}

في تحليل القوى المساهمة في تشكيل هوية عُمان

سيف الرحبي 20 يوليه 2025
آراء في تحليل القوى المساهمة في تشكيل هوية عُمان
أسفار جبلية صعبة يقطعها البحث في الاستقصاء والتحليل

كتاب "الدولة في عمان: الجذور والتشكيل والسياسات" الذي صدر حديثًا للدكتور عبد الملك الهنائي (دار الفلق للنشر) هو من الضرورة بمكان للمكتبة والذاكرة العمانيتَين خاصة. هذه الذاكرة المصابة بثغرات كثيرة حول تاريخ كينونتها إن لم نقل الفردية فالجماعية حتمًا. فلطالما تحدثنا بغموضٍ في عمان أجيالًا متعاقبة عن وفرة الأحداث التاريخية والممالك والتقلبات على الصعيد الداخلي، حيث نظامُ إمامةٍ وسلطنة ضمن بلد واحد ودولة واحدة، أو تلك المتعلقة بغزوات الخارج وصراع الهيمنة والنفوذ. يقابل تلك الوفرة والغزارة في الأحداث شُحٌّ في الكتابات والتدوين حولها، عدا النزر اليسير، وهو نزر بحاجة إلى تدقيقٍ وتمحيصٍ حسب المؤلف.
وكالعادة يذهب الباحث نحو المصادر الأجنبية، الإنكليزية خاصة في الحالة العمانية وحالة الجزيرة العربية عامة. نقرأ تاريخنا ووقائعه على كافة الصُّعُد والعناصر البشرية والطبيعية في مرآة الآخر، مما يلزم تدقيقًا وإحاطة من نوع آخر أكثر علمية وعُمقًا، وهو ما حاول فعله المؤلف؛ فبعض المدونات العمانية حول تاريخها على قلّتها كتابات تخترقها الفئوية والمذهبية والقبلية بلغة الإخبار والإشهار المنحازَين إلى هذا الطرف أو ذاك، فتضيع موضوعية الكتابة التاريخية ضياعًا فادحًا، والتي تأتي من غيرِ تحليلٍ ولا تأمُّلٍ في الواقعة، رغم أنها صدرت بعد ابن خلدون بقرون، دعك من مصادر الكتابة الحديثة في التاريخ.
الهنائي يَسِمُ المرحلة اليعربية كمفصلٍ رئيسٍ في التاريخ العماني بالظاهرة الخلدونية. وحين سألته مباشرة أو شفويًا عن مقصده، لأن العبارة حَمّالة أوجه وملتبسة أن تنطبق على هذه الظاهرة أو هذه الدولة ولا تنطبق على أخريات في هذا التاريخ أو غيره، حيث أجابني إن الدولة التي يتكلم عنها ابن خلدون هي أشبه بالسلالة الحاكمة وليست دولة مؤسسات كما في وقتنا الحاضر. ومنذ فترة وأنا أحاول فهم ما إذا كان ما يُسمى "بالنظام" أشبه بالدولة الخلدونية. ومع تقدمي في البحث رأيت أن مفهوم بعض الأنظمة أقرب إلى المفهوم الخلدوني..! والكتاب يُجلي الكثير من الالتباسات النظرية وتطبيقها على وقائع التاريخ.
هذا الكتاب النوعيّ أُنجِز منذ ربع القرن باللغة الإنكليزية كأطروحة دكتوراه في جامعة لندن، وكان المؤلف قد حصل على الماجستير من جامعة هوبكنز. وذكر هذه الجامعات ليست مسألة شكلية أبدًا بل مهمة في التكوين المعرفي والعلمي، وأنجزها تحت إشراف البروفيسور الإنكليزي المعروف فرد هاليداي المستشرق الموسوعي، ولأني لم ألاحظ نبذة عن هذا المشرف في الكتاب فقد كان واحدًا من علامات تلك المرحلة المحسوب على اليسار الأوروبي الخارج على المركزية الأوروبية باتجاه فضاءاتٍ أوسع وأكثرَ إنسانية واستيعابًا، فكانت كُتبه التي قرأت بعضها تتصدر واجهات المكتبات في دمشق وبيروت حول العالم العربي والإيراني عبر الثورة التي قادها الإمام الخميني، وكذلك حول العالم التركي، إذ كان يشتغل باللغات الثلاث لهذه الدول والأقاليم المركزية في الشرق.




