}

بين صناعة الكراهية وشرعنة الإبادة باسم "الوعد المقدس"

ناصر السهلي ناصر السهلي 2 أكتوبر 2025
آراء بين صناعة الكراهية وشرعنة الإبادة باسم "الوعد المقدس"
من مظاهرة داعمة لغزة في إسطنبول/تركيا (5/7/2025/Getty)

في الأزقة الحجرية للقدس العتيقة لا تسير الكراهية وحسب، بل يتقدّمها موكب من فتاوى قتل، وكتب تُعلّم الأطفال أن الإبادة ليست جريمة، بل وعد إلهي يُنفَّذ. هذا ليس استعارة، بل وصف واقعي لمنظومة نصوص ومناهج وخطابات تُنسب إلى "ربّ الجنود"، تصير بها الإبادة طقسًا، والمحتل مُرسَلًا من السماء. في زوايا المدينة، تتكرر مشاهد لا تُمحى: بصقة على باب كنيسة، مراهقون يتحدثون عن "إبادة الآخر"، وفتوى تُبارك ذبح المدنيين باسم الله. ما يُقرأ أحيانًا كحوادث فردية هو في الحقيقة نتيجة منظومة دينية ـ سياسية تصوغ العنف كعبادة قومية. ترى شبابًا يعبرون قرب كنيسة فيبصقون جماعيًا كأنها تمرين على الكراهية؛ ترى زوارًا وحجاجًا مسيحيين يُستقبلون بالازدراء والبصاق والاعتداء لمجرد كونهم "أغيارًا"؛ وترى مراهقين يهودًا غربي المدينة المحتلة يُجيبون عن سؤال "حل للعربي" بلغةٍ ترتقي إلى الإبادة والاستعباد: "نقتلهم جميعًا، ومن يبقَ نأسِره عبدًا". كيف لا وقد تشبعوا بفكرة أنهم المختارون، والآخرون مكرسون لخدمتهم، ولولاهم وتخصيص الوقت لدراسة التوراة لمات آلاف الأميركيين.
هذه المشاهد ليست انفعالات فردية، بل انعكاسات لخطاب أيديولوجي تربوي ـ ديني عميق الجذور، تمّ زرعه وتغذيته داخل الوعي الجمعي الإسرائيلي منذ عقود. خطاب يُعيد إنتاج الكراهية، ويصوغ التفوّق القومي كحقّ إلهي، ويستند إلى ثنائية "شعب الله المختار"، و"الآخر المدنس".
المأساة تُستكمل حين يُسوَّق للعالم أن كل شيء بدأ في "السابع من أكتوبر"، كأنما ما قبله كان زمنَ مودةٍ وتعايش. الصهيونية الدينية اليمينية ليست طارئة: جذورها متوغلة في نصوصٍ منتقاة من التراث تُستدعى لتبرير الاستيطان والتطهير باسم "الوعد الإلهي". شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" لم يكن مجرد شعار، بل خريطة عمل طبّقت الطرد والتهجير والمجازر، ومنحت القاتل غطاءً أخلاقيًا. في الناصرة، وغيرها من قرى الجليل والساحل والنقب، يعيش فلسطينيون مُبعدون قسرًا ببضعة كيلومترات عن بيوتهم، محرومون من حق العودة، فيما سكنها مستوطنون أُحضِروا من أطرافٍ أخرى، كأن الأرض لهم، والذاكرة وأصحابها الأصليون غير موجودين.




