}

"فوات الأوان": عن الألعاب اللغوية والمعنى الذي يتحوّل لأثر

نجاة علي 25 يوليه 2025
آراء "فوات الأوان": عن الألعاب اللغوية والمعنى الذي يتحوّل لأثر
اعتمدت بنية القصائد على المحاكاة الساخرة
أظنني حين طالعت ديوان "فوات الأوان" للشاعر المصري محمد أبو زيد، الصادر حديثًا عن دار ديوان في القاهرة، وجدتني أتوقف أمامه وأستدعي إلى ذاكرتي ما كتبه الناقد المصري إيهاب حسن عن "أدب ما بعد الحداثة"، خاصة كتابه "تقطيع أوصال أورفيوس: نحو أدب ما بعد حداثي".
وبعيدًا عن أن مصطلح "ما بعد الحداثة" نفسه تعبير ملتبس، لأن له قدمًا في الحداثة وأخرى خارجها، إلى جانب أنه أيضًا مزيج من الحداثة ونقيضها، فإن ما يشغلني هنا في هذا السياق هو ما طرحه إيهاب حسن (وألمح له في تصديره لهذا الكتاب) عن تصوره لمفهوم الصمت، وما كتبه عن مبدعين استسلموا له، إلا أنه لم يكن حقيقة فمجازًا؛ حيث إنهم سعوا إلى مجاوزة صمت معقد، إنهم – من وجهة نظره- أشبه بأورفيوس حديث على قيثارة بلا أوتار (من هنا كان عنوان الكتاب) وقد تبين أن خيالهم هو العضو الغائي للتطور. إن أورفيوس يرتضي أن تقطع أوصاله، وهذا هو المعنى الحقيقي للطليعة.
الصمت - إذًا- بحسب إيهاب حسن، هو استعارة تعبر عن لغة تجسد- بأنماط نغم خشنة مستخفية – توترات الإنسان الحديث كما تنعكس على صفحة الفن.
يتطلب الصمت كذلك دورًا تخريبيًا دوريًا للأشكال الفنية مما يولد "أشكالًا ضد" تشهد على انعدام الشكل، وهذه "الأشكال الضد" تعارض التحكم والانغلاق والسكون والغائية والنموذج التاريخي.
وثمة مقولة لإيهاب حسن يتردد صداها في رأسي وأنا أتابع تلك النزعة التجريبية الواضحة في تيار الشعرية الجديدة: "عندما يتلطف الكاتب بوضع كلمات على الورق، فهو ميال لتصوّر ما هو ضد الأدب، إما بحدث صرف وإما بلعب غير ذي جدوى".
لهذا أتصور أن قارئ الشعر العادي (غير المدرب) حين يقرأ ديوان "فوات الأوان" سوف يصدم في البداية، ويتساءل في حيرة، منطلقًا من المفاهيم التقليدية للشعر التي تربى عليها، عن مدى انتساب هذه القصائد إلى الشعر!!
ولهذا أظن أن على هذا القارئ أن ينتبه ويدرك جيدًا- إذا أراد فهم وتذوق هذا الشكل الجديد من الكتابة الشعرية- أن الأجناس الأدبية كلها (والشعر من بينها بالطبع) ما هي إلا مفاهيم تم استخراجها من واقع تاريخي، غير أن التاريخ الذي هو عبارة عن تغير لا يتوقف، لن يظل جامدًا ليخضع لفكرة ثابتة أطلقها أحد المنظرين، وفي بعض العصور لعب هذا الأخير دور الطاغية بالنسبة إلى المبدع الذي ضحى بحريته على مذبح الأجناس الأدبية، بعد أن أخذ يعذب نفسه وتحول إلى جلاد وضحية في الوقت نفسه.
فلم يعد الشعر الجديد- بأية حال- يتحرك في إطار المفهوم الضيق للشعر القديم الذي كثيرًا ما عُرّف بأنه: "الكلام الموزون المقفى الذي يدل على معنى"، هذا على الرغم من أن هناك من النقاد القدامى من أمثال عبد القاهر الجرجاني الذي هَمّش (شرط الوزن والقافية) في رؤيته للشعر باعتباره ليس كافيًا لتحقيق مبدأ الشعرية، بل إنه ذهب في كتابه "دلائل الإعجاز" إلى أن: "الوزن ليس هو ما يجعل الكلام شعرًا، بل يمكن للكلام أن يكون شعرًا بغير الوزن؛ فليس بالوزن ما كان الكلام كلامًا ولا به كان كلامٌ خيرًا من كلام".
ولعل الشاعر محمد أبو زيد نفسه قد سخر في عدد من قصائد هذا الديوان من تلك النظرة التقليدية الجامدة للشعر، بل من نقاده التقليديين أيضًا منها مثلًا: (مقبل مدبر معًا)، و(بالمناسبة... ليس الخليل بن أحمد الفراهيدي وحده من يملك ميزانًا):
"قبل أن ينطق يزن كلامه بحرص، حرفًا حرفًا، نقطة نقطة، جرامًا جرامًا، الكلمة التي تتعدى كيلوجرامين يخصصها لأعدائه، أما أحبته فيكتفي معهم بحروف العطف. الفاصلات والفواصل المنقوطة يضعها في كيسين منفصلين داخل جيبه حتى لا تتعارك. المصطلحات الكبيرة التي تتعدى عشرة أحرف يرصها أمام طلابه لاختبارهم، ولا ينتبه أنهم، عندما يقفزون من فوقها كخيول القدرة، ينكفئون على وجوههم في الجهة الأخرى". (الديوان، ص 17).

