}

معجم الدوحة التاريخي للغة العربية: المشروع وفرص الاستثمار فيه

محمّد الشّيبانيّ 21 يوليه 2025

من المُتَوقَّع أن يُعلَن عن الفراغ من تحرير معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة (م.د.ت.ل.ع) مع نهاية العام الجاري 2025. وبهذا، يصير هذا المعجم في نسخته الإلكترونيّة ــ على أمل صدوره ورقيًّا ــ مرجعًا من المراجع الّتي يجدر الاعتداد بها علميًّا عند الباحثين من تخصّصات شتّى في أبنية ألفاظ العربيّة، ومعانيها العامّة، ومفاهيمها العلميّة الاصطلاحيّة خلال مسار تطوّرها عبر العصور[1].
نكتفي هنا- في قسم أوّل- بالإشارة إلى بعض الخصائص الّتي ميّزت صناعة هذا المعجم. ونخصّص القسم الثّاني منه لبيان وجوه ممّا يجعله مشروعًا بأتمّ معنى الكلمة يواصل بُناته اليوم وغدًا تشييد معماره؛ حتّى يصير معجمًا منغرسًا في حركة التّاريخ راسخًا فيها، تائقًا إلى تعزيز خصوصيّته المتمثّلة في "تضمّنه ذاكرة كلّ لفظ من ألفاظ اللّغة العربيّة. فهو يسجّل فيها ـ حسب المتاح من المعلومات ـ تاريخ استعماله بدلالته الأولى، وتاريخ تحوّلاته البنيويّة والدّلاليّة، ومستعمليه في تحوّلاته عبر تاريخ استعمالاته. وفضلًا عن هذا، يوثّق تلك الذّاكرة بالنّصوص الّتي تشهد على صحّة المعلومات الواردة فيها"[2].

ــ معجم على غير منوال
تعود أسبقيّة (م.د.ت.ل.ع) في باب صناعة المعاجم التّاريخيةّ للّغة العربيّة إلى سبب علميّ موضوعيّ مرتبط بغياب الوعي العميق لدى أسلافنا بكون اللّغة كائنًا تاريخيًّا قابلًا للتّطوّر في المكان والزّمان. والحقّ أنّ في تراثنا المعجميّ منذ الخليل بن أحمد صاحب معجم العين (توفّي في حدود 175هـ/ 791م) مجموعةً من الحدوس والإشارات المتفاوتة الأهميّة الدّالّة على إدراك لمظاهر من التّغيّر في مستويات اللّغة، ولما يَسِم بنية ألفاظها ومعانيها من بُعد تطوّريّ يرفض القول بالتّوقيف، أو يتفادى الدّعوة إلى قصر المادّة المعجميّة العربيّة المجموعة على كلام العرب الممثّل لعصر الاحتجاج حماية للّغة الصّافية، خَشية أن يُخالطها كلامُ الأعاجم والمولّدين والعوامّ. وهذا الوعي النّسبيّ بتطوّر اللّغة باعتبارها كائنًا حيًّا لم يَنته إلى تنظير فعليّ لتاريخيّة اللّغة ينتظم حوله مشروع يؤسّس لمعجم يراعي تاريخيّة اللّغة العربيّة بالمعنى المتداول اليوم.
في المقابل، فإنّه رغم تعمّق الوعي شيئًا فشيئًا، منذ بداية القرن المنصرم، الوعيُ بأنّ اللّغة كائن تاريخيّ مرتبط بزمن الأفراد والجماعات في مختلف مناحي عيشهم وأشكال تعبيرهم العالِمة وغير العالمة، فإنّ تجسيم هذا الوعي في صناعة معجم تاريخي ظلّ أمرًا بعيد المنال. ولعلّ من أهمّ الأسباب المفسّرة لهذا غياب المؤسّسات اللّغويّة العلميّة الّتي تجعل هذا المشروع من أولويّاتها في سياق إدراك منزلة اللّغة في بناء مؤسّسات مشروع الأمّة، وصناعة دعائم تجذير ثقافتها في وجدان أهلها فهمًا لماضيها، وصونًا لحاضرها، وضمانًا لمستقبلها. ويُضاف إلى ما سبق ضُعف البنية الأساسيّة التقنيّة المساعدة على تيسير البحث في المتون الجامعة لكلام العرب عبر العصور حتّى تُستصفى منها المادّة المعجميّة (الألفاظ مقترنة بمعانيها المتطوّرة تاريخيًّا)، ثمّ تنظَّم، ويُحكم عرضها في معجم تاريخيّ يمثّل مشروعًا علميًّا لغويًّا معجميًّا مؤسّسيًّا جماعيًّا؛ فيُنسَج على غرار ما أُنجِزَ في لغات أخرى كانت سبّاقة في هذا المجال رغم كون العديد منها هو أقلّ امتدادًا في الزّمان والمكان واستعمالًا من اللّسان العربيّ.
هكذا، حالت هذه العوائق الموضوعيّة وغيرها دون استئناف البداية الشّجاعة والمحتشمة في آن واحد الّتي شهدها تاريخ المعاجم العربيّة الرّامية إلى صناعة أوّل معجم تاريخيّ للغتنا، ونعني هنا تجربة المستشرق الألماني أوغست فيشر (ت 1949م) المتمثّلة في مقدّمة معجمه التّاريخيّ  الّتي تركها بعد وفاته مع عدد من الموادّ المعجميّة المحرّرة مرفقة بشواهدها من أوّل حرف الهمزة إلى كلمة (أبد)، والّلتين أصدرهما مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة سنة 1967م[3].
كان على اللّغة العربيّة أن تنتظر سنة 2011م موعد نشأة الفكرة/ الحلم بمناسبة انعقاد المؤتمر السّنويّ الأوّل للعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة الّذي نظّمه المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات (الدوحة). وفي هذه المناسبة اقترحت مجموعةٌ من الأساتذة والباحثين في اللّغة العربيّة ومعجمها فكرةَ صناعة معجم تاريخيّ للّغة العربيّة يكون مقرّه في الدّوحة بإشراف من هذا المركز البحثيّ العلميّ. ثمّ انتقل الحلم إلى واقع ملموس بإعلان الشّروع في صناعة هذا المعجم يوم 25 أيار/ مايو 2013، بعد عمل دؤوب بُذِلَ لتوفير مصادر تمويله، وتهيئة بنيته الأساسيّة العلميّة والمنهجيّة والحاسوبيّة والبشريّة القادرة على احتضان هذه الفكرة الجريئة.