ليست هذه مجرد سلوكيات معزولة، بل بنية عقلية وأخلاقية صيغت منذ تأسيس "الدولة" لتحويل المقدّس إلى أداة قتل. ما نراه ليس انفلاتًا لمتطرفين هنا، أو هناك، بل إنتاج مؤسَّسي لتديّن يشرعن العنف، فيُصبح القتل طقسًا إيمانيًا والمجزرة واجبًا دينيًا. حين يخرج حاخام ليبارك تقتيل أطفال، أو يدعو إلى إبادة حيّ بأكمله، فإننا أمام تأسيس شرعية للإبادة، لا اجتهاد فقهي هامشي. وحين يتباهى الجنود "ببطولاتهم"، وينسبون أكوام الجثث إلى إنجازات، فهذا ليس فردية مرضية، بل منظومة أخلاقية مريضة تُخلط بين القتل والبطولة. ما يزيد الطين بلّة هو استدعاء نصوص توراتية وتلمودية مختارة لتغليف هذه الممارسات بغطاء ديني ـ نصوص تُدرّس أو تُسوّق ولا تُخفى، وتُترجم عمليًا إلى سياسات تُطبَّق في غزة والضفة والداخل الفلسطيني.
ومع الوقت، لم يقتصر الأمر على النصوص، بل امتد إلى الأدب والمناهج والإعلام. الأدب العبري، في تمثيله الغالب، رسم صورة مشوهة للعربي: بدويّ غبي، جاحظ العينين، شهواني بالفطرة، عنيفٌ بغير سبب. هذا الأدب لم يكن مجرد خيال أدبي، بل جزءٌ من آلة تشكيل الوعي الجماعي، وتغذية الاحتقار للآخر.
وفي المقابل، طُلب من الفلسطيني، الضحية، أن يُراجع مناهجه، وأن يُطهّر لغته من الغضب، وأن يبرّر غضبه للأمم الواهمة بعدالتها. سؤال العدالة هنا ليس تربويًا فقط، بل أخلاقي في الصميم: لماذا يُطالَب المقهور بتصفية ذاكرته، فيما لا يُسأل الجلاد عن فتواه وطلقة بندقيته؟
الرواية الفلسطينية لم تَحْتَكِرها صياغات مزينة ولا حاجات إلى تلميعٍ ذاتي؛ هي روايةُ أرضٍ وذاكرةٍ مُتقنة التجربة، تُروى بالجراح قبل الكلمات، وتُثبِت أن الصراع ليس نزاعَ خرائطٍ فحسب، بل صراعُ سرديّاتٍ يتصارع فيها المعنى على احتلال الوعي. في المقابل، عملت الصهيونية منذ نشأتها على تشكيل "الآخر" كمادةٍ للشيطنة ـ في العقل الغربي أولًا، ثم في مخيال المجتمع نفسه، فصُنعت صورة مُبهمةً للعدو تُبرر الإقصاء، وتشرعن العنف. وما نراه اليوم ليس تفلتًا عرضيًا، بل بلوغٌ ذروةٍ لغرضٍ مُمنهج: ارتفاع منسوب الهوس بلغةٍ تُعيد استدعاء أساطير الإبادة، حتى باتت مرجعيات خطابية تُطْلَق من أفواه سياسيين وصناع قرار، على غرار بنيامين نتنياهو ومن يحيطون به، تُعيد إطلاق تسمية "العماليق" على الفلسطينيين. إذًا، نحن لسنا مجرد شهود على مشهدٍ يمرّ؛ نحن شهودٌ على صناعةٍ متواصلةٍ من إقصاءٍ ومحاولة محوٍ لسرديةٍ كاملة.
الأخطر أن هذا التأسيس لا يبقى كلامًا سياسيًا، أو صراع روايات، بل يتحوّل إلى فتاوى دموية. حين يُفتي الحاخام بقتل المدنيين، ويُفسّر النصوص وفقًا لمعادلة التفوّق والاستعلائية، فنحن لا نكون أمام اجتهاد ديني، بل أمام صكّ شرعي لإبادة جماعية. يتحوّل النصّ إلى سلاح، والفتوى إلى طلقة، والربّ إلى غطاء أخلاقي لمحرقة جديدة.
في ظل هذا الانهيار الأخلاقي الكامل، تتساقط الأقنعة: "الجيش الأكثر أخلاقًا"، "الكيان المحاط بالأعداء"، "دولة القانون والديمقراطية الوحيدة"... تتهاوى كلها أمام مشهد أمٍّ تُخرج طفلها المحروق من تحت الردم. لم يعد ممكنًا تصدير المجازر بناء على كذبة "دفاع عن النفس"، في زمن تتوالى فيه الصور وتتكشّف الروايات.
المطلوب اليوم ليس شجبًا عابرًا، بل مساءلة جذرية: للنصوص التي تبرّر القتل، للمناهج التي تصنع التمييز وتبني نظام أبارتهايد متكاملًا، وللثقافة التي تشرعن التفوّق العرقيّ. لا كفاية بمحاكمة القتلة وحدهم؛ بل يجب مساءلة الثقافة التي أنجبتهم، والتي غرست في النفوس أن من خارج جماعتهم أدنى قيمة. القضية هنا ليست فلسطينية فحسب، بل أيضًا مسألة ضمير إنساني: كيف يقبل العالم أن تُستغل المقدسات لتبييض المجازر، وأن يتحوّل الإيمان إلى منصة للذبح؟ المواجهة لا تجرى فقط على الجبهات؛ بل في المدارس، والمناهج، والأدب، والمسرح، والإعلام، وفي صوغ الفتاوى. والقانون الدولي وحده لا يكفي ما لم يسبقه التزام ثقافي وحضاري عالمي بنزع القداسة عن دعاة الإبادة، ومساءلة المؤسسات التي تُنتج هذا التدين الفاشي
في نهاية المطاف، نحن لسنا أمام معركة مصطلحات، بل أمام معركة ضمير عالمي، حين يتحوّل الدين إلى ذريعة للقتل.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.