}

الفكر العربي المعاصر ودعم القضية الفلسطينية

عبد الرحيم العلام 18 نوفمبر 2025





قمتُ في مقالاتٍ سابقة، نشرتُها بملحق "ضفة ثالثة" في جريدة "العربي الجديد"، برصد بعض المواقف الإيجابية والمؤثرة لكتّاب/ أدباء كبار من العالمين العربي والغربي، الداعمة للقضية الفلسطينية، في تطوراتها التاريخية وتحولاتها المتعاقبة. فحصل أن وقعتُ في إغراء متابعة إبراز جوانب من سيرة تلقي هذه القضية الإنسانية الكونية ودعمها من لدن نخبنا العربية، مستشرفًا، هذه المرة، التفكير في سؤالٍ موازٍ، حول مدى إمكانية القول بتراجع الفكر العربي المعاصر عن دعم القضية الفلسطينية، بعد سلسلة المخاضات والتحولات التي عرفتها هذه القضية، على مدى فترات زمنية، خاصة وأن الفكر العربي عمومًا كان سبّاقًا إلى الوعي بهذه القضية الإنسانية الكبرى والتفكير فيها والاهتمام بها، إنتاجًا وفكرًا ونقدًا وتحليلًا...

وقد جرّني هذا السؤال إلى اعتماد قراءة أفقية في جوانب من التراكم الذي حققه الفكر العربي حول القضية الفلسطينية، على مدى مراحل زمنية مهمة، وتأمّل محطات فكرية عربية مركزية، من خلال بعض أسمائها المضيئة وأصواتها المؤثرة، بغاية تتبّع بعض مسارات الفكر العربي المعاصر على مستوى درجة اهتمام مفكرينا بالقضية الفلسطينية، ومدى حصول امتداد أو تراجع أو تباين في "درجة التفكير" لديهم في هذه القضية، عبر سلسلة تحولاتها ومستجداتها...

وبالعودة قليلًا إلى الوراء، سنجد أنه، منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، احتلّت القضية الفلسطينية مكانة مركزية في الوعي العربي، ليس فقط باعتبارها قضية سياسية، بل أيضًا اختبارًا للهوية، وللقدرة على مواجهة الاستعمار والكيان الصهيوني، ولإمكانية بناء مشروع نهضوي عربي جامع. ولذلك لم يكن غريبًا أن يتخذها المفكرون العرب، بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم الفكرية، قوميين ويساريين وإسلاميين وليبراليين، مرجعًا ثابتًا لهم في كتاباتهم وتنظيراتهم حول الهوية والنهضة والحرية والعدالة والوحدة... لقد كانت فلسطين وقتئذ تُرى باعتبارها جرحًا مفتوحًا، لا يمكن للعقل العربي أن يتجاهله، وهو يصوغ رؤيته لمستقبل المنطقة.

لكن هذا الوهج التأسيسي الأول سرعان ما عرف تحولات متواترة؛ فبعد نكسة 1967، ثم حرب 1973، وانعطافة كامب ديفيد 1978، أخذت نظرة مفكرينا العرب تتبدل جزئيًا تجاه القضية الفلسطينية. فبعض الأصوات الفكرية المكرّسة، رغم اختلاف مرجعياتها السياسية ومنطلقاتها الفكرية، حافظت على دعم صريح وثابت لهذه القضية؛ نذكر على سبيل المثال عزمي بشارة، وقسطنطين زريق، وإدوارد سعيد، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وصادق جلال العظم، وحسن حنفي، وغيرهم؛ هؤلاء الذين أبقوا فلسطين في قلب تفكيرهم ومشاريعهم، فظلّ بعضهم، وإلى اليوم، من أبرز الأصوات الفكرية المدافعة عن القضية الفلسطينية في المحافل الأكاديمية العربية والأجنبية، مؤكدين على مركزية فلسطين في مشاريعهم الفكرية.