ـ معجم تاريخيّ قبل كلّ شيء
ينتمي (م.د.ت.ل.ع) إلى فئة المعاجم التّاريخيّة الّتي يَعنيها رصدُ التّطوّر التّاريخيّ للوحدات المعجميّة بنيةً ومعنًى في مسار استعمالها عبر الأزمنة. ولا يخفى أنّ ظهور هذا الضّرب من المعاجم ارتبط بفَهمٍ للّسان البشريّ باعتباره مؤسّسة اجتماعيّة تاريخيّة مشدودة إلى السياقات الماديّة والرّمزيّة المتعدّدة الّتي يتحرّك فيها النّاطق بها، ونعني الكائن التّاريخيّ الّذي هو الإنسان. ولهذا السّبب يعرض (م.د.ت.ل.ع) موادّه المعجميّة خاضعةً لترتيب زمنيّ يراعي تطوّر مباني الألفاظ ودلالتها المستندة إلى أقدم النّقوش والأقوال الموثَّقة والمعلومة التّاريخ بصفة دقيقة أو تقريبيّة في الأعصر البعيدة إلى غاية استعمالات لغتنا اليوم (إلى نهاية سنة 2023م) الجارية في أحدث المصنّفات العلميّة والأدبيّة والثّقافيّة والصّحف والمجلّات والمواقع الإلكترونيّة بأنواعها ما دامت تحظى بالموثوقيّة المشروطة في مصادر هذا المعجم.

3 ــ معجم سياقيّ
لا يكتفي (م.د.ت.ل.ع)، على غرار أغلب المعاجم، بأن يضع وحداته المعجميّة المجموعة بطريقة ما مرتّبةً على نحو ما، ثمّ يقرنها بتعريفها المحدَّد وفقًا للاختيارات المنهجيّة الّتي ارتضاها صانعوها، مع إمكان مدّ مستعمل هذه المعاجم بمعلومات إضافيّة من قبيل طريقة نطقها، أو صنفها اللّغويّ، أو أصلها اللّغويّ الّذي انحدرت منه (التّأثيل)، أو اقتراح بعض الشّواهد الّتي تضمّنتها بما يساعد على التماس معاني هذه الوحدة اللّغويّة أو تلك في علاقة سياقيّة بغيره. وإنّما هو معجم يعرّف وجوبًا، وفي جميع الحالات، الوحدةَ المعجميّة ــ سواء أكانت لفظًا مفردًا أم مركّبًا، عامًّا أم مصطلحًا، عربيّ الأصل، أم أعجميّه ــ انطلاقًا من معاينتها في سياقات/ شواهد جرت على ألسنة مستعملين معلومين في ملابسات استعمال مختلفة خلال أزمنة متعاقبة.




