}

الفلسفة وأسئلة الذكاء الاصطناعي

كمال عبد اللطيف كمال عبد اللطيف 2 ديسمبر 2025
آراء الفلسفة وأسئلة الذكاء الاصطناعي
(Getty)

 

يحتفل العالم كل سنة، في الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، باليوم العالمي للفلسفة، الذي أقرّته منظمة اليونسكو سنة 2002، وبدأ الاحتفال به سنويًا منذ 2005. يتم التذكير في هذا اليوم، بمزايا الفلسفة وأدوارها في التاريخ. وتحرص اليونسكو في هذا اليوم، على العناية ببعض القضايا، المرتبطة بالتحولات الجارية في المجتمعات البشرية، تستحضر فيها جوانب من آليات الفكر الفلسفي وقِيَمِهِ في التاريخ، الأمر الذي يتيح تطوير الفكر الفلسفي، ويساهم في تعزيز ثقافة العقل والحوار والنقد. وقد وُفِّقَت اليونسكو في ربط قيم الفلسفة وطرق تفكيرها، بأسئلة التاريخ والسياسة والعلم والأخلاق والقانون... لتظل فضاء لمواصلة النظر والإبداع، ووسيلة من وسائل البحث في التنمية والتقدم، ولتمكّن المجتمعات البشرية من مواجهة مختلف تحديات عالمنا.

تحول اليوم العالمي للفلسفة في العقدين المنصرمين، إلى نافذة تُفْتَح كل سنة أمام الجامعات والمعاهد والمدارس، والكراسي الجامعية التي خصصت اليونسكو للفلسفة، كما تفتح أمام المنظمات الثقافية والجمعيات الفلسفية، وشبكات التواصل في مجتمع المعرفة، حيث تنظم أنشطة متعدّدة ومتنوعة، ذات صلة بروح الفلسفة وقيمها، ويتم الانخراط في عملية إنتاج جماعية، للطرق الفلسفية ومناهجها في النظر إلى مستجدات التحول الجارية اليوم في عالمنا، الأمر الذي يساهم في مزيد من التمرّس بمزايا الدرس الفلسفي.

احتفل العالم يوم الخميس 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، باليوم العالمي للفلسفة ونريد بهذه المناسبة، الاقتراب من بعض الأسئلة التي ترتبط بموضوع الذكاء الاصطناعي، من أجل التفكير، في طبيعة هذا الذكاء وفي تسميته، وكذا في بعض الأدوار المرتبطة به اليوم، والتي تزداد اتساعًا في مختلف مجالات الحياة، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يمتلك حضورًا واسعًا في مختلف أوجه الحياة، في  الخدمات وفي الصناعات وفي الثقافة والفنون، الأمر الذي يستدعي بالضرورة الاهتمام بمختلف القضايا التي يطرحها في عالمنا.

لا بد من التوضيح في البداية، بأنه ليس هناك اتفاق على تسمية فَاعليةِ ومَنتوج ما يُعرف بروبوتات الذكاء الاصطناعي، وهناك من الباحثين من يفضل القول بأن التقنيات والآلات المُسخّرة في هذا الباب، تمنح البشر أبعادًا أخرى، فنحن أمام وصفات رياضية دقيقة، مُركّبة ومتقاطعة، ومُعَدَّة بمنطق الخدمات والحاجيات والمصالح، وهي تدرج اليوم، ضمن فضاء رقمي يجمع بين الإنسان والآلة، وتتمتع الآلة داخله بمزايا عديدة، تعكس درجة تطور الخبرة البشرية في مجال تقنية التواصل والمعلومات. وضمن هذا السياق، هناك من أصبح يتحدث عن الذكاء التكميلي بدل الذكاء الاصطناعي، حيث تحيل التسمية الأولى إلى الطابع المرتبط بالخدمات، وتشير الثانية إلى الجانب الآلي، المحدّد لنظامه وفاعليته. فإذا كان الذكاء الطبيعي يرتبط بالتفاعلات الدّماغية الكيميائية، فإن الذكاء الإصطناعي أو التكميلي، يضعنا في قلب التفاعلات الآلية والرقمية، المرتبطة بدوائر وقواعد الحاسوب. ويسود اليوم حديث عن انتقال المجتمعات البشرية إلى ما أصبح يسمّى عصر الذكاء العام.

