لم تكن جملة رينيه ماغريت الشهيرة "هذا ليس غليونًا" التي وضعها تحت صورة غليون، مجرد مفارقة بصرية؛ كانت إعلانًا مبكرًا عن نهاية علاقة الصورة بأصلها. ما كان في منتصف القرن العشرين مغامرة فلسفية أصبح في القرن الحادي والعشرين واقعًا حياتيًا: الصورة لم تعد ظلًّا، ولا استعارة، بل أصبحت هي الأصل، ومرجع الرغبة، ومفتاح الفهم الوحيد الممكن.
كذلك فإن الصيف الذي كان يكتبه تولستوي بحشراته وروائحه وتفاصيله العضوية، بات اليوم مستحيلًا في عصر كاليفورنيا — حيث الضوء مصقول مثل واجهة متجر، والأجساد محكومة بقوانين اللياقة، والهواء نظيف إلى درجة تشبه التجريد. هذا الصيف (الكاليفورني) ليس فصلًا طبيعيًا، بل صورة صيف، نسخة محمّلة بمعايير الجمال والإيقاع السعيد، نسخة تُصدَّر إلى العالم لتعيد تعريف ما يسمى "الحياة الطبيعية".
صورة بلا خطر… وحياة بلا تماس
مع الفيضان البصري في العقود الأخيرة، صار التآلف مع كائنات كانت تثير الرعب تاريخيًا ممكنًا: الأفاعي، الجرذان، العناكب. في الوثائقيات اليوم تصبح هذه الكائنات "لطيفة" و"مظلومة"، لا لأن البشر تغيروا، بل لأن هذه الكائنات تُقدَّم في مساحة آمنة — شاشة، إطار، منصة مُتحكَّم بها — حيث الصورة تُحيّد الخطر وتحوّله إلى معرفة أو متعة. هكذا يكفّ الخوف عن أن يكون خوفًا، والرعب عن أن يكون رعبًا، وتبقى الصورة وسيطًا يحجب كل ما يمكن أن يخدش التماسك النفسي أو يهدّد الجسد البشري.
هذا الانضباط البصري يتجسد في المدن أكثر من أيّ مكان آخر: مدن مصقولة، محميّة، مُفلترة من البربرية. مدن تُقدّم نفسها وصورتها كمحميات إنسانية، وتطرد من أرجائها كل ما هو غير قابل للتوقع — الحيوان، الغريب، الجسد غير المنضبط.
الجسد كآلة مؤدّية: من اللياقة إلى الخضوع
حين تحدّث جان ميشال فور وإيليان بيرين في التسعينيات عن الرياضة الخفيفة كطقس طبقي يخصّ فئات لا تبذل جهدًا عضليًا في عملها، كان هذا توصيفًا مبكرًا لظهور الجسد الموظف اجتماعيًا. اليوم يمكن القول إن هذا المسار قد اكتمل تمامًا: لم يعد الجسد حاجة بيولوجية، بل أصبح واجهة أداء. واجهة تطلب أن يتمتع بالقوة من دون أن تنتج هذه القوة عنفًا، وأن يتمتع بالجمال بشرط ألا يتعرض للمسّ أو إقامة أي تماس مع الآخر، وأن يتمتع بالحضور من دون أن يشكّل هذا الحضور ثقلًا على الآخر الذي أصبح مُشاهدًا.
الجسد الفائض الذي تحدث عنه دافيد لو بروتون أصبح اليوم جسد إنستاغرام: جلد بلا عرق، حركة بلا مقاومة، وجه بلا توتر. ومع هذا التطور أصبحت البشرة خاضعة لمعايير قريبة من معايير الصناعة: مقاومة، مرونة، جودة سطح، تحديث مستمر. هذا جسد لا يحتاج إلى العالم، كل ما يحتاجه هو الكاميرا.
طمأنينة المُتعرّي كحصن جديد
عندما تخلع ممثلة ثيابها اليوم أمام الكاميرا ويشاهد ملايين البشر حول العالم لحمها العاري واليقظ، فإن ذلك لا يدعوها إلى الخوف أو الريبة. فالجسد العاري المعروض من دون حشمة هو جسد مطمئن، بعيد المنال، مُحصَّن بألف حصن ودرع. لم يعد العري فضيحة، بل صار علامة على الحرية والاتساع، على قدرة الجسد أن يوسّع فضاءه الخاص بدل أن يضيّقه. هذا العري، الذي يمتاز بأنه ليس عريًا مباحًا، هو عري المدن والشاشات، عري محمي بالمسافة. عري يضاعف الطمأنينة لأنه لا يعرّض الجسد للتماس المباشر، بل يضعه في فضاء مُفلتر، حيث البرد والجوع والتعب لم تعد أعراضًا تصيب الجسد العاري، بل تُستبدل بترهّل الصورة وشيخوخة النسخة. في زمن إنستاغرام والبث المباشر، العري لم يعد كشفًا، بل حصنًا جديدًا: حصن الصورة التي تحمي الجسد من الحضور، وتحوّله إلى نسخة مطمئنة، بعيدة، مُحصَّنة.
الرقة بوصفها الفضيحة الأخيرة
مع هذا، ورغم كل الحرص على التحصين، فإن الحداثة المتأخرة لا تنفر من العنف. العنف ما زال متوقّعًا ومألوفًا. ما تخشى الحداثة المتأخرة من انتشاره أو طغيانه هو الرقة. الرقة التي تستدعي التماس والارتباك، وانكشاف المساحة أمام آخر غير متوقع، وغير مرغوب بحضوره. هكذا تجهد الحداثة المتأخرة لتجنب الرقة، مثلما سعت الحداثات الأولى إلى تجنب البربرية. لم تعد البربرية تخيف حداثة العصر، ما يخيفها حقًا هو طغيان الرقة وشيوعها.
