}

في رحيل زياد الرحباني: حياة متمرّدة بمعانٍ كثيرة

دارين حوماني دارين حوماني 29 يوليه 2025


"أقول لأمي: ما دمت أنا لا أحب أن أرحل/ وأنت لا تحبين/ فلماذا أرحل؟/ وتقول: لست أدري!"... "صرت أخاف أنْ أطيل النوم/ كي لا يذهب الجميع وأظل وحدي/ لا يعود شيءٌ يخيف/ إنْ صرناه"- كتب زياد الرحباني هذه التأملات الشعرية في مجموعته "صديقي الله"، حين كان في الثانية عشرة من عمره، لكنها ليست تأملات فحسب، بقدر ما هي نصوص حيّة، ليست من اختراع الماضي، بل نعيشها كأن زمننا زمنها، وماضيها حاضرنا، كأن زياد يقولها لفيروز الآن، أو كأنه يخبرنا أنه يريد أن يطيل في النوم لأنه لم يعد يخافه... زياد الرحباني الشخصية الاستثنائية التي يتفق الجميع على عبقريتها ويتفق الجميع على كونه حالة فكرية نقدية لا تتكرر، سواء من محبّيه أو من المختلفين معه فكريًا، بدا مختلفًا منذ بداياته، كان لديه ما يقوله باكرًا جدًا، فها هو يكتب أيضًا في تأملاته: "كلُّهم يعرفون أن دقيقة العمر، مرّةً تأتي/ ويعرفون أن الفرح فيها أحلى من الحزن/ لكنّهم لا يصدقون أنفسَهم".

يغادرنا زياد الرحباني (1956-2025) الموسيقي، الشاعر، الكاتب، المسرحي المتمرّد، عن عمر يناهز نحو سبعين عامًا بعد أن اختار لسنوات أن يكون بعيدًا عن الواقع. هل كان يتألم؟ هل كان يكتب؟ هل كان يعزف؟ هل عرف أن الحرّ جورج عبدالله عاد من منفاه الإجباري قبل يوم واحد فقط من موته؟ هل مات لأنه قال كلّ ما يمكن أن يُقال أمام مذابحنا... نتذكر رثاءه لجوزيف سماحة: "جوزيف سماحة بالنسبة إلي مات وكأنه استشهاد قسريّ، كأنه اغتيل تدريجيًا وبهدوء"، هكذا نفهم موت زياد اليوم في ظل الحروب اللامتناهية لتصفية كل صوت حرّ منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كأنه اغتيال نفسي على دفعات. وإن كنا نعلم أن زياد توقف عن أخذ أدويته قبل أيام من موته، لشعوره بمرارة الحياة المتبقية، كاسرًا فرضية "إيه في أمل"، فإن خوفنا على الحرّ الأخير جورج عبدالله من تصفية صوته هو خوف مشروع ومتقدّم.


عندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، اختار زياد الرحباني أن يعيش في بيروت الغربية؛ يعبّر عن ذلك ذات حوار أُجري معه، فيقول بأن مجزرة تل الزعتر هي التي حدّدت أين يجب أن يكون. من الانحياز للمظلومين انطلق زياد، فناصر القضية الفلسطينية، وكتب عنها "الفلسطينيون هم الأساس، وهم من سيحرّرون فلسطين. مهما فعلنا في لبنان أو سورية، فإن الفلسطينيين وحدهم يصمدون بصبر يفوق التصوّر". وسنّ زياد سكين قلمه في المسرح في نقد عميق وساخر لما كان يسمّيه "تحالف السلطة والمال والدين".

كانت بداية زياد خارجة عن مألوف الرحباني في العمل المسرحي، فإذا كان والده لم يختر في مسرحه فقط أن يصوّر الواقع، بل أن يتجاوز لبنان واقعه نحو الكمال بطرائق أشبه بالحلم، فإن زياد ذهب في النقد الساخر حتى النهاية، فكان الواحد منا يضحك ويحزن في الآن نفسه. لقد شكّل مسرح زياد علامة فارقة، فنقل تصوّراته لنا عن الحياة بأشكال متعددة، وكان انتماؤه إلى العدالة الإنسانية هو المحرّك الأبرز لكل كتاباته وخياراته ومواقفه، منذ أول مسرحية له بعد "سهرية" (1973) التي أنجزها وهو في عمر 17 عامًا، وهي المسرحية التي كتبها ولحّن أغانيها ومثّل فيها وكانت قريبة من مسرح الأخوين رحباني، لكنه ما لبث في عام 1974 أن تبعها بمسرحية "نزل السرور" التي شكّلت قطيعة زياد الفنية مع الخيط الرحباني، واعتُبرت المسرحية بمثابة نذير للحرب الأهلية اللبنانية، وكان قد استلهم فكرتها من حادثة احتجاز الرهائن داخل "بنك أوف أميركا" يوم 18 تشرين الأول/ أكتوبر 1973. وتناول في "بالنسبة لبكرا شو" (1978) بأسلوب ساخر قضايا الخيانة والانتماء والوضع السياسي الهش. أما "فيلم أميركي طويل" (1980) فكانت تصويرًا ساخرًا لواقع لبنان خلال الحرب الأهلية، وتدور أحداثها في مستشفى للأمراض العقلية، شخصياته هم مرضى عاصروا تلك الحرب ويشكّلون نماذج مختلفة من المجتمع اللبناني. وتبعها عدد من المسرحيات منها "شي فاشل" (1983)، و"بخصوص الكرامة والشعب العنيد" (1993)، و"لولا فسحة الأمل" (1994). كل عمل منها كان نموذجًا في الحفر الإنساني والاجتماعي والنفسي. وكان برنامجه الإذاعي "العقل زينة" في إذاعة صوت الشعب خلال ثمانينيات القرن الفائت محطة أخرى من تلك المحطات التي توقظنا، يتهكم فيها على السلطة والحرب والطائفية.