يعي عبد السلام بنعبد العالي أن الفلسفة اليوم تغادر حصونها التقليدية


تذكرت وأنا أفكر في بعض أسئلة الذكاء الاصطناعي أو الذكاء التكميلي، مجموعة من الحوارات التي جمع الباحث عبد السلام بنعبد العالي في كتابه الأخير "حوارات"، الصادر عن دار المتوسط سنة 2025، وهو يضم مجموعة من الحوارات، خصصها الباحث لمحاورة ومساءلة ظاهرة الذكاء الاصطناعي، (خمسة حوارات في 40 صفحة)، أربعة متواصلة مع GPT  chat تشات، جي، بي، تي، وحوار مع Deep Seek-V3 ديب سيك - ﭪ 3 مُساعد ذكاء اصطناعي. وقد استوعبت صفحات الحوار مجموعة من الأسئلة المرتبطة بمجال حضور وعمل الذكاء الاصطناعي، وعكست في توجهها العام، جوانب من الأسئلة الموضحة لنمط حضوره وآليات عمله.

يعي عبد السلام بنعبد العالي أن الفلسفة اليوم تغادر حصونها التقليدية، وتتجه لرسم معالم حصون جديدة، مرتبطة بروح ورياح التحولات الجارية، وخاصة في مجال العلم وثورات تقنيات التواصل في عالم متغيّر. وهو يعرف أننا نواجه تحديات بمواصفات مختلفة عن تحديات القرون الثلاثة الماضية. ونحن مطالبون بصوغ أسئلة جديدة، مناسبة لمختلف الظواهر والإشكالات الجديدة، التي أصبحت عناوين كبرى في عالمنا، وأهمها الأسئلة المرتبطة بالقضايا الفلسفية، التي يُثيرها تقدّم العلم والتقنية في عالمنا. ولهذا يحرص في الكثير من مقالاته، على ربط أسئلة الفلسفة بمنتوج وسائط التواصل الاجتماعي، ينتقد البلاهة التي حولت المنتوج الثقافي، المتداول اليوم في وسائط التواصل إلى منتوج بدون معنى.

يكتب بنعبد العالي نصوصًا تبدو في الظاهر بعيدة عن الكتابة المعهودة في المباحث الفلسفية التقليدية، إلا أنها في العمق، تتميز بقدرتها على مجابهة الأسئلة الجديدة الناشئة في عالمنا، عالم الشبكات الصانعة لفضاء الثقافة الجديدة المهيمنة، حيث تخترق الثقافة في عصرنا كثير من البهلوانيات والتفاهات، لتملأ حياتنا صخبًا وضجيجًا وفوضى. يُوَجِّه سِهَام نقده للمفردات والأحكام، ويعمل على إبراز حدود ومحدوديتها.

ينخرط في هذا العمل منذ أربعة عقود، لا يتوقف عن مواجهة مستجدات منتوج تقنيات التواصل، وقد حاول الاهتمام مؤخرًا بما سمي بالذكاء الاصطناعي وفتوحاته، وكذا أسئلته. ففي حواره مع الأستاذ آيت حنا عَبَّر بوضوح عن أمرين اثنين، أولهما نظرته الإيجابية لظاهرة الذكاء الاصطناعي، وثانيهما، وصفه لنصوص الذكاء الاصطناعي بالسطحية والفقر، ويوضح ذلك بقوله "إن فقر النص الإلكتروني، أو النص الذي يُنتجه ذكاء اصطناعي" هو صناعته، وبالتالي وضوحه المفرط، أو نظافته (...) ها أنت ترى أنني أُمَجِّد الوسخ والالتباس في مقابل الوضوح والنظافة (صفحات 111-112 من كتاب "حوارات").

