}

العراق.. نحو بلورة مشروع ثقافي واحد

وارد بدر السالم وارد بدر السالم 21 مايو 2020
آراء العراق.. نحو بلورة مشروع ثقافي واحد
بوابة من قصر سرجون العظيم بمتحف اللوفر بباريس(Getty)
منذ سنوات غير بعيدة كتبنا عن المعنى الثقافي الوطني ووجوب توطيده عبر هيئة ثقافية مستقلة تأخذ على عاتقها برمجة الواقع الثقافي العراقي وتسيير شؤونه باستقلالية تامة، على أن لا ترتبط بأحزاب المحاصصة سيئة الصيت، وأن تكون وزارة الثقافة ذكرى من ذكريات البلاد التي تمخضت عن حالة سياسية غير سليمة في ديمقراطية ملتبسة كثيرًا، وأن تحل محلها هذه الهيئة الوطنية المستقلة بقيادة مثقفين مبدعين ومستقلين، يؤسسون لمناخ صحي جديد، ويبرمجون الحياة الثقافية العراقية في رؤى حديثة بمعيارية وطنية خالصة، يجب أن تتقاطع مع كيان الوزارة القار على محاصصة سياسية طائفية منذ عام 2003 وحتى اليوم، وأن يستقل الوضع الثقافي بمجلس أعلى للآداب والفنون أو أية تسمية، تحميه من طفيليات الميليشيات وتقاسمها النفوذ السلطوي، وأن تكون الثقافة بمشغلها العام نائية عن التحزبات المسلكية وعمائم الفساد وطرابيش اللصوص المحترفين.
وعادت الفكرة بشكل واضح مع انطلاقة ثورة الشباب في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. بل وترسخت أكثر في الخطاب الجماهيري العام من أن تكون الثقافة العراقية ذات استقلالية شخصية وأن لا تكون وزارة بالمعنى الوظيفي بالوتيرة المعروفة سابقًا؛ فالثقافة العراقية التي مر عليها وزراء كثيرون منذ عام 2003 وحتى اليوم بقيت رهينة المحاصصة الطائفية سيئة السمعة، وأغلب وزرائها هم حفنة قتلة ولصوص بجنسيات أجنبية مختلفة، ليست لهم علاقة بالثقافة بوصفها الإنساني العام، إنما هم حلقة وصل بين الوزارة وبين الأحزاب المتأسلمة التي استحوذت عليها في كل الانتخابات الماضية. وهذه الحلقة المريبة هي التي جعلت من الوزارة مرتعَ فساد وحاضنة إرهاب في وقت من الأوقات عندما شاع الإرهاب بتسمياته المعروفة. وما كانت المشاريع الوهمية الكثيرة التي أعلنَت في مناسباتٍ سابقة إلا أحد أنواع الاختلاس المالي والإداري الذي هيمن على مفاصلها الوظيفية كلها.

