق الأحمر، الذي تدور حوله شبهة القتل، بيد أنه كما "الأشرار"، يتملص وينجو، تاركًا بول البريء في سجن "البيت الأزرق".

ومقابل الرواية الإطار، ثمة الرواية المخطوط. والاثنتان متوحدتا السرد والتقنية، ذلك أن الروائي يكتب روايته، ويحرّر المخطوط في آن معًا. وفي الحالتين، تتوزع المعرفة والثقافة إلى اثنين: واحدة للروائي، عبر إشارات للأدب العالمي وإحالات معرفية، وأخرى لبول، وأسئلته الفلسفية، وغوصه في عالم الشك والإيمان المسيحيين.

ومقابل السرد الحيادي ذي الطابع الإخباري- خصوصًا في ثلثي الرواية الأولين- ثمة تشويق بوليسي، يقبض على الأنفاس، إذ إن معرفة المجرم الحقيقي، تشد القارئ، فيتماهى مع الروائي الذي قرّر أن يؤدّي دور المحقق. من الصحيح أن لا جواب نهائيًا عن القاتل، على جري الروايات البوليسية عادة، إلا أن ذلك يعود لأمرين: استعمال التشويق للتوازن مع السرد الإخباري من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن أوهامًا لا تداني عبده وازن في ما يخص المجتمع اللبناني المعقد والمتشعب، حيث عادة ما يُجهّل القاتل، وتطوى الجرائم. والأمثلة أوفر من وفيرة لبنانيًا.

لكن، أي مجتمع لبناني بالضبط نجده في "البيت الأزرق"؟ مجتمع تشابك المدينة والريف مجازًا، أو بيروت البعيدة هنا والبلدات الصغيرة المتناثرة على كتف الساحل. شيء على الحافّة، فـ "حداثته" منقوصة، تثير الأسئلة، عن تجاور الجامعة (الكسليك حيث درس بول) والبارات الليلية (منطقة المعاملتين الشهيرة)، وعن الحرش لصق الأوتوستراد، عن البيوت الحجرية القديمة التي يمكن قطفها باليد، وتلك المقاهي الحديثة التي ترنو إلى مثال أوروبي.
مقابل جونيه وما تمثّله لعبده وازن، ثمة المعاملتين، وما يمثله صيتها الذي طبّقت شهرته الآفاق. مقابل الطهر، ثمة الدنس. ومقابل الحب، ثمة الشقاء الإنساني، مقابل المعرفة، ثمة اللاجدوى. ومقابل البريء السجين، ثمة القاتل الطليق.

ها نحن نرى "بيروت الكبرى" من بعد سنوات الحرب الأهلية، الأماكن والتواريخ معينة بدقة، أسماء المقاهي حاضرة، أسماء البلدات حاضرة. التواريخ كلها حاضرة، وتحيل مثلًا على هجرة (والد بول الذي هاجر إلى أستراليا، أو غادة التي ستهاجر إلى كندا)، وعلى بلد المزارات، حيث مطارح جغرافية الرواية، تحيل على كنيسة ودير وبيئة مسيحية متعبة. تحيل على السجن، ينغلق أمام العالم الخارجي، وينفتح على عالمه الخاص، الذي للمفارقة لا يبدو شديد الاختلاف، ها هنا الحياة هادئة، ساكنة، وثمة مكتبة، وسجين يكتب عن نفسه وثمة أيضًا "مثنى" مختلف: جورج/ جورجينا، المثلي. تلك الشخصية التي رسمها عبده بشكل مبهر، فشكلت مع الشخوص الأخرى رواية منضبطة، شديدة العذوبة في ثلثها الأخير خصوصًا، حيث يضع وازن، كل مهارته الكتابية، في سبر مسائل صعبة، فلسفية وشاعرية، معرفية وكتابية، لطالما ألّحت عليه مثقفًا حداثيًا حقيقيًا، وارثًا أصيلًا للنهضة اللغوية اللبنانية. هواجس ملحة، لا تصير استعارة ولا مجازًا، تومئ للقارئ بعالم وازن الشعري، وتلهمه متعة القراءة المتأنية السعيدة. لا تمر تينك الهواجس بأطوار بلاغية، بل تندغم في نسيج الرواية الآسرة التي أبدلت شاعر العين، بالروائي الجميل.

 

مقالات اخرى للكاتب

هنا/الآن
27 أكتوبر 2017
آراء
27 أكتوبر 2017

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.