}

اليوم التالي فلسطينيًا... اليوم التالي "إسرائيليًا"

علي العائد علي العائد 10 يوليه 2024
آراء اليوم التالي فلسطينيًا... اليوم التالي "إسرائيليًا"
إحدى صور التحدي في الزوايدة/وسط قطاع غزة(9/7/2024/Getty)

اتبعت "إسرائيل" منذ نشأتها استراتيجية استباقية، تخوض فيها حربًا بمبررات، أو من دون مبررات، في أعوام 1948، 1956، 1967، 1973، 1978، 1982، عدا حروبها الأخرى في لبنان، ما قبل انسحابها من جنوب لبنان، ومن ثم حربها على لبنان في عام 2006. غاية تلك الاستراتيجية هي تعطيل تطور جيوش الطوق العربي، بحيث تحطم ما بنته هذه الجيوش، لتستغرق الأخيرة 15 إلى 20 عامًا لإعادة بناء قدراتها، بينما يستمر الجيش الصهيوني في تطوير قدراته. وهذا ما يفسر الفارق الهائل بين قدرة الجيش الإسرائيلي ومجموع قدرات كل الجيوش العربية، ليس في حدود دول الطوق، بل في كل الدول العربية، على الرغم من العدد الضئيل لسكان الدولة العبرية مقارنة مع عدد سكان دول الطوق، وعدد سكان العالم العربي.
حتى حرب السويس 1956، وحرب 1973، اللتين لم تكونا على أجندة إسرائيل مسبقًا، استفادت منهما في النهاية، رغم الخسارة السياسية الكبيرة في الأولى، والخسارة العسكرية النسبية في الثانية.
حول ما يجري في غزة، نستعيد مثال فييتنام. بالأرقام، خسرت فييتنام 3 ملايين جندي في حرب أميركا المديدة عليها، في عقد الستينيات، وبدايات عقد السبعينيات من القرن الماضي، في مقابل 58 ألف جندي أميركي قُتلوا في تلك الحرب.
مع ذلك، خسرت أميركا الحرب، ولم تحقق أهدافها، رغم أنف سلسلة من خمسة أفلام رامبو، التي حاولت تجميل تلك الهزيمة خلال عقد الثمانينيات من القرن نفسه.
الآن، ما خسرته غزة في عدد المدنيين الشهداء، والجرحى، والمفقودين، يفوق عشرات المرات ما خسرته "إسرائيل". إلا أن ذلك لا يعد دليلًا على نجاح الجيش الصهيوني في تحقيق أهدافه. وعلى الرغم من أن المعركة لا تزال جارية، يمكن مطابقة نتائج المثال الفييتنامي على حرب غزة، أي أن الفرصة لا تزال قائمة كي تحقق المقاومة في غزة النصر، أو اللاهزيمة.
وفي انتظار نهاية الحرب، تبحث دوائر عديدة، دبلوماسية وسياسية، منذ شهور، عن اليوم التالي للحرب. فلسطينيًا، لن يتطابق هذا اليوم مع اليوم التالي للمذبحة "الإسرائيلية" في غزة، مهما اجتهد داعمو الطرف المعتدي لإيجاد حل وسط يعيد بعض اللون لوجه الدولة العبرية، من حيث أنها لا تعقل حجم الخسائر التي تعرضت لها في أرواح جنودها، وفي إصابات أشد ألمًا أدت إلى إخراج كثير من الجنود من عداد الاحتياط في جيشها، ومن حسابات الاقتصاد كون هؤلاء عمالًا وتقنيين ستخسرهم عجلة اقتصاد الدولة، وقد يكون بينهم خبراء في التكنولوجيا المتقدمة.
قد لا تهتم "إسرائيل" بخسائرها في العتاد، ولا في الاقتصاد، فداعموها في أميركا وغرب أوروبا مكلفون سلفًا بتعويض كل الخسائر المادية، وربما أكثر. ما يهمها، حقًا، من الناحيتين العملية والنفسية، هو إعادة الهيبة لجيشها ودولتها.