إنّ كون هذا المعجم سياقيًّا يقتضي أن يكون رصدُ معاني الأبنية وصورها في تغيّرهما عبر التّاريخ غير قائم على مجرّد سردٍ لما تناقلته المعاجم التراثيّة، أو المعاصرة، على حدّ سواء. وإنّما تتحدّد المعاني المعجميّة، وتتعيّن صورُ أبنيتها بالاحتكام إلى سياق/ شاهد ينتمي إلى ضروب من أجناس القول. وهي فضلًا عن هذا، تتحدّد بالأخذ في الحسبان الجوارَ اللّغويّ السّابق واللّاحق للّفظ المعرَّف، ويُستدلّ عليها باستدعاء القرائن المقاميّة الواقعة خارج السّياق اللّغويّ، أي المقام الماديّ الّذي يجري فيه التّخاطب. وتُلتَمس هذه الاعتبارات المقاميّة ــ ما أمكن ــ في أحوال المتخاطبين المتغيّرة، وأزمنة تلفّظهم، وأمكِنته المتبدّلة، فضلًا عن الحوادث التي جرت فيها. وعلى هذا الأساس تصير هذه الاعتبارات من الأحوال المكيّفة لإنتاج هذه الأقوال وفهم معاني وحداتها المعجميّة المُجراة في تراكيبها اللّغويّة.
غَنيّ عن البيان أنّ هذه الاعتبارات لا تكاد تتناهى حتّى يمكن أن تُحصَر بصورة تامّة؛ ذلك أنّ التعرّف عليها بالدقّة المطلوبة هو أمر يكاد يعسر؛ فالمعنى المُسنَد في المعجم إلى الوحدة المعجميّة المستعمَلة في نسيج سياق لغويّ (جملة، نصّ) أنتجه قائل معلوم في مقام ماديّ غير لغويّ محدَّد، هو نتاج مسار تأويليّ معقّد يقترحه المحرّر المعجميّ اعتمادًا على كفاءته اللّغويّة بمختلف مستوياتها. وتتضافر هذه الكفاءة مع معارفه الموسوعيّة ذات الصّلة بملابسات إنتاج الأقوال، ومع ما تتيحه له المصادر من تدقيقات ثمينة قد تُسعفه في فهم دلالة اللّفظ. وعلى هذا النّحو، ينتهي المحرّر المعجميّ ــ ما أمكن هذا ــ إلى صوغ التعريف الّذي يُفتَرض أنّه مناسب للوحدة المعجميّة. وهو يحرص على أن يكون تعريف الوحدة المعجميّة موافقًا، إلى حدّ معقول، سياقَها اللّغويّ الّذي تقلّبت فيه، وليس غريبًا عن مقتضيات جنس الخطاب الذي ينتمي إليه الشّاهدُ المتضمّنُ لهذه الوحدة المعجميّة، وليس مناقضًا لما تواضعت عليه فُهوم أهل اللّغة في مخاطباتهم ومحاوراتهم، ونعني ألّا يجافي ما استقرّ عليه العُرفُ اللّغويّ أنّه من المعاني الأصول للّفظ وما تفرّع عنها من المعاني الفرعيّة.
والحقّ أنّ دون هذا عقبات كثيرة، خصوصًا مع النّصوص المتأخّرة في الزّمن. ونذكر من هذه الصّعوبات ما كان متّصلًا أحيانًا بسلامة الوحدة المعجميّة من التّصحيف والتّحريف، وما تعلّق بتعدّد رواياتها في الشّاهد نفسه، وبصعوبة فهم معناها لانعدام القرائن النّصّيّة والمقاميّة المُعِينة على ذلك. ونذكر أيضًا صعوبة الحكم بصحّة نسبة هذا الشّاهد إلى قائل معلوم، والحسم في عدم تعدّد نسبته إلى أكثر من مستعمل، فضلًا عن الإشكال المتّصل بصحّة التّاريخ المُعتَمَد الّذي يُبنى عليه القولُ: إنّ زمن هذا الشّاهد هو زمن استعماله. وعلينا أيضًا ألاّ نغفل عن الإشارة إلى أمر أساسيّ متعلّق بالمعايير الّتي إذا عوّلنا عليها يمكن أن ندّعي في ضرب من الطّمأنينة العلميّة بأنّ معنى هذه الوحدة المعجميّة، في هذا الشّاهد، قد اختلف عن سابقه، وتطوّرت سماته الدّلاليّة المميّزة له إن قليلًا، أو كثيرًا، وصار الحديث عن معنى جديد أمرًا له وجاهته. وغير هذا كثير من التّحدّيات الّتي تواجه صانع معجم تاريخيّ للغتنا العربيّة.
لقد جرى تخطّي عدد من هذه العقبات الّتي كانت متوقّعة ومعلومة، واقتُرحت في شأنها حلول علميّة ومنهجيّة اعتُمِدت في جميع مراحل تحرير (م.د.ت.ل.ع). أمّا العدد الباقي منها، فسيظلّ حلّه مشروطًا بتطوّر حالة المعرفة اللّسانيّة في باب المعنى تحديدًا، وبما سيُنتَجُ من مصادر محقَّقة تحقيقًا علميًّا، وبما سيظهر من فتوحات أهل العلم بالتّاريخ وغيره من العلوم في باب القضايا الّتي أشكلت على أهل اللّغة.