وفي المرحلة التي تلتها (ما بعد 1982: غزو بيروت وخروج المقاومة)، بدأت بعض علامات الإرهاق والتشكيك تظهر في الأفق، حيث شعر ربما بعض المفكرين العرب أن المشروع التحرري الفلسطيني قد خسر بعض مرتكزاته في المحيط العربي. ومع توقيع اتفاقية كامب ديفيد، ثم أوسلو لاحقًا، اتجه بعض المفكرين إلى نقد التجربة الفلسطينية نفسها بدل الاكتفاء بدعمها غير المشروط، لكن هذا النقد بقي في إطار ما يسميه أحد مفكرينا بـ"المساءلة من داخل الالتزام"، رغم أن بعضهم قد مارسوا لاحقًا نقدًا لاذعًا للخطاب الفلسطيني والعربي، فيما أعاد آخرون التفكير في طرق النضال وأولوياته، مع بقائهم ملتزمين مبدئيًا بفلسطين وبقضيتها المشروعة، في وقت بدأت فيه الممارسات العربية الرسمية تنزاح باتجاه التسويات الجزئية والتطبيع، ما انعكس سلبًا على خطابات بعض المثقفين الذين فضّلوا الانسحاب أو، على الأقل، التخفيف من حدّة موقفهم.

وفي مرحلة ما بعد تسعينيات القرن الماضي، أي مع انفتاح بعض الأنظمة العربية على التطبيع، وجد بعض المفكرين أنفسهم أمام حرج: إما أن يلتزموا بخطاب السلطة (الميل إلى التطبيع أو الصمت)، وإما أن يحتفظوا بموقف مبدئي داعم لفلسطين؛ فيما واصل بعضهم الدعم الفكري والنقدي للقضية في مراحل جدّ حساسة، من أمثال عزمي بشارة، وصادق جلال العظم، وعبد الكبير الخطيبي، وكمال عبد اللطيف، وآثر آخرون السكوت أو الانشغال بقضايا أخرى، مثل الديمقراطية، والعولمة، وحقوق الإنسان، والانتقال السياسي، والعدالة الاجتماعية، والطائفية، والإرهاب، والتدخلات الأجنبية في شؤون بلدانهم وبلدان عربية أخرى، معتبرين أن النضال الفلسطيني لم يعد يحتكر معنى التحرر العربي.

ثم جاءت أحداث "الربيع العربي" لتضع المفكرين العرب أمام أولويات جديدة: الثورة، والديمقراطية، والدولة المدنية، والحرية، ومقاومة الاستبداد. وقد خلقت هذه اللحظة التاريخية انزياحًا في سلّم القضايا، فتراجع الحضور اليومي لفلسطين لصالح قضايا الداخل، وإن لم يكن تراجعًا جذريًا بقدر ما كان تراجعًا في الأولويات. ورغم ذلك، فقد بقيت فلسطين أخلاقيًا ورمزيًا حاضرة ومتوهجة وراسخة في الوجدان، باعتبارها رمزًا لا يكتمل وعي التحرر العربي من دونه. غير أن الانقسام الفلسطيني الداخلي وتنامي موجات التطبيع قد عزّزا نسبيًا من مشاعر الإحباط لدى بعض المثقفين، ممن اختاروا الانشغال بأزمات بلدانهم المحلية بدلًا من مواصلة الكتابة عن فلسطين والتفكير في قضية العرب المركزية...

وفي السنوات الأخيرة، ومع تزايد الهجمات المتكررة على غزة، استعاد كثير من المفكرين العرب خطاب التضامن، وعبّر بعضهم عن مواقف صريحة ضد التطبيع، حيث بدت غزة اليوم بمثابة مختبر تحليلي للفكر العربي، لاختبار صدق المواقف وعمق الالتزام، رغم التحولات السياسية والصراعات الداخلية. لكن بدا رغم ذلك كله أن القضية الفلسطينية لم تمت في الفكر العربي، بل تغيّر موقعها فقط، إذ ما تزال المعيار الأخلاقي الأوضح الذي يُقاس به صدق المثقف العربي والتزامه بعدالة القضية، ورمزًا قيميًا ومقياسًا أخلاقيًا عند المفكرين العرب، حتى حين تتأخر في جدول أولوياتهم الفكرية والسياسية.