كانت حرب فيتنام مثالًا صارخًا على هذا؛ فالصور التي أثارت الرأي العام لم تكن صور الموت الفيتنامي، بل صور الجنود الأميركيين المرتبكين، المتعبين، الممسكين بأيدي بعضهم. شيوع الرقة في تلك الصور كان أشبه بالفضيحة، لأنه كشف هشاشة الجسد البشري، حتى حين يكون مُعتنى برياضته وقوته وصحته على أكمل وجه.
في حروب القرن الجديد اختفت هذه اللقطات. لم يعد الجندي يظهر متعبًا أو خائفًا أو ملطخًا بالعرق والوحل. ليس لأنه لم يعد يتعب ويخاف، بل لأن الصورة تخلّت عن دورها كوثيقة، وأصبحت منتجًا يُصنع لطمأنة المشاهد لا لكشف الحقائق.
في الحياة اليومية حدث الشيء نفسه: كل تماس جسدي بات يحتاج تبريرًا، وكل اقتراب يُقرأ كتهديد. الجسد الحقيقي تحوّل إلى فضيحة، وها نحن نستبدل العلاقات الجسدية اليوم بعلاقات صورية ورموز، وإشعارات، وصور ذاتية، فضلًا عن مكالمات مرئية مُفلترة.
المرآة الجديدة: شاشة بلا آخر
حين كانت المرايا جزءًا من الحياة اليومية، كانت تتيح للإنسان رؤية نفسه شرط أن يكون ثمة آخر واقفًا أمامه، أما شاشة الهاتف الذكي فهي مرآة لا تعكس سوى الذات نفسها: هذه مرآتنا المعاصرة التي تصنع لنا صورًا مصممة بعناية، ومُحسنة بفلاتر وعدسات دقيقة، والأهم أنها صور منصاعة ولا تحاكي ما هو حيّ فينا. شرطها للتحقق والظهور أن تعلن خطابًا يزوّر دواخلنا أو يضفي عليها الكثير من المبالغة. علينا أن نتعلم الابتسام المناسب لمرآتنا اليوم حتى تنجح في نقل أجسادنا من خانة الوجود إلى خانة الصور. وبهذا الترتيب المتقن، يكتمل انفصالنا عن الآخر، ويتحول وجوده — أي الآخر — عبئًا، وتصبح الصورة خلاصًا. لم تعد الرغبة معنية بالجسد الحي، بل باتت تطالب بإمكان تمثيل الجسد. لم نعد نريد من جسد الآخر حقيقته، بل ادعاءه. لهذا استبدلنا الاحتكاك بالتصوير، وأحللنا النسخة البصرية محل التجربة. لقد كان جون بالديساري محقًا حين كتب تحت صورة امرأة عارية: "تخيّل هذه المرأة". لأن الصورة اليوم لا تعرض الجسد، بل تستبدله.
ما الذي تبقّى من الجسد؟
في أوائل تسعينيات القرن الماضي كتب بول فيريليو ما يشبه النبوءة: "‘الآن‘ تضخّمت والـ ‘هنا‘ تقلّصت". اليوم، في عالم الذكاء الاصطناعي والصور المولّدة، تبدو هذه العبارة توصيفًا دقيقًا للجسد الذي تحرر من مكانه لكنه فقد حضوره. لم يعد الجسد موضع خطر، ولا موضع رغبة، ولا حتى موضع ضرورة، صار شيئًا زائدًا، بقايا إنسان عاش يومًا في عالم تم ترتيبه حول احتياجاته العضوية.
لكن هذا الغياب ليس كاملًا وتامًا؛ ما زال الجسد يظهر بين وقت وآخر كمُستدعى للرقة: لمسة غير محسوبة، خوف صغير، حركة غير متزنة، دمعة غير مُفلترة.
الرقة هي آخر ما تبقّى من الإنسان، وربما آخر ما يقاوم عصر الصورة.
التقدم الذي لم ننجح في التمعن بفصوله وآثاره يبدو كما لو أنه أنجز تحولنا من بشر يملكون أجسادًا يمكن محاكاتها، إلى إحلال الصور محل هذه الأجساد، ثم سرعان ما نجحت الصور في تحييد خطر الواقع والخارج والطبيعي، والأجساد البشرية ضمنها، وصولًا إلى إنتاج الصورة التي تروّض الجسد وتعدّه ليصبح تفصيلًا في الصورة المتعددة الأبعاد، وانتهاء بتحول الصورة إلى حصن الجسد الذي لا يمكن اختراقه.
لم يكن مستقبل الجسد كامنًا في نقص الصور، بل في فائضها. ولم يكن مستقبل الحضور كامنًا في التخلص من الوسائط، بل في خضوعه التام لها. اليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي الذي يُنتج الوجوه والأجساد بلا حاجة لأصل بشري، تعود الرقة كقيمة مقاومة. كعلامة على أن الإنسان، رغم كل شيء، لا يزال كائنًا هشًا. لهذا لا تبدو الرقة نقيضًا للعنف، أو لا يصح اعتبارها اليوم نقيضًا له؛ إنها في حقيقة الأمر نقيض الصورة، ولهذا تُرذل وتُخفى، ولهذا يجدر بنا استعادتها.


تحميل المقال التالي...