فلسطينيًا، لا جديد إلا في حجم الخسارة البشرية الهائلة. نعم، أعداد الشهداء كبيرة جدًا، لكن الفلسطينيين دائمًا ما كانوا يقدمون عددًا كبيرًا من الأرواح في سبيل حرية بلادهم، وسعيهم إلى الاستقلال عن السيطرة العبرية على أرضهم وسمائهم ومائهم. وحتى لو لم يحدث ما حدث في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كانت غزة، خصوصًا، منذورة لحملة عسكرية ضدها، وإن كان العدد المتوقع من الضحايا أقل بكثير مما شهدناه ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ببساطة، لأن "جيش الدفاع الإسرائيلي" لا يطيق التقاعد عن القتل، ويحتاج دائمًا إلى مناورات ليثبت أن مفاصل جنوده قادرة على القتل، مناورات لا يفصل بينها إلا شهور، أو سنوات قليلة، من دون أن يعني ذلك أن فوهات البنادق، والمدافع، والدبابات، والزوارق البحرية، والطائرات المروحية، وطائرات الاستطلاع، والطائرات المقاتلة، وغيرها، ستسكت حتى لأيام، وليس لأشهر، فالقتل بالنسبة للجندي "الإسرائيلي" نسبي، لكنه لن يتوقف، إذ لا فائدة من جندي عند "إسرائيل" لا يقتل، حتى في الأوقات التي تصنفها الدعاية الصهيونية بفترات السلم.
منذ عشرينيات القرن العشرين، لم يتمتع الفلسطينيون بيوم واحد تالِ للحروب والغزوات الصهيونية، حتى قبل تأسيس الدولة العبرية، وفي سنوات الانتداب البريطاني. فالحرب أبدية على الفلسطينيين في نظر "إسرائيل"، يسارها ويمينها، تحقيقًا للعقيدة التي تأسس عليها هذا الجيش بقيادة "رب الجنود"، وفقًا للأدب التلمودي الذي تسترشد به الصهيونية اليهودية. والحرب أبدية كذلك بالنسبة للفلسطينيين، يسارهم ويمينهم. والفرق بين رؤية الطرفين على المديين المتوسط والبعيد هو أن "إسرائيل" مدركة أن السلام سيرسي نهايتها، على عكس الفلسطينيين الذين سيحقق لهم اليوم التالي للحرب السلام الذي ناضلوا من أجله.
في الأصل، اليوم التالي لما بعد الحرب على غزة مصطلح "إسرائيلي" وغربي، تتداوله ألسن عسكريين وسياسيين وصحافيين، لكن أحدًا لا يتحدث عن يوم تالٍ للمجزرة، ولم يتحدث أحد عن فكرة فلسطينية لما بعد انتهاء الحرب "الإسرائيلية" على غزة.
تحلم "إسرائيل"، كما يحلم المتأسرلون بهذا اليوم "الإسرائيلي"، الذي تفوح منه رائحة هدف مستحيل هو القضاء على المقاومة الإسلامية، حماس خاصة، والجهاد الإسلامي، وترحيل ما يمكن من فلسطينيي غزة كلاجئين إلى دول وقارات عدة، قد تكون مصر منها، أو لا تكون.
هذه الفكرة واردة، لكنها وجبة باردة ستأتي بعد وقت قد يطول بعد نهاية الحرب على غزة. بدأت "إسرائيل" الرسمية الحديث عنها مع بداية الحرب البرية، عبر بالونات اختبار موجهة إلى مصر والأردن، ومن ثم الأحاديث عن ضرورة سيطرة "إسرائيل" على محور فيلادلفيا، ورفض عودة منظمة التحرير الفلسطينيين إلى حكم غزة، على اعتبار أن القضاء على حماس مسألة وقت في مخططات الحرب الدائرة في غزة.
الأرجح أن هذه الحرب لن تكون الأخيرة، لأن المقاومة مستمرة ما دام الاحتلال "الإسرائيلي" قائمًا، وهذه الحرب أرست مبررات ثأر لا تقارن بكل جولات الثأر السابقة. والأهم في أن هذه الحرب لن تكون الأخيرة هو أن "إسرائيل" لا ترغب في ذلك، فالدور الوظيفي لهذه "الدولة" هو الحرب، وهي لن تشعر بالأمان إلا بنشر الكراهية والرعب في صفوف الفلسطينيين، حتى لو افترضنا أنهم استكانوا، لفترة قصيرة، أو طويلة. وأما السلام فهو مقتل هذه "الدولة"، ونهايتها، أو بداية نهايتها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.