}

عن الحاجة إلى بناء لوليتا في المتخيّل الأدبي الإنسانيّ

ليندا نصار ليندا نصار 5 أغسطس 2022
آراء عن الحاجة إلى بناء لوليتا في المتخيّل الأدبي الإنسانيّ
"لوليتا" بريشة الفنانة الكندية داون ديودك

 

تعدّ رواية "لوليتا" الصادرة في باريس عام 1955 للكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف من الأعمال العظيمة التي تناولت قضية مجتمعيّة وإنسانيّة بامتياز بكلّ ما فيها من عادات وتقاليد وأمور مسكوت عنها. إنها الرواية التي كسرت حواجز الصمت فجاءت في قالب من الإبداع.

تتحدّث الرواية عن أستاذ الأدب همبرت الذي يشعر بالانجذاب والشهوة تجاه صغار الفتيات المراهقات منهنّ خصوصًا. وهو لم يستطع كبح رغبته إزاء دولوريس الملقّبة بلوليتا، ابنة الاثنتي عشر عامًا، فبذل كل جهوده لإغراء أمها والزواج بها ليبقى قريبًا من الفتاة ويشعرها بالأمان، إلى أن اكتشف يومًا أنها ليست عذراء وقد فقدت عذريتها يوم كانت في أحد المخيّمات.

من حسن حظّه تموت الوالدة ويصوّر لنا نابوكوف رحلة الهروب من الواقع ومن أنظار الناس والرقابة، إنه هروب في كل البلاد للحفاظ على الصبيّة بعد أن عاش معها حياة تشبه الحياة الزوجيّة، إلى أن تمكّنت من الإفلات منه في وقت لاحق والهروب مع رجل آخر.  

تعالج الرواية قضايا اجتماعية عدّة تتمثّل في "البيدوفيليا" والتحرش بالأطفال والتحكم بمصيرهم والقدرة على تهديدهم وانتشالهم من الطفولة الهادئة إلى الهم الذي يكبرهم، كما يعالج هذا العمل الأدبيّ نظرة الرجل إلى المرأة والسيطرة عليها واستغلال نقاط ضعفها، كما فعل همبرت مع الأمّ.



"لوليتا" الصادرة في باريس عام 1955 للكاتب فلاديمير نابوكوف من الأعمال العظيمة التي تناولت قضية مجتمعيّة وإنسانيّة بامتياز



تأتي قوّة الكتابة هنا من خلال الكشف عن أفكار الرواية ومقاربتها من منظور خاصّ ومقارنتها بواقعنا مع الأخذ بعين الاعتبار الزمان الذي كتبت فيه والظروف التي كانت مهيمنة آنذاك. فالأمّ التي اعتنت بطفلتها دولوريس، ظنّت أنّ زواجها سيشكّل نوعًا من الأمان لها ولابنتها إلى أن حدث اللامتوقّع بعد أن عاشت معها حياة هادئة، ولم تكن على دراية بما ستؤول إليه الأمور فيما بعد. فهذه الرواية تتفرّع إلى مفاصل وأسئلة عدّة تسهم في تكوين صورة عن العلاقات في المجتمع الغربيّ والذهنيّات والأيديولوجيات السائدة والمحرّمات آنذاك. يأتي الهدف في رواية "لوليتا" الكشف عن حالات اجتماعيّة في عصر نابوكوف إذ يتمّ التعبير عن الارتباكات والتشابكات والحالات النفسية التي كانت سائدة في ذلك العصر. كذلك يمكننا هنا مقاربة الرواية من منظور آخر أيضًا، فثمّة من يدافع عن الرجل ويختلق له الأعذار، على عكس السائد وهو الدفاع عن الفتاة واعتبارها مظلومة تمامًا.