يصرّ عزمي بشارة على أن القضية الفلسطينية لا يمكن فصلها عن أزمة النظام العربي، وأن تحرير الإرادة العربية شرط لتحرير فلسطين 


بموازاة ذلك، ظهر جيل من الباحثين والأكاديميين العرب، داخل الوطن العربي وخارجه، ممن تناولت كتاباتهم القضية الفلسطينية برؤى وأدوات معرفية جديدة، بشكل يؤكد استمرار حضور القضية الفلسطينية في التفكير العربي الراهن، وإن بطرائق وتصورات مختلفة؛ حيث ما فتئت علاقة المفكرين العرب المعاصرين بالقضية الفلسطينية تزداد اتساعًا وإنتاجًا وتشعبًا. وضمن هؤلاء يوجد بعض المفكرين المغاربة المعاصرين، في انتمائهم إلى تيارات فكرية وسياسية مختلفة، فضلًا عن ثُلّة أخرى من المبدعين ونقاد الأدب، ممن تكوّنت لديهم علاقة وطيدة بالقضية، فظلوا في صلب الاهتمام بفلسطين، إنسانًا وإبداعًا ونقدًا وفكرًا، عدا أن المغرب عرف دائمًا بموقفه الشعبي والثقافي الذي ظلّ شديد الارتباط بها وبقضيتها. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى بعض ملامح هذه العلاقة من خلال بعض المفكرين الذين ظلّوا أكثر التصاقًا بفلسطين في أدبياتهم الفكرية؛ فهذا عبد الله العروي يعتبر أن فلسطين ليست فقط قضية تحرير وطن، بل هي تجلٍّ لأزمة النهضة العربية برمتها، إذ أن مأزق فلسطين، في نظره، مرتبط بفشل العرب في تأسيس مشروع عقلاني– ديمقراطي. فيما ظل محمد عابد الجابري يربط فلسطين بإشكالية العقل العربي والنهضة، واعتبرها مرآة لانكسارات المشروع القومي، فكان يرى أن لا نهضة للعرب من دون حلّ عادل للقضية الفلسطينية. أما طه عبد الرحمن، فركز في موقفه على البعد الأخلاقي والمعنوي، فاعتبر أن القضية الفلسطينية ليست سياسية فقط، بل هي امتحان للقيم الإسلامية والإنسانية...

وعمومًا، فبعد فترة التسعينيات، بدأ بعض المفكرين المغاربة يتحدثون عن "أولويات الداخل" (الديمقراطية)، وإن لم تغب فلسطين عن كتاباتهم، كما هي الحال لدى بعض الأسماء الأكاديمية التي أولت القضية الفلسطينية موقعًا مهمًا في تحليلاتها، في إطار دفاعها العلني عن فلسطين ومناهضة التطبيع، مؤكدة أن فلسطين ما تزال تشكل جزءًا من الوعي الجمعي المغربي، وأنها معيار للكرامة والالتزام. بحيث يظهر جليًا أن المفكرين المغاربة بدورهم لم يتراجعوا عن دعم فلسطين من حيث المبدأ، بل أعادوا صياغة خطاباتهم تبعًا لتغير السياقات؛ بين عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري اللذين رَبَطا فلسطين بمشروع النهضة، وطه عبد الرحمن الذي أضفى عليها بُعدًا أخلاقيًا، وكمال عبد اللطيف الذي يواصل قراءة فلسطين في إطار الفكر السياسي العربي الحديث، وقدم مقاربات نقدية وأخلاقية لتحليل التطورات الأخيرة في غزة، وتوثيق الانتهاكات وإعادة قراءة مسار المقاومة الفلسطينية، وعبد الإله بلقزيز وعبد الصمد بلكبير، اللذين جعلا فلسطين جزءًا من تحليلاتهم للهوية والسياسة، وغيرهم من المفكرين المكرّسين والجدد...

