بدأ الكاتب والفنان التشكيلي الأردني (من أصل فلسطيني) محمد الجالوس ككاتب قصة قصيرة، فأصدر مجموعتين قصصيتين: "ذاكرة رصيف" (1984)، و"أصابع مليحة" (2018). لكنه اختار بالأساس أن يكون فنانًا تشكيليًّا، فأصبح واحدًا من الفنانين العرب البارزين، الذين عرضوا أعمالهم في معظم العواصم العربية، وتقتني أعماله متاحفُ عديدة في العالم. وها هو يعود إلى الكتابة السردية، فينشر عملًا يتأرجح بين النص الروائي وشذرات من السيرة الذاتية.
في كتابه "طفولة ناقصة" يطمح محمد الجالوس إلى استعادة ذكريات الطفولة، بأحلامها، وهواجسها، واستبهاماتها، وشواغلها، التي تحاول الذاكرة انتشالها، وربما إعادة تشكيلها، بعد سنوات طويلة، غابت فيها تلك الذكريات، وطمرتها مشاغل الحياة اليومية، والتحولات التي طرأت على مسار حياة الشخص الناضج الذي يروي عن الطفل الصغير فيه. وتبدو سن ما بين السابعة والتاسعة البؤرة التي يصوغ منها الكاتب شواغل الطفل، وهواجسه، وأحلام يقظته. ولربما تكون تلك المرحلة العمرية، التي اختارها الكاتب، ليبدأ سرده منها، تيمنًا بالكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، الذي يخصُّه الكاتب بالمديح، ويسعى إلى التشبُّه به، لكون ماركيز يَعدُّ كلَّ ما أنجزه، تقريبًا، نتاجَ تلك المرحلة العمرية، التي تشكَّل فيها استكشافُه للعالم من حوله، وانفتاحُه على بئر الحكايات، التي كانت ترويها له جدته. الشيءُ نفسه، نجده لدى محمد الجالوس، الذي يعيدُ شغفَه بالحكايات، والمرويات الشعبية، إلى جدته لأمه، وكذلك إلى مرشد، الشخص المجهول الأصل، الذي كان يعمل مع والده في المزرعة. والسارد، في "طفولة ناقصة"، يفصح أنه لم يكن يملُّ، من الاستماع إلى حكاياته، وانتظار حلقاتها المتباعدة، إذ يغيب مرشد، أيامًا وأسابيع، ليعود ويستكمل حكاياته، من حيث انقطع.
لربما من هذا الشغف بالحكايات، والحيوات الغريبة، الفريدة من نوعها، للشخوص التي يحكي عنها كتاب "طفولة ناقصة"، خصوصًا ساكني مخيم الغجر، المجاور لمخيم الوحدات الفلسطيني، في أطراف عمان، خلال ستينيات القرن الماضي، تنبع خصوصية هذا العمل الذي يتأرجح، في تصنيفه، بين النوع الروائي، والسيرة الذاتية. ثمَّة تركيزٌ شديد على تتبع حياة النَوَر (وهم يشكلون طيفًا واسعًا من الأنماط البشرية، في هذا العمل)، وسردٌ لحكاياتهم، وانشغالٌ شديدٌ من قبل الطفل السارد بكلِّ مفاصل حياتهم، في أثناء رحلته اليومية إلى مدرسته الابتدائية، عابرًا مخيمهم، ومتطلعًا إلى معرفة ما يدور في خيامهم، وما يحكى ويُتداول، بين الناس، عن هذه المجموعة البشرية، التي يصفها الشخص الناضج، الذي آل إليه الطفل، بأنهم تجسيدٌ للحرية المطلقة، التي حلم الطفل (ولربما الكاتب والفنان الذي صار إليه هذا الطفل في مقبل الأيام) أن يقلدها.
لكن حكايات النَّوَر، رغم أنها تشكل عصب هذا العمل السردي، ليست وحدها ما يرويه الطفل، أو السارد الناضج، أحيانًا، بل ثمَّة ما يتقاطع معها من حكايات عائلة السارد، وأقاربه، ومن يسكنون قريبًا من مخيم الغجر، ومعلمي مدرسته. يضافُ إلى هذه الحكايات أيضًا، تلخيصٌ لأفلام عن الغجر، مثل فيلم "مخيم الغجر يصعد إلى السماء" (1975)، للمخرج إميل لوكيانو، المأخوذ عن قصة مكسيم غوركي عن "رادا" و"زوبار"، ؛ وحكايات عن شارلي شابلن وأمه الراقصة، والرسام بول غوغان وهجرته إلى عالم الحرية في هاييتي، وتخصصه في رسم فتياتها الجميلات العاريات. كما تتقاطع مع حكايات الغجر حكاياتُ ساكني مخيم الوحدات ممن هُجِّروا من وطنهم فلسطين، عام 1948، أو أقارب الطفل السارد الذين نزحوا من مخيماتهم قرب أريحا، ليقيموا في بيت والده، بعد هزيمة 1967، وحكايات أفراد عائلته الذين هجَّرتهم العصابات الصهيونية من قرية والده "قزازة"، وقرية أمه "النعاني"، الواقعتين قرب الرملة، جنوب فلسطين. كما يعرِّج الراوي على انتصار الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية على الجيش الصهيوني في معركة الكرامة عام 1968، وحلم الطفل في أن يكون واحدًا من الأشبال الذي يحملون السلاح لاستعادة فلسطين، بعد نكسة 1967.