يمكننا القول إنّ الدلالة في رواية "لوليتا" هي أعمق بكثير ممّا نقرأه، إذ نجد فيها تحويلًا لمسار لوليتا في الأدب العالمي، وجعل الدلالة أقرب إلى الفاجعة. فهذه الذات التي عانت شتّى أشكال التمزّق، تمكّن الكاتب من تحريرها ورسم حياتها عن طريق الأدب الذي أعاد تشكيل علاقتها بالعالم موظّفًا التفاصيل في حبكة السرد والحكي الذي عبّر فيه عن القلق والشكّ، لتكون التجربة الإنسانية هنا بكلّ اضطراباتها مقيمة في المسافة الفاصلة بين العالمين الداخلي والخارجي ولتتحوّل إلى تجربة شموليّة. من هنا يمكننا القول إنّ الأدب جاء لترميم الألم والجرح في الإنسان والكشف عن المناطق المجهولة في الذات الإنسانيّة ليبدع ما هو جديد ويتحكّم بالمصائر ويعمل على تحويلها لصالح الرواية، كلّ ذلك من خلال مخيّلة امتلكها الأديب فلاديمير نابوكوف وحقّقها في نصّه، وجاءت قوّة الأثر من خلال انتقال الفكرة إلى منجزات إبداعيّة في بلاد أخرى.

في هذه المقالة سنتناول السيرة الروائيّة "أن تقرأ لوليتا في طهران" للأديبة البروفيسورة الإيرانيّة آذر نفيسي، وقصيدة "لوليتا" للشاعر السوريّ نزار قبّاني، في محاولة منّا لمقاربة وتحليل صورة المرأة والعشق والكتابة في المتخيّل الأدبيّ الإنسانيّ، من خلال "لوليتا" المستوحاة من النصّ الأصليّ للأديب الروسيّ فلاديمير نابوكوف.

دافعت نفيسي في روايتها عن حقوق المرأة وعبّرت عن طريقة التحرّر من خلال القراءة



"أن تقرأ لوليتا في طهران"..

فلسفة البحث عن التحرّر عبر القراءة

تتّخذ رواية "أن تقرأ لوليتا في طهران" الصادرة عام 2003 للبروفسورة والكاتبة الإيرانية آذر نفيسي، معاني وأبعادًا كثيرة مختلفة بوصفها رواية جريئة تخترق التعصّب الذي بات يتحكّم بهذا البلد بعد أن كان يمتلك الحرّيّة إلى حدّ ما قبل الثورة أواخر السبعينيّات. آذر نفيسي التي ولدت في طهران قبل الثورة الإسلامية، ثمّ عاشت تجربة ضيق الحياة والخناق الذي لحق بالنساء بعد ذلك، تمكّنت في ظلّ فترة قصيرة وقبل أن تهاجر إلى الولايات المتحدة الأميركيّة، من أن تشكّل حلقة من مجموعة فتيات من الجامعة، وتناقش وتحلّل معهنّ الأفكار من روايات وكتابات الأدب الإنكليزي، لتكتب في ما بعد سيرة روائيّة عن هذه التجربة، مستخدمة أسماء مستعارة للطالبات حفاظًا عليهنّ، واصفة تصرّفاتهنّ ومحاولتهنّ ممارسة هذه الحريّة في الخفاء إلى حدّ ما، وكأنّها خلقت لهنّ سماء صغيرة غنيّة بالحرية وزرعت في ذواتهنّ أملًا ضئيلًا، حيث صارت القراءة المنفس الوحيد والحرّية بالنسبة إليهنّ.

يمكننا الحديث هنا عن وضع المرأة بشكل عام وفي عدّة مجتمعات شرقيّة، وهي لا تختلف عن بعضها البعض إلّا من حيث المكان والزمان. تتقاطع لوليتا نفيسي مع لوليتا نابوكوف من حيث العشق المحرّم والرقابة المجتمعيّة من قبل السلطة، سواء أكانت سياسيّة أم سلطة الأقوى كما همبرت الذي تحكّم وسيطر على دولوريس/ لوليتا، حيث كان يتدخّل في أدقّ التفاصيل، وقد جعلها تعيش حياة أكبر منها وحرمها من التمتّع بطفولتها ومرحلة المراهقة. في "أن تقرأ لوليتا في طهران"، تتبدى لنا إذًا المرأة وكأنّها ممنوعة من الرقص والركض والتعبير بصوت مرتفع أو الضحك في الجامعة على مرأى من الجميع، وهي مستعبدة ضعيفة الرأي مقموعة، بل هي ممنوعة من شتّى أنواع الحرّيّة، إنّها مقيّدة بلباسها الذي يعبّر عن شكلها الخارجيّ والذي يجب أن يكون صورة لداخلها. إنّها المرأة التي باتت بأمسّ الحاجة إلى الحرّيّة.

