كانت المكتبات منذ ظهورها أماكن للحفاظ على المعرفة ولنقلها. وقد ارتبط تطوّرها في المقام الأول بتطوّر وسائل الكتابة والتواصل، ولكن أيضًا بتطوّر التعليم والثقافة، وبشكل أعم بتاريخ المؤسسات والمجتمعات. وإذا تأملنا ما كتبه الباحث بيار كاربون في كتابه "المكتبات" (سلسلة ماذا أعرف؟، 2012)، عن دور المكتبات: "المكتبات مؤسسات تتيح الوصول إلى المعلومات والمعرفة والثقافة. وبذلك تقدّم دعمًا أساسيًا للتعليم والتكوين والدراسة والبحث؟" يمكن أن نجزم بأن على الدولة، أو الخواص، توفير المكتبات في كل مدينة أو قرية توجد فيها المؤسسات التعليمية بجميع مستوياتها، لأن دورها هو تمكين الأفراد من المعلومة ومساعدتهم على التكوين وتحصيل الثقافة والقيام بالبحث.
لكن، ماذا لو غابت المكتبات عن مجتمع فيه مدارس وكليات ومدارس للتكوين والبحث؟ الجواب المباشر هو أن هذا المجتمع سيصبح مفتقدًا لذاكرته الحية، وسيصبح عاجزًا عن حفظ تراثه الثقافي والعلمي ونشره وتجديده. وقد أثبتت الدول والحكومات أن وجود عدد من المكتبات الضخمة من حيث الثروة والحجم في العديد من المدن، ليس في العواصم فقط، هو إنجاز سهرت على تحقيقه واستمراره، وعيًا منها بدور هذه المكتبات في حفظ ذاكرة وتاريخ مجتمع بأكمله، وإصرارها على نقل الثقافة والعلم والمعرفة. وفي المقابل، إذا غابت هذه المكتبات، أو تلاشت، فإن الدولة لا تُقيم أي اعتبار لهذه الأدوار الحضارية الكبرى. من هنا نلاحظ أن نمو انتشارها بشكل أكبر وأفضل في الدول التي تضمن مستوى عاليًا من التعليم وحرية التعبير وتداول الأفكار. وبالتالي يمكن وصفها بكونها أماكن أساسية للحياة الديمقراطية. لذلك نجد ميثاق المجلس الأعلى للمكتبات في فرنسا، المنشور سنة 1992، ينصّ على أن "المكتبة هي خدمة عامة ضرورية لممارسة الديمقراطية". كما أن بيان اليونسكو للمكتبات العامة، الصادر سنة 1994، يصفها بكونها "بوابة محلية للمعرفة"، ويضيف أن "المشاركة الإبداعية وتطوّر الديمقراطية يعتمدان على التعليم الكافي والوصول المجاني وغير المحدود إلى المعرفة والفكر والثقافة والمعلومات". هذا، من دون تقديم الدور التقليدي للمكتبات وهو جعل منشورات المؤلفين، السابقين والحاليين، متاحة للجميع، بدون أية رقابة وبدون أن يتمّ تحديد اختيار الوثائق من قِبل أية سلطة سياسية أو دينية.
المكتبات بالنسبة للمؤلفين والفنانين والموسيقيين هي من أهمّ الشركاء في سلسلة الكتب والقطع الموسيقية والمسرحيات والأفلام، لأنها تؤدي دور الوسيط بين الجمهور والمؤلفين والناشرين وبائعي الكتب. وتزداد أهميتها حين نعلم أنها تؤدي دور اختيار وانتخاب المجموعات من الأدب والفن الوطني أو الأجنبي التي تقدمها لقرائها. وهذا هو الدور المنوط بأمناء المكتبات الذين ينبغي أن يتوفروا على ثقافة واسعة إضافة إلى قدرتهم على حسّ التوقع بناء على احتياجات جمهورهم، "مع احترام المدى البعيد أيضًا"، حسب تعبير بيار كاربون.
ومن الملاحظ أيضًا أن دور النشر الصغيرة والمتوسطة تجد مكانها هناك، وكذلك العناوين ذات التوزيع المحدود أو المنخفض. وهذا الدور ليس ببسيط بالنسبة إلى ناشر يطبع عناوين ونسخًا محدودة. ومن ثمّ فإن دورها مهمّ جدًّا في الحفاظ على تنوّع النشر، إنها فضاء ديمقراطي بهذا المعنى؛ ومشترياتها ومقتنياتها حاسمة في ضمان ربحية بعض المنشورات. من هنا يبرز وزن المكتبات في اقتصاد الكتاب، لذلك نرى أن الناشرين والمتخصصين في عالم المكتبات يرجعون دومًا إلى النسب المئوية التي تمثلها مشترياتها في إجمالي المبيعات.