تشكَّل كل تلك الحكايات، والمرويات، واستيهامات الطفل، كذلك، واسترجاعات الشخص الناضج (الذي آل إليه)، وكذلك تأملاته، وتدخلاته في قطع السرد، وتقديم مادة تاريخية، عن الغجر في العالم، وأقربائهم "النور" في فلسطين والأردن، نسيجَ كتاب "طفولة ناقصة"، ومادته التي يحاول فيها الكاتب تصوير حقبة تاريخية من حياة مدينة عمان، وعالم الهامش فيها، الذي تقاطع، بوضوح، مع حياة الفلسطينيين الذين تدفقوا على أطراف المدينة، بعد نكبة 1948، ونكسة 1967. ومع أنه، كما قلنا سابقًا، يعطي مساحة واسعةً للحديث عن حياة النّوَر، ويجعل حياة الطفل السارد، وأهله وأقاربه، تقيم على حواف مخيمهم، إلا أن التقابل بين حيوات "ناعِم"، و"جواهر"، و"أمينة"، و"كنون"، و"خلَّة"، و"عبود"، و"فريدة وَلَّع"، وغيرهم من النور، مع حيوات الفلسطينيين، من سكان مخيم الوحدات، ذات دلالة أساسية ومعنى ضمني كامن. صحيحٌ أن الكاتب جعل من السارد الطفل البؤرة التي نرى من خلالها حياة الغجر، لكنه أعطى للشخص الناضج، الذي صار إليه ذلك الطفل، أن يحكي طَرَفًا من حكايات اللجوء، وكذلك المقاومة. فما يقيم في حكايات هؤلاء، وحكايات أولئك، هو سؤال الحرية، بغض النظر عن ماهية هذه الحرية، وشكلها، وأسبابها التاريخية، ودوافعها، وماهيتها. فالحرية هي ما يحلم الطفل السارد به، وهي ما يهجس به على الدوام، ويسأل نفسه عن معاش الغجر، المقيمين في الهامش، الراضين بشكل حياتهم، الرافضين الاختلاط بالآخرين، من غير بني جلدتهم.
أودُّ أن أن أشير، أخيرًا، إلى مسألة أساسية تتعلَّق بالتصنيف النوعي، أو تجنيس العمل، أو تحديد صنفه الكتابيِّ، نظرًا للالتباس الذي قد يثيره تصنيف الكاتب لعمله كـ"رواية"، كما هو مشارٌ إليه على غلاف الكتاب. فتداخل هذا العمل مع السيرة الذاتية للكاتب، في مقاطع أساسية من الكتاب، وفي حديث الكاتب عن نفسه، وعن مآلات حياته، يجعلنا نعيد النظر في تصنيف الكاتب لجنس عمله. فالكاتب يصنِّف عمله بأنه رواية، وفي قطاع من النقد الذي يعطي للكاتب الحق في أن يصنف عمله، كما يشاء، تبدو هذه المسألة مقبولة، لأن الكاتب قَصَدَ أن يكون نصُّه رواية، أو شعرًا، أو قصة قصيرة، أو سيرة ذاتية، إلخ. فالقصدُ، إذًا، معيارٌ من معايير التجنيس، أو التصنيف في دائرة الأنواع الأدبية. وعلى هذا الأساس يمكننا الإقرار بأن ما كتبه محمد الجالوس في "طفولة ناقصة" هو عملٌ روائي، يحوز من صفات الرواية ما تحوزه كثيرٌ من الروايات التي نعثر فيها على مساحات من السرد الذاتي، والإشارة إلى أحداث وأشخاص وذكريات تخصُّ الكاتب.
ثمَّة مقتَرَبٌ آخر لعملية التجنيس، يتصل باستخدام الكاتب كلَّ ما يتصل بالنوع الروائي، من وصف للشخصيات، ووصف للأمكنة، وسردٍ للأحداث، وتقديمٍ وتأخير، ووضع للكون الروائي في سياق التاريخ، ومباعدةِ الذات الساردة نفسَها عن الأحداث، وعدم قول السارد إنه يتطابقُ تمامًا مع الكاتب الذي اصطنعه، إلخ ما يتسم به السرد الروائي من طرق للسرد وتقديم العالم. ونحن نعثر في "طفولة ناقصة" على كلِّ هذا. لكن الكاتب يخترق السرد، في مواضع عديدة وبارزة، من العمل، إنه يُفصح عن نفسه، ولا يتوارى خلف سارده. يقول أنا محمد، الذي صار كاتبًا وفنانًا تشكيليًّا، فيما بعد. كما يقول: بعضُ هذه الشخصيات من أهلي وأصدقائي. وهذا ما يسلك الرواية في صنف السيرة الذاتية.
لكن "طفولة ناقصة"، بالرغم من ذلك، ليست رواية خالصة، وليست سيرة ذاتية، بل هي نوعٌ يهجِّن الشكلين معًا. وهو أمرٌ مقبولٌ في نظرية الرواية التي تسمي هذا الشكل من أشكال الكتابة رواية أوتوبيوغرافيةـ أو رواية سيرَ ذاتية، حيث يحضر الكاتب اسمًا، وشطرًا من الحكايات الشخصية، ويختفي خلف سارد، يبدو مصطنعًا، وذاتًا روائية، غير واقعية. وهذا شيء مألوف في الكتابة الروائية، بدءًا من "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست، وليس انتهاءً بكثيرٍ من أعمال ميلان كونديرا الروائية. ولعل ذلك يعكس طبيعة العصر الحديث، بصعود الذات الفردية فيه، وانسحاقها، في الوقت نفسه، وتهميشها، تحت وطأة العصر الرأسمالي، الذي يتحول فيه البشر إلى أرقام، وإلى ذوات فردية واهمة بأهميتها.


تحميل المقال التالي...