ولعلّ الأهميّة المركزيّة التي يحظى بها التّلقِي تكمن في ملامسة الجوانب المهمّة للأدب، بصرف النّظر عن نظريّة النّوع، وإنَّما في التَّصوّر العام للفعل وما ينتجُ عن ذلك من قراءات تُحَدِّدُ مصير الرِّحلة الوجوديّة للنص المقروء وقيمته، وكذلك الآفاق التي يفتحها التّأويل. إن التَّلَقِّي ركيزة أساسيّة في بناء المعنى ومُتَخَيّل المُتَلَقِّي، فهو اليوم (أي المتلقِّي) لم يعد قارئًا عاديًّا مُستهلكًا، بل مُنتجًا ومُشاركًا في تشكيل المعنى والدلالات. من هذا المنظور، فإن التَّلقي الجيِد للنصوص والإنصات الأكثر تَقَبُّلًا وتأمُّلًا لمكنوناتها هو الطريق الوحيد للقراءة والتأويل، فهذه القراءة الواعية التي تتماهى مع وعي الكتابة فِعْلٌ ضروري لأيّ تفاعلٍ خلاَّقٍ مثمر، وكلّ قراءة خارج هذه المنظورات هي فعلٌ ناقص غير مكتمل ويحتاج إلى إعادة القراءة، وبالتالي إعادة النظر في زوايا التلقي والتأويل.
إن قراءة الأدب ليست عمليّة سهلة على الإطلاق، ومخطئ من يعتقد أنها عملية في متناول الجميع، ونقصد بالقراءة هاهنا، تلك القراءة المُعَمَّقَة في النُّصوص، الكاشفة عن جوهر اللغة والأسلوب والمعنى وكيفيات النهوض بالأفكار، لا تلك القراءة المُنَفِّرَة السطحية التي تُعيق الإفهام والفهم وتجعل القارئ في حيرة من أمره.. ماذا يقرأ؟ وكيف يقرأ؟ أظن، أن الظاهرة الأدبية منذ الأزل تضرب في التعقيد والغموض، قد نفهم أي شيء إلا الأدب، فهو عصيّ عن الفهم والقبض وإلا ما سُمِّيَ أدبًا، ففي حضرته تذوب المُسَلَّمات واليقينيات وتَحُلُّ مَحَلَّها الشكوك، فلا يقين في الأدب ولا يقين فيما يكتبه الأدباء، وهذه هي غايات الأدب: حِيَّازَةُ التأويل، ولكلِّ قارئٍ تأويله الخاص.
من هذا المنطلق، تأتي عملية التلقي التي عليها يتأسس التأويل، ولا بد هنا من أن يحصل التماهي المنشود بين المبدع والمتلقي كليًّا أو في جانب واحد على الأقل، لأنه لا معنى للكتابة بدون توقعات القارئ أو فهم لمرجعياته ومنطلقاته، وإلا تُهْنَا ودخلنا عنوةً إلى منطقة العماء الكليّ، فالقارئ الآن، وفي هذه اللحظات الفارقة في تاريخ الأدب المعاصر، مطلوب منه الانخراط في سيرورة الأفكار وتموجات التاريخ. لقد ظلت نظريات الأدب تولي أهمية قصوى للمبدع والأدب بدون إعطاء القارئ/ المتلقي أية أهمية، وكأنه غير معنيّ بهذه الاختراقات والكشوفات. في كل إبداع ثمّة ضوء، وعلى القارئ أن يتلمس هذا الضوء لمجابهة العتمة الكائنة في الثنايا، وكل قارئ لا يستطيع النفاذ بشكلٍ مُعَمَّقٍ إلى الكتاب، هو قارئ عابر، قارئ بلا نسق ولا تاريخ ولا منهج، والأكيد أن مصيره سيكون النسيان والطمس والإرجاء.
على القارئ أن يُزيل الجدار الحاجب بينه وبين الكاتب، وأن يكون مؤثرًا في عملية التلقي، لأن شرط وجود النص والبقاء على قيد الحياة رهين بقارئ واعٍ متمرِّسٍ خبير بالسراديب الداجية للكتابة، فهي (أي الكتابة) عمقٌ وتجسيدٌ حقيقيٌّ لتجربة الكاتب ومظهرٌ من مظاهر الوعي الوجودي ومعرفةٌ مغايرة ومختلفة بالعالم وأسراره. إن هذا الجدار الحاجب كما تَنَبَّهَ إلى ذلك الناقد العراقي حاتم الصكر، يعزل ويحجز ويمنع أي شكل للصلة، فلا يستطيع القارئ المحجوب عن حقيقة الكتابة وجوهرية الأشياء أن يتمدد خارج الزمن وخارج الأفق الذي ترسمه الكتابة. من هنا، تبدو مهام القارئ ملازمة لوجود النص والكاتب في الآن نفسه، وكم هي عديدة الكتابات التي مَسَّهَا الإطمار والإخفاء وطاولها النسيان رغم أنها في العمق كتابات في شكلها الذروي عميقة ولانهائية في المعنى، لكنّها لم تجد ذلك الغواص الماهر القادر على الانتقال من قراءة عمودية تراتبية إلى قراءة تطويرية أفقية بمقدورها إزالة الحجاب والجدار معًا. بهذا المقياس تصير القراءة عبئًا وتَعَسُّفًا وانعكاسًا لتَلَقٍّ محدود، ولا يستطيع من خلالها القارئ النفاذ إلى ذلك التعالق المنشود، وهو ما يعني خرق شرط الميثاق القرائي. ما نُلِحُّ عليه ونُشَدِّدُ عليه هو فهم ما يُقال وفق مفهوم أبي تمام للتلقي والقراءة، لا أن يكون القارئ محدود الأفق معدوم الذخيرة غير القادر على الحيّازة والتماثل مع ما يقرؤه. القراءة أفق، توقع ذاتي وجمعي إزاء المقروء وفعل القراءة، فالمبدع وهو يكتب يُفَكِّرُ في القارئ، وقد يكون هو نفسه أوّل قارئ وآخر قارئ بحسب درجات الوعي والسياق وسمك الجدار وشفافية الحجاب.


تحميل المقال التالي...