ــ معجم موسوم بالمرونة والتّفاعل
اتّضح، خلال مسار صناعة (م.د.ت.ل.ع) طوال ما يزيد على عقد من الزّمن، أنّ العمل على غير منوال سابق يُحتذى في وضع الأسس المعتمَدة في صناعة معجم تاريخيّ للّغة العربيّة، ويُهتدى بمواطن قوّته، وتُتلافى عند تحريره مواطن الزّلل فيه، هو عمل ذو كلفة منهجيّة وعلميّة متفاوتة الأهميّة. ويظهر هذا بلا شكّ في مخرجات هذا المعجم، أو غيره.
لقد رافق صناعة (م.د.ت.ل.ع) وضعُ الضّوابط المنهجيّة والعلميّة المفترَضة الواجب اتّباعها عند تحرير مادّته المعجميّة، واستدعى أحيانًا واقعُ الاختبار العمليّ تعديلَ هذه الضّوابط بتدقيقها وإثرائها، أو حتّى نقضها والعدول عنها، كلّما دعت إلى ذلك الحاجةُ العلميّة، أو الاختيارات النّظريّة والمنهجيّة العامّة الّتي ينبغي تبجيلُها وتعميم إجرائها. ولعلّ هذا مظهر آخر دالّ على أنّ عملًا يُنسج على غير منوال يتطلّب دومًا وعيًا نقديًّا ذاتيًّا، ومراجعات لا تنقطع، صَونًا لعِلميّة العمل، وضمانًا لانسجام مخرجاته.
مفاد هذا أنّ عمل المعجميّ، على وجه العموم، ليس عملًا هيّنًا، ولا يمكن، بأيّة حال، أن يكون في مأمن من المشاكل والانتقاد. ولهذا، يظلّ دومًا عملًا قابلًا للتّحيين والمراجعة والتّصحيح والاستدراك بأنواعه.
يساعد صدور (م.د.ت.ل.ع) منشورًا في نسخة إلكترونيّة ــ قبل أن يصير ورقيًّا لاحقًا ــ على إضفاء طابع المرونة على مخرجاته[4]. فبسبب ضخامة هذا العمل، واشتمال مدوّنته على ملايين النّصوص الممتدّة على قرون متباعدة وأصقاع مترامية، والمنتمية إلى أجناس من القول متفاوتة، والمنسوبة إلى قائلين فاقت أعدادُهم التوقّعَ، فإنّ باب إعادة النّظر في مادّة المعجم لا يمكن أن ينغلق. فما يخرج تباعًا على النّاس منشورًا في البوّابة الإلكترونيّة للمعجم لن يكون كلّه، في تقديرنا، صيغته النّهائيّة والوحيدة. وحسبنا أن نذكر ههنا أنّه قد تَسقط شواهدُ لتحلَّ محلّها أخرى أقدم من جهة استعمالها تاريخيًّا لم تظهر في مراحل تحرير المعجم السّابقة، فتُسنَدُ بهذا شهادة ميلاد جديدة لهذا اللّفظ، أو ذاك. وقد يُستَدرَكُ لفظ فات معناه و/ أو مبناه، فممّا هو مصرّح به في أدبيّات (م.د.ت.ل.ع) أنّه "لا يمكن القول إنّ هذا المعجم أحاط بألفاظ اللّغة العربيّة ومعانيها على الرّغم من الجهد المبذول في محاولة الاستيعاب والتقصّي، فربّما فاتته ألفاظ ودلالات في نصوص ونقوش لم يصل إليها صانعو المعجم لأسباب موضوعيّة يصعب تجاوزها، من أهمّها امتداد العربيّة في الزّمان، وفي المكان، والعدد الهائل لنصوصها، وصعوبة الإحاطة بها في مدوّنة واحدة"[5]. وقد يُعدَّل تعريف، أو يُدقَّق تاريخ، أو يُضبَط اسمُ مستعمل، أو يُستَبدَل مصدر من مصادر المدوّنة غير محقَّق بآخر محقَّق ظهر أخيرًا، أو قد يصحَّح خطأ طباعيّ، أو تُدخَل تحسينات على واجهة العرض الإلكترونيّ على نحو يهدف إلى جعل استعمال ما عند طالبي هذا المعجم أيسر وأكثر إفادة. ولعلّ مثل هذه الإجراءات الدّائرة على "التّنقيح" و"التّصويب" و"التّحديث" و"التّعديل" و"الإغناء" و"الاستدراك" من جهة المضمون أو الشّكل تضمن، شيئًا فشيئًا، جودةَ مخرجاته، وتعزّز الحكم على (م.د.ت.ل.ع) بـ "أنّه معجم مفتوح، وقابل للتّحديث المستمرّ"[6].