وإذا عدنا إلى دور المكتبات في الحفاظ على التراث الوطني وتعزيزه، فإنها رائدة في هذا المجال، وبدون منازع (نعطي مثالًا هنا بالمكتبات الوطنية في إنكلترا، فرنسا، ألمانيا، المغرب... ويمكن أن نضيف أسماء أخرى إلى أكبر المكتبات في العالم). قد تختلف مهام هذه المكتبات، ويتم تحديد هذه المهام عمومًا في القانون الخاص بكل واحدة منها، وهو يختلف من بلد إلى آخر، ولكنها تشتمل عمومًا على جميع منشورات البلد (سواء المطبوعة أو الإلكترونية) بواسطة الإيداع القانوني، فضلًا عن التعريف بها والإعلان عنها وحفظها.
حسب بعض الأشرطة الوثائقية عن بعض المكتبات في العالم، الصين مثلًا، أصبحت المكتبات مكانًا تلتقي فيه الأسر رفقة أبنائها قصد تحقيق لحظات من التسلية والترفيه من خلال مشاهدة الأفلام والاستماع إلى الموسيقى (عكس الدور التقليدي الذي يدافع عنه أومبرتو إيكو، الذي دعا إلى إلغاء المراحيض والمطاعم من المكتبات، حفاظًا على قدسيتها ورمزيتها المثالية). وإذا قمنا بتأمل الوضع المؤسساتي لكل مكتبات العالم، يؤكد بيار كاربون، ونظرنا إلى مهامها وطبيعة مقتنياتها، فإننا سنجد أن الكثير منها لها وضعٌ مختلط، وطني وجامعي (على سبيل المثال في دول يوغوسلافيا السابقة). ونجدها في بلدان أخرى تلعب دور مراكز التوثيق العلمي. وهناك صنف آخر من المكتبات التي يتمّ جمعها مع الأرشيفات الوطنية (مثلما هو الأمر في كندا والنيجر، في المغرب، مثلًا، تم الفصل بين المكتبة الوطنية وأرشيف المغرب). وهناك دول رائدة في تشييد مكتبات برلمانية، مثل الولايات المتحدة واليابان.
لنتّسم ببعض من التواضع، ونعترف أن الدول العربية ما زالت بعيدة شيئًا ما عن هذه المكتبات الأوروبية أو الأميركية أو في بعض الدول الآسيوية، مع العلم أن بإمكانها إنشاء ما يضاهيها، لكن غياب الرغبة والإرادة بكل أنواعها، وفي مقدمتها الإرادة السياسية، جعلت إنشاء مشاريع حضارية مثل هذه في آخر قوائم الاحتياجات. كما أن بعض فئات المواطنين العرب غير مشغولين إطلاقًا بهذا الحقّ الضروري، وأذكر في هذا السياق قيامي بزيارتين إلى المكتبة الوسائطية في مدينة خريبكة المغربية. المكتبة عبارة عن منشأة هندسية وعلمية شامخة، تحتوي على جلّ المَرافق التي يحتاجها القراء والباحثون، من أجنحة خاصة بالأطفال، والرقميات، وأجهزة خاصة لمساعدة المكفوفين على القراءة، وهو حلم تحول إلى واقع في مدينة صغيرة بها مدارس، وثانويات، ومركز لتكوين المعلمين، وجامعة متعدّدة التخصصات. لكن المشكل هو غياب شبه تام للقراء وخلو الأجنحة من الرواد. وهكذا تمرّ الأيام على مكتبة ضخمة وصامتة على مرّ الزمن.
أما بعض المدن الصغرى الأخرى، وفي جميع الجهات، فتكاد تفتقد إلى مثل هذه المكتبات. بل الأكثر من ذلك هو اختفاء حتى المكتبات الخاصة. وأصبح اسم "مكتبة" يطلق على دكاكين صغيرة تبيع الأوراق والأقلام ومواد الصباغة الخاصة بالرسم. وهذا في معظمه هو ما تطلبه المدارس في بداية كل موسم دراسي. هذا مع العلم، أن المكتبات في المجتمعات المتقدمة تشهد تغييرات جذرية، منذ العقد الماضي، مدفوعة بالثورة الرقمية والتغيرات التي حدثت في هذه المجتمعات، بحيث أصبحت هذه المكتبات تجتهد لتوفير المعلومات والمعارف لمستخدميها.
إن المجتمعات العربية في حاجة إلى توفير هذه المعارف، وذلك من خلال المكتبات بوصفها فضاءات للذاكرة المادية والافتراضية.


تحميل المقال التالي...