}

هل نحن عبء على الوجود؟

آراء هل نحن عبء على الوجود؟
الجد يقرأ لحفيده في زمن كورونا (Getty)

محاولة توصيف اللحظة الآن معقدة، وهي محاولة خاسرة عبثية لكل من يحاول خوضها. فالجسد أصبح عبئاً على الوجود، وظيفته مزدوجة، فهو يجاهد لحماية ذاته، وبالقدر نفسه يهدد غيره من الأجساد. تنعكس هذه الازدواجية على العقل: ماذا يفعل الآن كتاب رواية الديستوبيا؟ كيف يشعر الناقد بعد غياب جمهور الندوات؟ ماذا يفعل باحث الأدب؟ دارس الأدب؟ ماذا يفعل القارئ النهم الذي كان لديه إجابة عن كل ظاهرة؟ هل يكمل الكاتب الموهوب حبكة روايته ليدفع بها إلى دار النشر؟ ماذا يفعل كل هؤلاء حيال وباء عالمي سيعود بنا إلى أجواء القرن التاسع عشر؟
انغمست في هذه الأفكار المأزومة عندما قرأت ما كتبه الدكتور رشيد العناني، الناقد المعروف المقيم في إنكلترا، على صفحته الخاصة في فيسبوك، فقال: "أي قيمة اليوم للأدب والنقد؟ أي قيمة للكتابة والكتّاب؟ أي حياة تنقذها اليوم قصة، أو قصيدة؟ من لم يكن اليوم طبيباً، أو ممرضاً، من لم يكن مهندساً، أو عامل بناء يشيد المستشفيات، من لم يكن عالماً، أو بيولوجياً في المختبرات، من لم يكن في إنتاج الطعام، أو توزيعه، من لم يكن سائقاً لسيارة الإسعاف، أو في طاقمها – من لم يكن واحداً، أو واحدة، من هؤلاء، فليتوارَ خجلاً عن الأنظار، فهو عبء على الوجود".
تعتمد هذه المقاربة منهج المواجهة المجردة من أية أوهام تصنعها مجازات اللغة، فيقف العقل

في مواجهة الوباء عارياً ورافضاً لأي نكهات إضافية. وهي أيضا مقاربة - بالرغم من قسوتها - منطقية وصحيحة إلى حد كبير. ماذا يفعل كتاب في مواجهة وحش كاسر يعبث بأرواحنا، ويحول حياتنا إلى محاولة عبثية للاختباء؟
على الجانب الآخر، تذكرت ما قاله ألبير كامو في رواية الطاعون التي صدرت عام 1947، "إن كل ما يستطيع الإنسان أن يربحه في معركة الطاعون والحياة هو المعرفة والتذكُّر". وبالرغم من المستويات الرمزية لوباء الطاعون في الرواية، إلا أن اللحظة تسمح لنا بالقراءة الحرفية. ما الذي يبقى لنا الآن سوى المعرفة وفعل الذاكرة؟ وهذا الأخير سنحتاجه كثيراً بعد انحسار الوباء، لنتذكر كيف كانت حياتنا، أو كما يقول الشاعر الإنكليزي، جون دان، في القرن السابع عشر "أتعجب أين كنا أنا وأنت حتى تحاببنا؟" لن يبقى لنا سوى ما كنا نعرفه ونجاهد لحمايته من النسيان لكيلا نتحول إلى شخصيات ماركيز في "مائة عام من العزلة". المعرفة: يراها البعض مقاومة، وأراها ضرورة لمواصلة الحياة.
العقل الذي بذل مجهوداً صعباً لمحاولة فهم نفسه (الفكرة الأساسية لدى كانط)، واستعد دوماً لمواجهة لحظة تعرية كاملة، يجد نفسه في ورطة. هل يتنحى جانباً، ويتوارى خجلاً، تاركاً كل أوهامه حتى تمر العاصفة، أم ينغمس في قراءة ما يلائم اللحظة؟ أليس في بلاد العجائب، مثلاً، أو ألف ليلة وليلة؟ أم نعود لمشاهدة كل الأفلام التي أنتجتها هوليوود في العقدين الأخيرين، وتندرج تحت مسمى الخيال العلمي؟ ماذا نفعل بهذا الجسد الذي أصبح غير مرغوب فيه (تحت شعار خليك بالبيت)؟ هذا الجسد الذي سعت كل موجات الرأسمالية المتأخرة (المعروفة بالتوحش) إلى تحويله إلى سلعة طبية وتجميلية لم تعد له قيمة في الفضاء العام. أجسادنا الآن منبوذة، من دون حماية - بالرغم من كل وجوه الممثلات التي تطالعنا على شاشة التلفزيون، وتخلو من أي خطأ! أجسادنا أصبحت قرابيناً - بتعريف المفكر الإيطالي، جورجيو أغامبين، تسعى إلى إطفاء غضب الطبيعة التي أصبحنا بالفعل عبئاً عليها. نحن الإنسان المستباح، نحن الحياة العارية. الفارق أن الفاعل ليس سلطة ملموسة، بل ذرات غير مرئية تخترق هذا الجسد العاري، الذي عليه أن يجد سبيل النجاة من الذرات بمفرده.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.