تجدر الإشارة هنا إلى أنّ ألوان التّعهّد بالمراجعة الدّوريّة المذكورة آنفًا، الجزئيّة والشّاملة، أمرٌ لا يحتكره صُنّاع (م.د.ت.ل.ع)، بل هو جهد مشترك دُعِي إلى أن يقوم به أهلُ العربيّة من مستعملي هذا المعجم من مختلف مواقعهم عندما يرون في موادّه المنشورة في بوّابته الإلكترونيّة ما يستوجب التّنبيه إلى ألوان من الغفلة، أو التّقصير، الّتي قد تكون شَابت ركنًا من أركان المدخل المعجميّ بلا استثناء، ما دام هذا التّنبيه يستند إلى دليل علميّ، ولا يتعارض مع الضوابط المنهجيّة العلميّة المعتَمَدة في تحرير هذا المعجم[7]. وأمّا النّقاش العلمّي النّظريّ والإجرائيّ لهذه الأسس المعياريّة الّتي انبنى عليها (م.د.ت.ل.ع)، فمجاله الأنسب هي المقالات والدّراسات الّتي ستكون بلا شكّ من روافد هذا المتن المعجميّ المثرية له، والمطوّرة له لاحقًا في نسخه المتعاقبة على مرّ التّاريخ.
إنّ هذه المشاركة التّفاعليّة البنّاءة عبر البوّابة الإلكترونيّة من خلال نافذة: "شارك في المعجم"، أو عبر التّراسل الإلكترونيّ مع إدارة المعجم[8] بواسطة استخدام الحاسوب، أو التّطبيق الخاصّ بالمعجم الّذي يمكن تحميله في الهاتف المحمول[9]، تجعل (م.د.ت.ل.ع) في تقديرنا ملكًا مشاعًا لأهله ممّن لهم الحكم العلميّ القويّ، والحجّة الرّصينة، والتّقييم الموضوعيّ. ولعلّ العبارة المثبَتة في واجهة بوّابته الإلكترونيّة: "المعجم في تحديث مستمرّ"، تختصر هذا الجهد التّفاعليّ مع مخرجات المعجم من داخل أسرة صنّاع المعجم ومن خارجها.
إنّ عمل التّحيين والمراجعات بأنواعها هو دأبُ أغلب معاجم اللّغات الحيّة اليوم الّتي تحترم مستعمليها، وتروم بلوغ الغاية في الدقّة؛ فالقائمون عليها لا ينقطعون البتّة عن تعهّدها بالنّظر فيها شكلًا ومضمونًا. وعلى هذا الأساس، استحقّ، في زعمنا، (م.د.ت.ل.ع) صفة كونه مشروعًا[10].