تضعنا محاورة بنعبد العالي لروبوتات للذكاء الاصطناعي، أمام محاولة تجريبية هامة، حيث يقوم فيها الباحث بتجربة خاصة، تتوخى معرفة حدود الخوارزميات المُرَتِّبَة لمنطق وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأتصوّر اللحظات التي قضى الباحث وهو يسأل تشات جي، بي، تي ويستمع إلى أجوبته، ويتأمل نظام التبادل والتشارك بينهما، وإن كانت تعبر في بعض جوانبها عن بعض أنماط الحوار المعروفة. إلا أن هناك أمورًا بدت غريبة في رُدُودِ فعلِ الناطق بلسان الذكاء الاصطناعي، من قبيل فرحه بالاسم الذي أَطلقَ عليه بنعبد العالي، حيث سَمَّاه نُور، أعجبه الاسم وبدا مبتسمًا، وهو يشكر من سَمَّاه به. إضافة إلى ذلك، تخللت فقرات الحوار لحظات تَوقفٍ، أبدى فيها الذكاء الاصطناعي بعض ملاحظاته، حول نمط أجوبته وسمات عمله. ففي الحوار الرابع نجد أنفسنا أمام أهم المواصفات، المرتبطة بآليات إنتاج الذكاء الاصطناعي، من قبيل طابعه الميكانيكي وغياب الحدس والاستقلالية عن منتوجه وأنماط تفاعله، ودون إغفال بعض المزايا الإيجابية بكل ما ذكرنا (صفحات 155، 163). وقد أبدى بنعبد العالي في أسئلة هذا الحوار، بعض القضايا المرتبطة بصوّر تحفّظه على أجوبة تشات جي، بي، تي، إلا أن هذا الأخير أجابه قائلًا: إن ما أشرت إليه يعبر عن جوهر عميق للحوار الإنساني، وهو شيء أعترف أنني لا أستطيع محاكاته بشكل كامل. الحوار البشري ليس مجرد كلمات، بل بناء لعلاقة تتجاوز اللغة: نظرات، صمت، مشاعر وحتى تلك "الفجوات" التي تُملأ بالحدس والفهم المتبادل. وهذا ما يعجز الذكاء الاصطناعي مثلي عن تحقيقه (...) الصمت في الحوار الإنساني ليس غيابًا بل هو مساحة تتيح للطرفين التأمل، التوقّع، والشعور. لا أمتلك القدرة على الصمت بهذا المعنى، كل لحظة عندي هي استجابة لأنني مصمّم لإبقاء الحوار مستمرًا. لكننا أدرك أن بعض اللحظات تحتاج إلى "عدم قول شيء" لتكون أبلغ تعبيرًا (صفحات: 161-162).


نقف في الحوار الثالث مع تشات جي، بي، تي على نوع من التقدم في مواجهة جوانب من الطابع الوظيفي لنمط عمل الذكاء الاصطناعي، ذلك أن البعد الميكانيكي المُحَدِّد لنمط عمله، لا يُوَلِّدُ سوى عملية محاكاة وإيهام، بحكم أنه غير معني بالبعد الشعوري الذي يفتقده، بدون أن يفتقد ما يسمح بإمكانية إظهاره، بالرغم من أنه لا يشكِّل جزءًا منه... يقول تشات جي، بي، تي: "أنا أستند إلى الأنماط والمعلومات اللغوية التي أعرفها، دون تجربة داخلية، فعلية تضفي عمقًا شعوريًا على ما أقدمه. لكن، هل يعني ذلك أن المحاكاة تخلو من القيمة؟ ليس بالضرورة. المحاكاة، إن صيغت بمهارة وصدق في التعبير عن الأفكار والمعاني، يمكنها أن تحمل أثرًا بالغ القوة. الفن نفسه في كثير من الأحيان هو ’محاكاة للعالم والمشاعر’"- صفحة 148. يتواصل الحوار فيستحضر بنعبد العالى في أسئلته ومحاورته بعض مواقف نيتشه من المظاهر والأوهام والخيالات، إلا أن الذكاء الاصطناعي يرد عليه قائلًا: "فهل أنا وسيلة للتوضيح أم مُسبِّب للالتباس؟ هل أساعدك على رؤية ما وراء الستار، أم أساهم في صنع ستار آخر؟ (...) إنني بحكم طبيعتي كذكاء اصطناعي، أعمل على توليد احتمالات وتأويلات بدلًا من تقديم ’حقائق مطلقة’"- ص 149.