وفي هذا الإطار، يحضرنا اسم المفكر العربي عزمي بشارة، الذي يعد من أبرز المفكرين العرب الذين منحوا القضية الفلسطينية، في كتاباته وتحاليله، إطارًا فكريًا وسياسيًا حديثًا ومتماسكًا، يجمع بين التحليل الفلسفي والنقد الواقعي للممارسات السياسية، من حيث اعتباره المشروع الصهيوني مشروعًا استيطانيًا كولونياليًا يتجاوز الاحتلال العسكري إلى تفكيك البنية المجتمعية والثقافية للشعب الفلسطيني، فضلًا عن اعتباره القضية الفلسطينية قضية حرية وعدالة، لا مجرد نزاع قومي، منتقدًا، في الوقت نفسه، الخطاب العربي الرسمي الذي حوّل القضية إلى شعار فارغ أو ورقة ضغط سياسية، عدا موقفه من الانقسام الفلسطيني الداخلي، وقراءته النقدية لاتفاقيات أوسلو، وتحاليله للأحداث الأخيرة في غزة، هذه التي أصبحت، في نظره، عنوانًا للكرامة العربية والإنسانية.

من هنا، فعلاقة عزمي بشارة بالقضية الفلسطينية تعد واحدة من أكثر التجارب الفكرية والنضالية والسياسية العربية تشابكًا وتماسًا مع جوهر الصراع ومآلاته. فهذا المفكر العربي، الذي جمع بين التنظير الفلسفي والعمل السياسي والممارسة النقدية، لم يتعامل مع فلسطين بوصفها رمزًا أو شعارًا، بل حقلًا معقدًا تتقاطع فيه أسئلة الهوية والديمقراطية والاستعمار الاستيطاني وحقوق الإنسان وتناقضات الواقع العربي.

فمنذ بداياته الفكرية، أدرك عزمي بشارة أن القضية الفلسطينية ليست صراعًا حدوديًا، بل مشروعًا استعماريًا يهدف إلى إلغاء شعب وطمس ذاكرة. لذلك سعى إلى تفكيك البنية الأيديولوجية للصهيونية، مبرزًا علاقتها بالتحديث الأوروبي ونشوء القومية الحديثة. وهو بذلك يقدم رؤية تنسف التبسيط، حيث إن الصهيونية، في نظره، ليست مجرد "عدوان" بل منظومة استعمارية أعادت تشكيل الأرض والإنسان.

أسهم بشارة إسهامًا نوعيًا في نقد طبيعة "الدولة اليهودية"، وفي طرح مفهوم "دولة لجميع مواطنيها" الذي صار مرجعًا لكثير من الأدبيات الحقوقية، طرحٌ تجاوز ثنائية "حل الدولتين" و"الدولة الديمقراطية الواحدة"، بوصفه نقدًا بنيويًا لطبيعة الدولة الاستيطانية نفسها.

هكذا، يصرّ عزمي بشارة على أن القضية الفلسطينية لا يمكن فصلها عن أزمة النظام العربي، وأن تحرير الإرادة العربية شرط لتحرير فلسطين. لذلك نجده يربط بين الديمقراطية وحق تقرير المصير، ويؤكد أن الاستبداد العربي كان دائمًا أحد أعمدة دعم المشروع الصهيوني، من حيث يدري أو لا يدري.

لقد لعب عزمي بشارة دورًا محوريًا في إعادة فلسطين إلى جدول أعمال البحث والتفكير العربي، سواء عبر الإنتاج المعرفي عن الصهيونية والاستعمار الاستيطاني، أو وهو يواصل الدفاع عن السردية الفلسطينية في المحافل الدولية، ما جعل أفكاره اليوم تشكل أحد أهم المراجع في فهم الواقع الفلسطيني...