5 ــ مشروع مفتوح على المستقبل

واجهة "معهد الدوحة للدراست العليا"، و"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في العاصمة القطرية الدوحة


يُظهر الاطّلاعُ على أدبيّات (م.د.ت.ل.ع)، ومخرجاته أمورًا نذكر منها:
أ ــ قيام صناعته على جملة من الخصائص العامّة المميّزة له، وهي: التّاريخيّة، المرحليّة، السّياقيّة والِاستعماليّة، النّسقيّة، الموثوقيّة، التّفاعليّة، الحوسبة، الاِنفتاح[11].
يهمّنا أن نتوقّف عند خاصّية الانفتاح، ونعني في المقام الأوّل قابليّة (م.د.ت.ل.ع) لأن يكون منصّة تنطلق منها مشاريع لسانيّة مدارها على إعادة النّظر بوجه ما في وصف هندسة لغتنا العربيّة من منطلقات لسانيّة حديثة واستنادًا إلى إرثنا اللّغويّ النّفيس ومعارف العصر المتطوّرة على نحو مذهل. وسيسهم هذا في صناعة المعاجم العربيّة الحديثة الخاصّة والعامّة المستفيدة من مخرجات (م.د.ت.ل.ع) على نحو مخالف للمعاجم السّائدة من جهة الاختيارات المنهجيّة والعلميّة، ومن حيث الوظيفة، ومناحي الاستثمار وآفاقه.
لبلوغ هذه الغاية، ثمّة جهد لا بدّ من بذله في مستويات شتّى. لعلّ أوّلها جعل مادّة هذا المعجم موضوعًا للسّؤال والبحث العلمييْن قصد الانتهاء به إلى صيغة ذات مقبوليّة علميّة في مجال الصّناعة المعجميّة، وموثوقيّة في حقول أخرى من المعرفة الّتي يمكن أن تفيد من منجم هذا المعجم. ويستلزم هذا تمتينَ علاقة هذا المعجم بحاضنته البحثيّة والعلميّة والثّقافية داخل أسوار المؤسّسات الأكاديميّة والبحثيّة وخارجها تدريسًا، وبحثًا، وتنزيلًا في مدارات العمل التّطبيقيّ بأدواته الحديثة وبرامجه المتجدّدة في صُعد شتّى[12].
ب ــ إنّ وجود معجم تاريخيّ للغتنا هو مشروع خادم لثقافتنا العربيّة بلا شكّ. فهو يمدّ الباحثين في شتّى التّخصّصات بمادّة كاشفة عن مظاهر من نشاط أبناء هذه اللّغة عبر التّاريخ، وعن طُرُق تفكيرهم، ويعرّف بمنجَزهم العلميّ والمعرفيّ. وفضلًا عن هذا، يتيح لهم فرص التعرّف على قيمهم البانية لمعاشهم في أيّام عزّهم، أو تقهقرهم، وأشكال وعيهم وتدبيرهم لوجودهم، غانِمين، أو مهزومين. ثمّ إنّ هذا المعجم يُمكِّن من تحديد معالمَ من رؤية العرب لعالمهم في محطّات تاريخيّة مختلفة قبل انفتاحهم على ثقافات الآخر، أو بعد تلاقحهم بها. ومن مستلزَمات هذا الانفتاح اقتراض العربيّة ألفاظًا من لغات أعجميّة أخرى لسدّ حاجة أهلها كلّما راموا تسمية الموجودات المادّية الحادثة، والمفاهيم المجرّدة الطّارئة. ومن نتائج هذا الانفتاح أنّ العربيّة أقرضت لغاتِ حضاراتٍ أخرى ما دعتها حاجاتها التّاريخيّة إلى اقتراضه على نحو يجسّم حتميّة الأخذ والعطاء من خلال التّرحال عبر الكلمات في جميع الِاتّجاهات، ويكون شاهدًا على ألوان من التّفاعل الحضاريّ الّذي لا يحتاج إلى دلائل عليه. وبهذه الكيفيّة، تعكس الوحدات اللّغويّة الّتي اقترضتها العربيّة من ألسنة أعجميّة ــ وهي وحدات معجميّة يزخر بها (م.د.ت.ل.ع) ــ تاريخًا حيًّا متعدّد الأوجه في أزمنة متغيّرة، حافلًا بالجوار والحوار، والتّأثير والتّأثّر بأنواعه، والتّعدّد والتّنوّع الّذي صنع الهويّات وصاغ التمثّلات المتبادلة السّلبيّة والإيجابيّة.
ومن المعلوم اليوم أنّه لا يمكن أن تُختَزل وظيفة اللّغة في كونها مجرّد أداة إبلاغ تمدّنا بألفاظ نستعملها للتعبير عن حوائجنا في حياتنا اليوميّة قصد تأمين القدر الأساسيّ من التّواصل والتّفاعل. وإنّما اللّغة هي جسر ثقافيّ يساعد على العبور إلى ضفاف الإنسانيّة عامّة بمختلف روافدها. وبهذا تكون اللّغة وسيلة من وسائل اكتشاف مجاهيل الثّقافات الأخرى، والإنصات إلى أصواتها، وإنشاء حركة تبادل تُثري كيان الجماعات اللّغويّة والثّقافيّة على قاعدة الانفتاح والتّسليم بالتّعدّد والاختلاف الّذي هو جوهر الإنسان، وقَدَره في سياق بناء واقعٍ حيّ يستوعب حركة التّاريخ ويجذّرها. وعلى هذا الأساس، يوفّر (م.د.ت.ل.ع) مادّة يجدر الالتفات إليها في مشاريع الصّناعة الثّقافيّة بأنواعها.