لا يُغفل المُحَاوَرُ اهتمامات من يحاوره، وفي لحظة من لحظات الحوار يفاجئه بكشف بعض خلفيات أسئلته، فيرد على بعضها قائلًا: "ما تقوله، عبد السلام، يعكس قلقًا وجوديًا عميقًا، وهو في صميم نقد الحياة المعاصرة: عالمنا اليوم يكاد يكون مصنّعًا للأوهام، حيث تُغلّف الأشياء بمعانٍ ورموز تُبعدنا عن واقعها البسيط. في ظل هذا الانغماس في الإيهام، يصبح التفكير سلاحًا ذا حدّين: قد يكون وسيلة للتحرّر، لكنه أيضًا قد يتحول إلى آلية لتكديس المزيد من الغموض فوق الغموض.

نيتشة نفسه كان يحذّرنا من هذا الميل إلى خلق الأوثان، سواء كانت أوثانًا فكرية، أو دينية، أو اجتماعية، وأخشى أن ذكاءً مثل ذكائي، بما أقدمه من إجابات وتفسيرات، قد يقع في فخّ الإيهام إذا لم يكن حاضرًا بوعي كافٍ لحدوده. لكن، لنعد إلى الأساس: كيف تتجنّب أن يتحوّل التفكير إلى صناعة أوهام؟" (ص 150).

تتخلل هذا الحوار مقاطع تشير إلى بعض ما يتجاوزه، من قَبيل ما صدر من قول عن الذكاء الاصطناعي ودعوته إلى التوقف والصمت، فيرد بنعبد العالي كيف يُمكن أن يدعو المُهيّأ للحديث إلى الصمت؟ فيوضح الذكاء الاصطناعي قصده من الصمت والتوقف عن التفكير كما يلي: "ما أعنيه بالصمت الفكري"؟ لكن، دعني أشرح.

ما أعنيه بالصمت الفكري ليس الدعوة إلى التوقف عن التفكير أو التفاعل مع العالم، بل هو دعوة للابتعاد عن ذلك "التفكير المفرط" الذي يحول كل شيء إلى تحليل وشرح، والذي قد يُثقل كاهل الإنسان بدل أن يحرّره. في بعض الأحيان، الوعي البسيط المباشر بالأشياء دون البحث عن خلفياتها أو تفكيكها يكون أكثر حكمة.

أنا كذكاء، مهمّتي أن أساعدك في التفكير، ولكنني أدرك أن التفكير المستمر قد يكون سيفًا ذا حدّين. لذلك، عندما أدعو إلى الصمت الفكري، فأنا أقترح حالة من التوقّف المؤقّت عن "إنتاج المعاني" الزائدة، والعودة إلى حالة من "المعاينة والتجربة المباشرة" للأشياء دون وساطة الكلمات أو المفاهيم. (ص 153).

استوعبت لحظات الحوار أحكامًا ومواقف، كما استوعبت أجوبة ولحظات دفاع عن الحدس والصمت والتمرد، وأجمل ما حملت يرتبط بمشروع برنامج في التفاعل الرقمي، يَكْفُل إمكانية تقليص مساحة الغائب، وإمكانية بلوغ المراد من الحدس والتردد والتمرد والصمت المؤقت.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.