}

زمن الدراما.. فعل لامتلاك عقول الناس وتعليمهم الطاعة؟

أنور محمد 16 يناير 2020
آراء زمن الدراما.. فعل لامتلاك عقول الناس وتعليمهم الطاعة؟
مشهد من مسلسل "التغريبة الفلسطينية"
هل من المعقول أن تكون الدراما التلفزيونية العربية إنْ في عام 2019 وما قبله، أو ما سيليه، هي المُعادل العملي لما يُفكِّر فيه العقل العربي؟ خاصَّةً إذا كان خطابه يستعير أفكاره من سياق تاريخي مُغاير لطبيعته، ومن نماذج جاهزة مسكونة بالتسلط والعنف. الدراما إحدى هذه الاستعارات شكلاً، وبدل أن نمارس فعل النقد ضد الخطاب السلطوي السائد، فنفكِّك آليات إنتاجه كما يفعل المسرح والرواية والشعر، نراها راحت تجامله، وتجمِّل سلوكه، فتعمِّم وتكرِّس التخلف، وهذا ما فعله وتفعله مسلسلات لا عدَّ لها، بدءاً من "باب الحارة" إلى "خمسة ونصف" و"كلبش" و"هوجان" و"زودياك" و"الهيبة" وغيرها.

الدراما التلفزيونية العربية هي غير الدراما السينمائية؛ هي للاستهلاك اليومي بصفتها سلعة، والسلعة لا فلسفة ولا يمكن إيجاد حقل فلسفي لها. وهذا ما يتركها تلعب لعبتها (التدجينية) بصفتها بوقاً يلعلع؛ بصفتها جرساً صائتاً. فلا ثوابت أخلاقية كامنة في صورتها، ولا منطق. ثمَّة صورة تبثُّ ملفوظاً صوتياً تسلطياً ماعلى المُشَاهِد إلاَّ أن يطيعه فينصاع له، وهذا ما فعله مسلسل "باب الحارة" السوري على سبيل المثال، والذي بدأ بجزءٍ؛ بولدٍ أوَّل، وصار يتناسل، إلى أن صار عشرة أولاد/ أجزاء ضربت خيالنا السياسي والاجتماعي، وعرَّضته للتصدُّع والتفتُّت والانهيار.
مسلسلات درامية، كيانات تسلطية تمارس القهر والاستبداد الاجتماعي بحجة التسلية، ولا أحد