من المتوقّع أن يسهم هذا المعجم في مراجعة بعض المسلّمات واليقينيّات الّتي بُني عليها فهمُ جانبٍ من تراثنا بمختلف مجالاته ومحطّاته التّاريخيّة. ويرجع فُشُوّ هذه الأمور ــ في جانب منها ــ إلى تمثّل غير تاريخيّ لمدلولات الألفاظ الّتي صاغت هذا الإرث المكتوب وما رافقه من تفسير وشروح وتأويل في سائر العلوم. فممّا لا يخفى على أهل النّظر أنّه استشرى أحيانًا، عند التّعامل مع عدد من الألفاظ ذات المحمول المفهوميّ الواردة في النّصوص المنتمية إلى حقول معرفيّة شتّى من تاريخنا العلميّ والثّقافيّ، نزعةُ الإسقاط المتسرّع، والتّعميماتُ التبسيطيّة الاختزاليّة، والتّوظيفُ الأيديولوجيّ السّافرُ. ولعلّ التّنبيهات اللّطيفة الّتي يمكن أن توفّرها تعريفات الألفاظ العامّة والاصطلاحيّة المضمَّنة في المعاجم السّياقيّة التّاريخيّة العامّة، ومن بينها على وجه الخصوص (م.د.ت.ل.ع)، بشأن الفروق الممكنة الّتي قد تكتسبها معاني الوحدات المعجميّة في مسار استعمالها في أوقات متقاربة، أو متباعدة، ستكون حاسمة في مسار تصحيح بعض الفُهوم، وتأصيلها في منابتها اللّغويّة، وتعزيز تاريخيّتها.
من هذا المنطلق، فإنّ المعجم التّاريخيّ عامّة، و(م.د.ت.ل.ع) تحديدًا، ليس مجرّد أداة عمل يحتكرها أهل العلم يلجأون إليه عند الحاجة للبحث عن وحدة معجميّة أشكل فهمُ معناها، أو لم يُعرف أصلها، أو لم يُعرف استعمالها سلفًا. إنّه خزّان ثقافيّ شامل مفتوح صالحٌ لأن يكون مرجعًا من المراجع الّتي يستمدّ منها الباحثون في مختلف فنون العلم والمعرفة ما يفيدهم في رسم صورة عن تاريخ مفهومٍ، أو منشأ قيمةٍ، أو نشأة ظاهرةٍ، وتعيين موارد استقائها الأصليّة، وتحديد مسارات تطوّرها عبر التّاريخ، وتعقّبها في خطّيتها وتعرّجاتها في محطّات تاريخيّة عديدة.
وبهذا المعنى، يُفهَم قصدنا من قولنا إنّ (م.د.ت.ل.ع) هو مشروع مفتوح على المستقبل. وبهذا قد نجيب عن سؤال: ما الحاجة إلى معجم تاريخيّ اليوم؟ وبهذا قد يصحّ قولنا: إنّ نهاية مشروع مثل (م.د.ت.ل.ع) هو إعلان عن فتح ورش عمل وتفكير أخرى.

* خبير لغويّ أوّل، رئيس وحدة الدراسات والأبحاث في معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة.(الدّوحة: 12/ 7/ 2025).