تسعى هذه القصائد أيضًا إلى تمثيل "جنون العالم"، فهي تبرز كل حالات اللاتوازن واللايقين والنسبية التي يعيشها الإنسان الذي تحول إلى آلة، فقد أصبحت التكنولوجيا هي الناقل الأكبر للتشيؤ، وجعلتْ الإنسان نفسه شيئًا لا يشعر كأنه "تمثال من حجر"، وارتضى أن يدخل برجليه مصيدة اغترابه، وكلها حالات لا تحضر عبر السرد الشعري فحسب، بل داخل المستوى اللغوي أيضًا:
"المسألة بسيطة يا أولاد؛
هكذا نقتل الوقت:
1- بمقصلة
2- بسكين
3- بالصمت
نجلس مقرفصين في الهواء، أمامنا الصحراء ممددة على بطنها، ننتظر ما سيأتي من بعيد، نعرف أن شيئًا لن يأتي، لكننا لا نريد أن نفقد الأمل".
(الديوان، ص 35).

المحاكاة الساخرة والألعاب اللغوية

أظن أن الصمت في هذا الشكل من الكتابة الشعرية الجديدة تحقق كذلك من خلال التهكم المتطرف، وهو اصطلاح يتم استخدامه لأي عبارة تحوي إنكارًا ساخرًا. وربما بقليل من التأمل سنكتشف أن نزعة التهكم المتطرف تهيمن على كل قصائد الديوان تقريبًا، ونلمحها كذلك في أغلب عناوين القصائد.
وقد اعتمدت بنية القصائد في الديوان أيضًا - بشكل ملحوظ - على «المحاكاة الساخرة»- parody. ولعل السبق لصك مصطلح «المحاكاة الساخرة» في النقد الأدبي الحديث، يعود إلى الناقد الروسي ميخائيل باختين (1895-1975) الذي تتبع جذوره الأولى في الموسيقى، وكانت تعني في الأصل "الغناء على هامش الجوقة أو معها بصوتٍ مختلف"، غير أن التقليد الكتابي لم يهتم، ولم يحتفظ بهذا النوع الذي يعني "إنشاد كلام ما مع تحريفات لإعطاء معنى مختلف". وانطلاقًا من هذا، درس باختين البناءَ اللغوي في أعمال دوستويفسكي وفرانسوا رابليه كاشفًا عن كيفية حضور المحاكاة الساخرة داخل النص، حيث يوجد: «لغتان، أسلوبان، وجهتا نظر لغويتان، فكران لغويان، وفي الحقيقة ذاتان كلاميتان، إلا أن إحدى هاتين اللغتين ذات حضورٍ شخصي، أما الثانية فذات حضور غير مرئي بوصفها خلفية فعالة»، لينتهي إلى أن المحاكاة الساخرة من أقوى الأساليب التي تُحقق التفاعل بين النصوص على مستوى اللغة. وقد كشفت بعمق هذه المحاكاة الساخرة في قصائد هذا الديوان عن تلك المسافة التي تفصل بين وعيين، وعي الذات المتكلمة الساخرة (المتأملة والمتساءلة في الوقت ذاته) في النص ووعي آخر قديم حضر بوصفه خلفية لنص قديم. فنجد أن اعتماد الشاعر على المحاكاة الساخرة قد مكّنه من أن يجد مساحة كافية لممارسة الألعاب اللغوية بحرية كاملة؛ حيث تمكن من أن يتلاعب باللغة ذهابًا وإيابًا داخل القصائد ولا يعير البناء الشعري التقليدي أي اهتمام.