يقدر على كسر هيمنتها، فشكَّلت خطاباً بدلَ أنْ يوعِّي الإنسان بحريَّته، ذهبَت إلى تهميشه وسلبه فاعليته. ففي اللحظة التي كانت تُبثُّ فيه حلقات المُسلسل كان الناس يُخلون الشوارع في المدن العربية ليُشاهدوا ماذا فعل "أبو شهاب"  و"أبو عصام"، وما هو لغز مقتل زعيم حارة الضبع، وكيف اكتشفَ أبو عصام أنَّ "سطيف" ليس أعمى، والموقف البطولي لأهل الحارة في مواجهة الفرنساوية ..إلى آخره، وقد افتتح باب إخراجه بسام الملا ثمَّ ناجي طعمي ثمَّ محمد زهير رجب، وكان أوَّل من كتب أجزاءه مروان قاووق وكمال مرة، ثمَّ عثمان جحا وسليمان عبد العزيز، وبثَّته معظم الدول العربية على فضائياتها بدءاً من سورية إلى ليبيا والسعودية وقطر وتونس والجزائر ولبنان ودولة الإمارات العربية ومصر والسودان والعراق والأردن. وكأنَّ التاريخ يُصنعُ (الآنْ وهنا). ما يعني أنَّ الدراما/ المُسلسل تحوَّلَ إلى وسيلة تمارس العنف- مساحات العنف واسعة تغطي كل أجزائه أكان استعراضياً أو ضرورياً لزوم تصعيد فعل- ما يقتل الفكر فلا يُفكِّر، لإخضاع الإنسان وتوجيهه حسب النص الأيديولوجي لصانعيه أكان مؤسَّسةً خاصَّة أو عامَّة، فتُلحق المُشاهد بها، بحيث تطبعه بمغزاها الأخلاقي وتدفعه لممارسة الشر باسم أخلاق الدراما. مع أنَّ الدراما بأجناسها المسرحية والسينمائية والتلفزيونية هي فعل (جمال) تُمارس سلطة تعميم الجمال على الناس وليس القباحة، ما يدفع البشر للتفكير والتأمُّل الذي يساوي بين الخير والجمال.
طبعاً سنرى أخطاءنا وحتى جرائمنا في الدراما، وقد نشعر بالذعر والخوف، لكن في المُقابل ستدفعنا لنُقارن ونُعقلن. فالحدث/ الفعل يجب أن يُعرَض بكلِّ فظاعته حين يصوِّر الألم أو الوحشية التي تقوم بها الأنظمة القمعية والاستعمارية على الناس ودون حَرَج. مثلاً حين نُصوِّر ماذا فعلت إسرائيل؛ جيشُها وشُرطتها بالفلسطينيين داخل الأراضي المُحتلة وخارجها من عمليات قتل وتدمير، بدءاً من حرب التطهير العرقي لفلسطين 1947- 1948 إلى حرب حزيران/يونيو 1967 إلى اجتياح بيروت 1982، إلى انفتاح بعض الأنظمة العربية على إسرائيل والتطبيع العلني معها. وهذه لم تتناولها الدراما التلفزيونية العربية لأنَّها ستستحضر المجازر والحرائق والدمار الذي ألحقته إسرائيل بالفلسطينيين والعرب عامَّةً، وهذا لا يُناسب أيديولوجيتها القبيحة. طبعاً نحن لا نخوِّنها، ولكنَّ طبيعتها وأهدافها الربحية هي فوق المآسي الإنسانية؛ فوق آلامهم ومعاناتهم. الدراما عندما بدأت؛ بدأت فعلاً لنشر الوعي، بدأت فعلاً ثقافياً، لكنَّها لم تلبث أن تشتغل في مشروعها هذا لتحقيق الجمال حتى تمَّت مُصادرتها، بل اغتيالها. وصارت تشتغل مسلسلاتها بمعايير "تدجينية" حتى تحوَّلت إلى "سندويشة" لذيذة تلبي معايير الخطاب الدعائي للدولة الأمنية، لأنَّ السيطرة على الدراما خاصَّةً التلفزيونية هي فعل امتلاك عقول الناس لاستنزافهم وتعليمهم طاعتها في إدامة وإطالة عمر هذه الدولة، ففي كل الاستراتجيات السياسية والاجتماعية لدول العالم العظمى والكبرى والصغرى والتابعة- التلفزيون، والدراما ونشرات الأخبار والبرامج بأنواعها هي أحد فروع السلطة/ الدولة حتى تُهيمن وتسيطر.