لم ألتقِ بفرد هاليداي رغم أن اسمه كان حاضرًا في ندوات وتفاصيل المجال الثقافي العربي، لم ألتقه إلا مرة واحدة مع مؤلف الكتاب الصديق عبد الملك الهنائي في زيارته إلى مسقط، وفي الجلسة التي جمعتنا بفندق البستان حيث ينزل المفكر الإنكليزي. كان وقتها الصديق صبحي حديدي قد كتب مقالًا مُعلِّقًا على مقابلة نشرتها مجلة "نزوى" مع هاليداي أجراها في لندن عبد الملك بمعية د. عبد الله الحراصي. وكان حديدي على ما أذكر اتهم المقابلة بعودة صاحبها إلى المركزية الأوروبية في التعاطي مع الوقائع والأفكار والتي كان ضدها بمَتنه الفكري الكبير. وأتذكر أنه أبدى نوعًا من الامتعاض وبأن المسألة ليست كذلك. بعد فترة سألت عبد الملك عن أستاذه حيث أجاب أنه أصيب بنكسة صحية وقد ألمّت به كآبة مريعة وغادر إلى جزيرة إسبانية والأخبار من أخيه- أخ المفكر- وأن وزنه تضاعف جَرّاء الأدوية الثقيلة، حتى قرأت في الصحافة عن رحيله النهائي هو المترحل بين الثقافات والجغرافيات المختلفة.
كتاب "الدولة في عمان" الذي أصدرته دار الفلق وترجمه الكاتب والمترجم علي بن سيف الرواحي، وكنت أعتقد أنه نفسه علي الرواحي مؤلف كتاب "ماركس في مسقط"، وكنتُ قبل أيام أتحدث حول هذا الكتاب أن عنوانه في حد ذاته لو صدر في سبعينيات القرن الماضي لكان مصير صاحبه "كوت الجلالي".
في رأيي أن أي تلخيصٍ مستعجل له ربما يسيء إلى الكتاب أكثر مما يفيد القارئ. لا بد من الإبحار في عوالمه التاريخية والتحليلية للاستفادة الشخصية بالدرجة الأولى، تاركًا البحث فيه وحوله، فذلك ما ننتظره من أسماء تساهم في الكتابة التاريخية الحديثة المختلفة عن سابقاتها مثل سيف المسكري وسيف السعيدي وعبد الرحمن السالمي مثالًا، لا حصرًا. وفي الأثناء اتصل بي د. سيف السعيدي ولاحظنا أن السيوف العمانية وافرة وفرةَ الخناجر، وهذه الأخيرة أكثر حضورًا وعددًا وانتشارًا، لكن لم ألاحظ ولم أعرف عمانيًا باسم خنجر ولا باسم نخلة ولا جبل ولا بحر، رغم أن العمانيين ولدوا في حضن هذا المثلث الحنون والغاضب أحيانًا. أربعة سيوف قواطع مرت عفوَ الخاطر في هذه العجالة بالإضافة إلى اسم كاتب هذه الأسطر الذي لا أضمن له صفة القطع. رغم أن أركان الطبيعة العمانية تلك حاضرة في الأدب والثقافة والسلوك.
وحتى الكلمة المثبتة من قبل الدار على جلدة الكتاب الأخيرة هي ليست إلا دعوة إلى قراءة الكتاب أسوة ببعض دور النشر العربية والأجنبية. وهي كالتالي: "منطلقًا من طبيعة الدولة العمانية وجذور تشكلها خلال الفترة من 1861م إلى 1970م ومستهدفًا تحليل القوى التي أسهمت في تشكيل هويتها وأساليب وضع سياساتها". ويستند الكتاب إلى حقيقة أن الدولة العمانية استطاعت الصمود لفترة طويلة من الزمن، كما أن تشكيل وآلية صنع القرار ووضع السياسات في الدولة العمانية قد تأثر بشكل كبير بأربعة عوامل رئيسية هي: القوى الأجنبية الاستعمارية والتجار وقادة القبائل (الشيوخ) والعلماء، مع اختلاف درجة تأثير كل عامل من هذه العوامل.
أسفار جبلية صعبة يقطعها البحث في الاستقصاء والتحليل ليس ضمن مراحل وحقب التاريخ المذكور آنفًا، وإنما يذهب إلى أبعد من ذلك، أسفار شاقة لأن الطريق غير واضح والمصادر الأجنبية الكثيرة لا شيء منها يذهب نحو تشكُّل الدولة العمانية في أطوارها التاريخية المختلفة والمتباعدة، وإنما هناك شتاتُ معلوماتٍ وتحليلات ورؤى رحالةٍ وباحثين ومسؤولين على الأرجح جاءوا من دولهم إلى المنطقة في تلك المراحل المتقدمة ما قبل الحداثة التي جاءت متأخرة في هذه المنطقة أو المناطق الخليجية والجزيرية، يذهب أبعد إلى بداية تشكل الهوية العمانية منذ الجلندى بن مسعود وأولئك الأوائل المؤسسين والمذهب الإباضي ودوره في تشكيل هوية المكان العماني. من هذا المنطلق يرتاد الكتابُ مناطقَ شائكة وصعبة في هذا التاريخ الطويل، وإننا نتمنى أن يفتح جدلًا ونقاشًا خصبًا افتقدناه في هذا المجال.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.