وإذا كانت كلمة "لعبة" ترتبط في أذهاننا – على نحو ما- بالشيء الهابط أو التافه أو ما إلى ذلك، فإنها في سياق الفلسفة اللغوية لا تحمل شيئًا من هذه الإيحاءات، بل قد تعني استخدام اللغة بطريقة مبدعة أو مبتكرة، مثل: "التلاعب بالكلمات"، أو" الاستعارات"، أو حتى "استخدام التراكيب غير التقليدية".
ولو أننا تأملنا قليلًا في لعبة الشطرنج –على سبيل المثال- لاتضح لنا المعنى، فهي بمثابة مجموعة من الأنساق والنظم كالنظام النحوي والنظام الدلالي والنظام الوظيفي، التي تتوازى جزئيًا وتتقاطع جزئيًا من أجل تحقيق أهداف محددة. وكما أن نظام رقعة الشطرنج يصنع حدودًا لنظم حركة القطع عليها فكذلك الأمر بالنسبة إلى الحياة البشرية، فهي الإطار المرجعي الذي يحدّد حركة النظم اللغوية المختلفة، كما أنها تجعل للأهداف الأخيرة من هذه النظم مغزى.
لقد باتت اللغة في هذا النوع من الكتابة الشعرية، تميل أكثر إلى ممارسة نوع من تفكيك سلطات النصوص التقليدية؛ لذا صار من الصعب على القارئ الإمساك بالمعنى الذي يحضر متشظيًا ومتعددًا وغير محدد، حيث يتحول المعنى إلى أثر، أثر يدل من دون أن يظهر وهو ما يفتح الأفق للتأويل، ويجعل الفكرة والمفهوم أهم من الشكل المادي. ومعه تصير كل عملية كتابة، هي ممارسة لتفكيك اللغة وتمزيقها وإعادة كتابة مفرداتها، وتقويض اللغة هنا يكون لصالح السرد المتشظي.
نحن هنا- إذًا- أمام كتابة شعرية مغايرة لكونها تنتصر ظاهريًا للعبث والعيش في اللحظة، هربًا من العدم ومأساة الوجود. وتخفي الذات معاناتها ظاهريًا، حيث إن أعلى درجات الألم لا نتحسسها على مستوى الطبقة الجلدية الأولى، فكل شيء يحدث على مستوى السطح (النسيج) بنوع من اللعب الحر والمتداعي. وهنا ينبغي علينا ألا ننظر إلى هذه القصائد الشعرية باعتبارها انعكاسًا لشيء خارجي أو حتى داخلي، بل باعتبارها جسدًا مستقلاً بذاته موجودًا في العالم، وهو ما يجعله مفتوحًا على كل القراءات، ومن ثم فإنه يُدخل القارئ في نوع من الأخذ والرد في الوقت نفسه، ويجعله يمارس أيضًا نوعًا من اللعب في إنتاج عدد من التأويلات لها. 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.