بل إنَّ احتلال الإذاعة والتلفزيون في كل الانقلابات (الثورية!!) هو فعلٌ عسكري تقوم به "الثلَّة" المُقالِبة فتضمن نجاح ثورتها؛ انقلابها، خاصَّةً حين يتغنى بيان الانقلابيين بالشعب (العظيم) الذي تستغله جيداً بيانات الدراما العربية الذي يتمُّ إعادة إنتاجه وتكريره في أغلب الأعمال. بل إنَّ بعضها يذهب إلى تحويل الحلقة إذا كانت ستعالج قضية الحريات أو فلسطين إلى جلسة ثرثرة (فكرية!!) هي بمثابة كوابيس تعضَّك- نستثني مسلسلاً مثل "التغريبة الفلسطينية" كتابة وليد سيف إخراج حاتم علي، والذي تصوِّر أحداثه معاناة عائلة فلسطينية فقيرة أيام الاحتلال البريطاني لفلسطين، وما أعقبها من مذابح قامت بها عصابات الاستيطان الصهيوني ما بين ثلاثينيات وستينيات القرن الماضي في عملية إبادة للفلسطينيين، وما خلفته من صور فظيعة ومريعة لشيوخ وأطفال ونساء يفرون من الموت أمام صمت واختفاء المشاعر الإنسانية التي يُفترَض أن تفزع/تُنجد، وليس تستنكر هذه الجريمة؛ إنَّها تراجيديا من حزنٍ عميق وألمٍ ضارٍ، لا تعطي أحداً حقَّ تبرير الفعل الصهيوني، وليد سيف وحاتم علي عرَّيا الأحداث عن راهنيتها الدرامية وحوَّلاها إلى مشاهد تاريخية بدون استعراضٍ سياسي.  لقد ذوَّبا الدراما في التاريخ، فلم يكن أبطالها دُمى مربوطة بأسلاك العقائد، فتاريخ الجرائم الصهيونية ليست ماضياً بل هي حاضرٌ أبدي. فكان مسلسلاً من إثارة وعنف واقعي صادم، وبناء موسيقي من طاهر مامللي؛ إذ كانت الموسيقى تتصارع بحماسة مع الفعل التراجيدي كونها مُؤسِّسة أثيرية للصورة البصرية، فهي تذهب وتؤوب مع الأفعال. وممثلين مثل: جمال سليمان وخالد تاجا وجولييت عواد ويارا صبري وتيم حسن ونادين سلامة وسليم صبري وحسن عويتي ويوسف المقبل ومحمد حداقي وناصر وردياني وآخرين،  لعبوا أدوارهم بتوترات من أساسٍ جدلي، فكُنَّا في زمن واقعي، فالمَشَاهِد كأنَّها من مسرحٍ مُركَّب، أجسادُ الممثلين تصطدم بالأشياء؛ تستند تسترخي تقف تمشي تسقط تنهض تنزلق، ثمَّ تتصادم، فنرى ونسمع صورة وصوت الزمن وهو يسيل من على جسد الممثل، وفي وضعياتٍ مسرحية سينمائية معاً، فالجسد هو جوهر الحياة، فكما نحنُ مع جسدٍ يومي نحنُ مع جسدٍ احتفالي. مع دراما تلفزيونية بغاية الفصاحة والبراعة والإدهاش، مع صورةٍ صائتة، مع مؤلِّفٍ وممثلين، ومصوِّر سامر الزيات، ومكياجور مير محسن موسوي نفذوا أدوارهم بحسٍّ رؤيوي، وبأوضاعٍ جسدية عبَّرت (لعباً) عن عذابات وآلام الفلسطينيين في رحلة التشرد.

أسرة مسلسل الهيبة  


















لقد كُنَّا مع "جيستوس" حقيقي وليس مُتخيَّلاً، من تناسق في تسلسل الزمن الروائي واندغامه وتعايشه مع الأحداث، في صورةٍ/مشهدٍ، صورته من ألوان وأصوات، مشهد من موقف بصري وصوتي يصلنا بالحياة. وهذا يؤكِّد قوَّة إيمان المؤلِّف وليد سيف والمخرج حاتم علي بقضية فلسطين. الإيمان ليس بمعناه الديني، بأنَّ الصورة التلفزيونية/ الدراما يمكنها أن تحمل فكراً، ونراه مُجسَّدا في فعل جسدي لممثل؛ ممثلين- أي نشاهدً فعلاً فكرياً- فكراً فعلياً من دم ولحم وأعصاب وبغاية الفصاحة اللغوية والموسيقى والبلاغة الدرامية.
طبعاً هذا يكشف ثانية عن قوَّة الإيمان عند المؤلف والمخرج بأنَّ فعالية الدراما تُساهم في تحرير الإنسان من "الميث" السياسي الخياني والتدجيني الذي تمارسه "مافيات" الدولة الأمنية في كل مناحي الحياة، حتى لا نتحوَّل إلى قطط وسحال ورعاع.

*ناقد سوري

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.