في هذه الرواية جرأة في طرح عدّة إشكاليّات مستوحاة من روايات عالميّة عدّة، صنعتها آذر نفيسي بأسلوب فنيّ ماهر تمتّعت به، ودافعت فيها عن حقوق المرأة وعبّرت عن طريقة التحرّر من خلال القراءة، وعالجت قضية ووضع المرأة المستلبة المستغلّة، كذلك المرأة المتمردة التي تبحث عن لحظة حرّيّة في سجن لا يشبه روحها التائقة إلى الانطلاق. يمكننا القول إنّ لوليتا هي الحد الفاصل بين الحرية/ الانفتاح والتعصب الديني والمجتمعيّ/ الانغلاق.

كتب نزار قباني قصيدة "لوليتا" حيث يبدو جليًّا فيها محاكاة اللاوعي الإنسانيّ من خلال الشعر


لوليتا نزار قبّاني..

العشق واللّذّة المحرّمة وتعرية الواقع الفجّ

يمكننا الحديث عن لوليتا في وحي الشعراء أيضًا، منهم نزار قباني الذي كتب قصيدة "لوليتا" حيث يبدو جليًّا فيها محاكاة اللاوعي الإنسانيّ من خلال الشعر.

ثمّة تحوّل لمفهوم الحب وطرق البوح في هذه القصيدة، ففي المجتمعات المليئة بالقوانين والتقاليد والتعصّب على المرأة، حيث كانت ممنوعة من الاعتراف بحبّها والتعبير عن مشاعرها واختياراتها، جاء نزار قبّاني بقصيدة "لوليتا" ليقلب من خلالها المفاهيم ويكسر ما كان سائدًا، حيث صار بوح الأنثى بالحب بهذه الصراحة والجرأة أمرًا عاديًّا. وقد تحوّلت رواية لوليتا إلى قصيدة شرقيّة تتخذ مفهومًا آخر للعشق واللذة المحرّمة والمطمورة.

يحاول الشاعر في شتى الطرق تعرية الواقع الفجّ وتجميله من خلال التصوير الشعريّ. إننا أمام نزعة ذكورية وعقلية شرقيّة، فيصوّر الفتاة التي، بالرغم من أنّها طفلة، إلّا أنّها تحاول إغراء الرجل ولفت نظره تجاهها وذلك عبر براعة نزار قباني في تقنيّات الكتابة الإبداعيّة. إذًا تمثّل لوليتا هنا صورة المرأة في طفولتها حيث تقارب الأمور ببراءة، فهي مثل أيّة مراهقة تبحث عن فارس أحلامها وقد تغريها أو تجذبها صفة معيّنة في الرجل الذي تحلم به منذ طفولتها، لكنّ هذا العشق محرّم في المجتمعات، وهو منهار قبل أن يولد.

في هذه القصيدة، يجد القارئ نفسه أمام حركة تصاعديّة تسير بموازاة الخطّ الزمنيّ، فالطفلة كبرت وصارت امرأة، وباتت تطلب من الرجل أن يغيّر نظرته إليها وأن يدعوها إلى الرقص كالأميرات العربيات، بينما نجدها تقول له "لا تعاملني بشكل أبوي"، وهذا الأمر ينسحب على لوليتا/ دولوريس في رواية نابوكوف. الفتاة التي بلغت الخامسة عشرة هنا وأصبحت أجمل، تمنّت أن تطول أكثر لكي تتساوى مع رجلها وتليق به فلا يخجل بها، وتتخطّى شعورها بالنقص تجاهه. هنا يأتي الوصف والسرد في القصيدة بضمير المتكلّم، لتقول له إنّها باتت تصلح للحبّ الذي يعتبر كلعبة خطيرة بالنسبة إلى المرأة كلّما تقدّمت بعلاقتها بالرجل.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.