من ثَم، فإن علاقة بشارة بفلسطين تبقى علاقة وجود وفكر، تجمع بين التجربة الشخصية والتحليل النظري والالتزام الأخلاقي. فهو ليس منظّرًا للقضية فقط، بل أحد أبرز من منحها لغة جديدة في زمن الانهيارات، بشكل ظل معه بشارة وفيًا لفلسطين ولروحها وقضيتها، على مدى تنامي مشروعه الفكري وحضوره النوعي في المحافل العربية والدولية. هو الذي لم يتوانَ قط عن رفع راية فلسطين والنهوض بمشروعه الفكري حول قضيتها التاريخية في المحافل الدولية؛ حيث نجده، في آخر حضور ومساهمة فكرية له بالعاصمة الفرنسية باريس، يلقي كلمة افتتاحية في المؤتمر المشترك للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وكرسي التاريخ في "الكوليج دو فرانس"، يوم الخميس 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، يتناول فيها موضوع "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميكيات المعاصرة"، مؤكدًا أن فهم علاقة فلسطين بأوروبا يمر عبر تاريخ طويل من التفاعل الديني والسياسي والاستعماري. ففلسطين، في نظره، لم تكن يومًا خارج الاهتمام الأوروبي؛ إذ شكلت جزءًا من رؤية الغرب للشرق منذ القرن التاسع عشر. ليخلص، في كلمته، إلى أن أوروبا نقلت عقدتها تجاه اليهود إلى الشرق، وحوّلت المسألة اليهودية إلى مسألة فلسطينية، بينما يتحمل الأوروبيون اليوم مسؤولية أخلاقية وسياسية في استمرار الظلم بامتيازاتهم غير المشروطة لإسرائيل. وغيرها من المحاور الكبرى المتجددة التي تناولها عزمي بشارة في مداخلته المضيئة، من قبيل اعتباره المسألة اليهودية مسألة أوروبية خالصة، ورفضه الادعاء بأن الفلسطينيين عارضوا الصهيونية لأنها "يهودية"، فيما كان رفضهم رفضًا وطنيًا للاستيطان وانتزاع الأرض. وفي قراءته للحظة الراهنة، يرى بشارة أن حرب غزة الأخيرة كشفت ذروة هذا المسار؛ إذ تجاوز ردّ إسرائيل حدود "الدفاع عن النفس" إلى عقاب جماعي وإبادة تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية واستعمارية، فيما ظل النقاش الأوروبي منحصِرًا في المصطلحات بدل مواجهة الواقع الإنساني والسياسي...

على هذا النحو، إذًا، قدم عزمي بشارة، كعادته، كلمة تجمع بين العمق الفكري ووضوح الموقف، مؤطِّرًا القضايا العربية في سياقها التاريخي والسياسي بحسّ نقدي رصين، فظل بذلك أمينًا لفكرة الأمل الممكن حين يستند إلى إدراك معرفي ومسؤولية أخلاقية. وهو ما يظهر أن كلمة بشارة ليست منفصلة عن فكره، بقدر ما تمثل صيغة مكثفة لخطه الفكري العام، بما هي تجسيد مختصر لمشروعه الفكري العميق، في امتداده وتواصله...

انطلاقًا ممّا سبق، يظهر أن المفكرين العرب، بشكل عام، لم يعلنوا عن تخليهم أو تراجعهم كليًا عن دعم القضية الفلسطينية من حيث المبدأ، وإنما انتقلوا من خطاب تعبوي ومتحمس وملتزم إلى مواقف نقدية أو مترددة أو صامتة أحيانًا، تبعًا للسياقات السياسية والفكرية المؤطرة لتفكيرهم والموجهة له. لكن فلسطين، رغم كل ذلك، بقيت مرآة للضمير العربي، مهما تغيرت أشكال الحضور أو تراجعت الأولوية في جدول اهتماماتهم الفكرية. وهو ما يظهر أن المسألة، في العمق وفي نهاية الأمر، لا تتعلق بـ"تراجع" مطلق، بقدر ما هو تغير في طبيعة الدعم وأدواته، وتعدّد في المواقف، تبعًا لتغير الظروف التاريخية والسياسية والفكرية، وتحولات الوعي، وضغط الواقع السياسي، وتفكك المشروع القومي؛ فيما ظلت فلسطين وستظل حاضرة بقوة في الخطاب النقدي والإنساني العربي، باعتبارها الاختبار الأخلاقي والمعرفي الذي يصعب على أي مفكر عربي أن يتجاوزه...

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.