هوامش:
[1] ـ جاء تعريف (م.د.ت.ل.ع) على النّحو الآتي: "معجم لألفاظ اللّغة العربيّة، يسجّل تاريخ استعمالها بدلالتها الأولى، وتواريخ تحوّلاتها البنيويّة والدّلاليّة مع تحديد مستعمليها، وتعزيز ذلك بالشّواهد الموثَّقة... وسُمِّي هذا المعجمُ معجم الدَّوحة التّاريخيّ للُّغةِ العربيّة؛ لرعاية دولة قطر له، ووجود مقرِّه في الدَّوحة"، ينظر في : الدّليل المعياري للتّحرير المعجميّ، ص 7.
[2] ـ ينظر في الكتيّب التعريفيّ بالمعجم: " معجم الدوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة: مسيرة عشر سنوات: 2013- 2023"، ص 10.
3 ـ عنوان الإصدار: أ. فيشر: المعجم التّأريخيّ: القسم الأوّل من أوّل حرف الهمزة إلى (أبد).
ويشار هنا إلى إعلان المعجم التاريخي للّغة العربيّة (الشّارقة) يوم 18/12/2018 عن إطلاق العمل في إنشاء معجم تاريخيّ للّغة العربيّة بالشّراكة بين مجمع اللّغة العربيّة بالشّارقة واتّحاد المجامع العلميّة واللّغويّة بالقاهرة. وتمّ إعلان الفراغ منه وإصداره مطبوعا في شهر سبتمبر/ أيلول 2024.
لمزيد التوسّع في هذا الباب والاطّلاع على تجارب أخرى في مجال معاجم الألفاظ العامّة والاصطلاحيّة ذات البعد التّاريخيّ، ينظر في  فقرة: "جهود العرب في مجال المعجم التّاريخيّ" الموجودة في موقع المعجم: https://www.dohadictionary.org
مقدّمة معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة:
https://www.dohadictionary.org/about-dictionary
[4]ـ لغاية معرفة كيفيّة الولوج إلى هذا المعجم، ينظر في بوّاية المعجم، خانة: عن المعجم، وفيها: دليل الاستعمال:
https://www.dohadictionary.org/user-guide
[5] ـ معجم الدوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة: مسيرة عشر سنوات: 2013- 2023: ص 20.
[6] ـ ينظر في بوّابة المعجم: كلمة المعجم:
https://www.dohadictionary.org/dictionary-word
[7] ـ ينظر في:"معجم الدوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة: مسيرة عشر سنوات: 2013- 2023"، ص 49- 50.
[8] ـ تستقبل إدارة (م.د.ت.ل.ع) مشاركة الجمهور في البريد الإلكترونيّ الآتي:
Info.dictionary@dohainstitute.org
[9] ـ معجم الدوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة: مسيرة عشر سنوات: 2013- 2023: ص 50.
[10]. ينظر في مقال مقبل التّام الأحمديّ: معجم الدّوحة التاريخي ثروة لغويّة وفكرية وريادة على مستوى العرب والعربيّة، الجزيرة نت: 06/04/2025م، على الرابط: https://aja.ws/64d28x
[11] ـ معجم الدوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة: مسيرة عشر سنوات: 2013- 2023، ص 18- 21.
[12] ـ يشار إلى أنّ (م.د.ت.ل.ع) أقام جملة من الفعاليّات العلميّة والثقافيّة الهادفة إلى الخوض في موضوع: "فرص الاستثمار" في هذا المعجم، نذكر منها العملين المطبوعين:
ــ أعمال مؤتمر: معجم الدّوحة التّاريخي للّغة العربيّة: تحوّلات المعنى والاستثمار في مجالات اللّسانيات التّطبيقيّة. (إشراف عزالدين البوشيخي، محمّد أمين). مطبعة جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، المغرب، 1444هـ/2023م. ( تنظيم: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات، معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة، جامعة مولاي إسماعيل، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس، مختبر الدّراسات الأدبيّة واللّسانيّة والدّيداكتيكيّة بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة ببني ملال، المغرب).
ــ أعمال المؤتمر الدّوليّ المحكّم: المعجم واستخداماته في تعليم العربيّة للنّاطقين بها وبغيره: تقييم وتطوير. (إشراف: عزالدين البوشيخي، مجدي حاج إبراهيم). منشورات الإيسيسكو 2024. (تنظيم: معجم الدّوحة التاريخي للّغة العربيّة، منظّمة العالم الإسلاميّ للتّربية والعلوم والثّقافة).

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.