وليس بعيدًا عن الأذهان تلك المشاريع التي استنزفت خزينة الدولة وكانت حبرًا على ورق. وأبرزها دار الأوبرا التي تبخرت هي وملياراتها ومخططاتها الورقية. والنجف عاصمة الثقافة الإسلامية، ومن ثم بغداد عاصمة الثقافة العربية التي كانت ملفات الفساد فيهما أكثر من أن تُحصى. وتمويل الأفلام السينمائية التي أنتج بعضها ولم يُعرض حتى اليوم بسبب عدم وجود دور سينما! وغيرها من المشاريع الوهمية التي كانت أموالها تذهب إلى الأحزاب وتمويل جماعاتها لأغراض ليست خافية على أحد. وهي أغراض ليست ثقافية في الأحوال كلها.
خلاصة الحالة، ومع تعاقب ستة أو سبعة وزراء، لم تكن هناك استراتيجية ثقافية من شأنها أن تبلور مشروعًا ثقافيًا واحدًا، أو تهيئ إلى انفتاح ثقافي عربي من شأنه أن يعيد الصلة المقطوعة مع مثقفي العراق الذين شتّتتهم أهواء الوزراء وبرامجهم الحزبية منتهية الصلاحية، والتي أبقت على المحاصصة فاعلة ومجسّمة إلى يومنا هذا. وبالتالي فإن الأصوات المنادية بحل الوزارة وتشكيل مجلس أعلى مستقل للثقافة والفنون والآداب عادت من جديد، لتفضح هذه الوزارة والمطالبة بإبعادها عن المسار السياسي الخاطئ الذي اعتمدته الانتخابات السابقة بجعلها (حصة) حزبية من حصص الأحزاب الفاسدة كلها.
المجلس الثقافي الوطني/ المجلس الأعلى للفنون والآداب/ التجمع الثقافي الوطني الأعلى- كلها مسميات واحدة لسياسة ثقافية جديدة تأخذ على عاتقها وضع استراتيجيات ثقافية موحدة، بديلًا عن وزارة جمدتها الأحزاب ونهبت ميزانيتها المليارية لأغراض خاصة بها، على أن تكون تلك المسميات جماعية تجعل من الثقافة مشروعًا إنسانيًا واسع النطاق، وغير محدود بأطروحات جاهزة ولا مجموعات مشكوك بولائها الوطني. وهذا يتطلب شروعًا حاسمًا في تقويض أسس الفساد الثقافي من أعلى الهرم إلى أسفله، بوجود عناصر ثقافية فاعلة وراسخة في الوجدان الثقافي المحلي والعربي والإنساني، بعيدًا عن كائن مشبوه اسمه وزارة الثقافة.
النداء الذي أطلقه اتحاد الأدباء والكتّاب العراقي أكثر من مرة، يصبُّ في هذا التوجه المستقل لتكوين مشروع جديد وتأسيس مجلس ثقافي وطني (تجتمع تحت خيمته كل أصناف الثقافة، ويكون الضامن الأكيد لاستقلال القرار الثقافي وإبعاده عن التدخل والبيروقراطية.. مجلس يأخذ دوره في صياغة المنهج الفاعل وتكوين الرؤى الممتدة من القاعدة نحو أعلى المستويات، إذ ليس من المنصف أن تظل الثقافة مرهونة بنظام قديم لم يعد مناسبًا ولائقًا بحضارة أمة مجدها الفكر، وفخرها الحضارات). وهذا التشخيص الذي يهدف إلى الحفاظ على وحدة الثقافة العراقية بأرضية تاريخية معروفة وخلفية إبداعية متمايزة، هو الهدف الأساسي الذي أغفله وزراء المحاصصة الطائفية، وعَدّوا الثقافة العراقية مكسبًا وغنيمةً وحقيبة مقتَنَصة تُضاف إلى الحقائب الطائفية، التي تجسّد المأساة الفعلية لوطن تتناهبه أجندات مغرضة وتنفذ من خلال هذه الحقائب المزورة، لا سيما الحقيبة الثقافية التي غيّبت وتغيّب المثقفين الفعليين وأدباء الوطن الذين ذهب منهم شهداء وأسرى ومخطوفون، وخنق الأصوات المعارِضة لهذه السياسات الضيقة بالتخويف والتخوين والخطف، وإعلاء من لا شأن لهم في السياسة الثقافية المحلية الوطنية. وبالتالي أربكت المسار الثقافي والأدبي بشكل خاص وجعلته تحت مقتضيات زعامات حزبية تصلح لكل شيء ربما، إلا الثقافة.
إن المجلس الثقافي الأعلى المستقل والمقترح من مثقفي العراق ونشطائهم المتنورين، هو خلاص أولي من هذه السياسة الأحادية وقصف مباشر لدوائر الأزمة المفتعلة في هذا التسابق الحزبي الملعون، الذي يؤكد على استثمار الوقت السلبي للإطاحة بكل خطط التفاعل الإيجابي الذي من شأنه أن يُبيّض الخط الثقافي الوطني، الساعي إلى إيجاد الكثير من الخدمات المطلوبة لهذا الطيف المتميز في البلاد، من خلال علاقة ثقافية مستقلة يفترعها الهم الوطني أولًا وأخيرًا، يمثلها مجلس متخصص بأعضاء إيجابيين وطنيين ومبدعين وفاعلين، بعيدًا عن جهات المحاصصة ونواياها غير الثقافية التي استنزفت الموارد من دون جدوى، ومن دون أثر حتى لو كان صغيرًا ينسجم وتطلعات المثقف العراقي الذي وضعوه في منشار المحاصصة الطائفية السياسية.

(بغداد)

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.