"الوطن مش شركة"...!
من مسرحياته نستعيد "ما بقا في يسار ولا يمين، في ناس جوعانة، وناس مش عم تشبع... صوتي مش سياسي، صوتي إنساني، بس يبدو الإنسان صار قضية سياسية... مشكلتي مع السياسيين إنو بيتخبّوا ورا الطوائف، وبيحكموا بإسم الله، وبيسرقوا بإسم الوطن... الطائفية مش دين، الطائفية نظام حماية للفساد... قسّمونا طوايف، وخَلّونا نحارب بعضنا، وكل طايفة عندا ربّها وعلَمها ونشيدها الوطني... نحنا شعب ما بيعيش بلا زعيم، حتى لو كان الزعيم هو سبب موتنا... بتحب الزعيم؟ طيب الزعيم بيعرف إنك موجود؟... بالنسبة لبكرا؟ شو بالنسبة لبكرا؟ بكرا في حرب، في قصف، في انفجارات، بكرا متل مبارح!... هيدا بلد عم ينباع متل البقدونس، وكلنا واقفين بالدور لنشتري حصة بالخيانة... السياسيين بيتقاتلوا عالتلفزيون، وبيتعشّوا سوا عالطاولة... الوطن مش شركة، بس عاملين الدولة شركة مساهمة، والشعب آخر من يعلم". هي مقتطفات من أعمال زياد الرحباني، وهي قليل من كثيره، هو الذي شكّل حالة فكرية فنية نقدية استثنائية في مسرحياته، واستشرافية لما سيمرّ علينا.

وهو العبقري الذي بدأ الكتابة والتلحين منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره، ففي عام 1971، وضع لخالته هدى أول ألحانه الغنائية بعنوان "ضَلّي حبيني يا لوزية"، وكان أول لحن لفيروز مع أغنية "سألوني الناس عنك يا حبيبي" عام 1973، لكن زياد لم يضع اللحن للأغنية، بل كتب منصور الرحباني الأغنية لهذا اللحن الذي كان قد ألّفه زياد وأُعجب به منصور.

لا نعرف كيف حال فيروز اليوم، لكننا نخاف عليها (Getty, 28-7-2025)


صحيح أن زياد خرج من معطف الأخوين رحباني لكنه ما لبث أن ركن هذا المعطف جانبًا وتمرّد شعرًا وموسيقى، فكتب لفيروز بلغتنا اليومية، نحن المكتظّون بالوجع، المسحوقون في بلاد الانتماءات المذهبية والطائفية الحادّة، فملأ فراغاتنا بوعي آخر، خارج عن سكّة التطبيع مع الحروب اليومية، والأفكار المنهزمة. فكان أول ألبوم كامل لها "كيفك إنت" عصريًا وحاملًا عناصر تجديدية سبّب الكثير من النقد لفيروز، وعلى حدّ قول الكاتب الراحل طلال سلمان بأن زياد أنزل فيروز من السماء إلى الأرض؛ لكنها الأرض المرآة لنا يا طلال، تلك التي تؤلمنا، وتتكامل مع ملامحنا النفسية. وكان آخر ألبوم له لفيروز بعنوان "إيه في أمل"، مصرًّا على أمل في بلاد لم تعرف الفرح إلا كـ"وهم".

لقد كان أدب زياد أدبًا لاشخصيًا بقدر ما كان شخصيًا، لدرجة أنه احتلّ ذواتنا فشعرنا أنه يشبهنا، وأنه يكتب نقاط غضبنا ووجعنا نقطة نقطة. وكانت لزياد مقطوعات موسيقية صافية عبرنا فيها معه إلى خارج حدود هذا العالم. وفي الوقت نفسه، كان يعيدنا إلى الأرض.
تميز زياد بأسلوب موسيقي فريد ومتمرّد، مزج فيه بين روح الشرق الكلاسيكية وإيقاعات الغرب الحديثة. لم يتردد في كسر القوالب التقليدية، فجمع بين المقامات العربية وأنماط موسيقية مثل الجاز، البلوز، الفانك، وحتى الروك، ليُعيد تشكيل الهوية الموسيقية العربية بنفَس جديد وجريء. وقدّم توليفات غير مألوفة جمعت بين الأنغام اللبنانية والإيقاعات الغربية، ما منح أعماله نكهة خاصة يصعب حصرها في تصنيف واحد. وإلى جانب ألحانه الخالدة التي قدّمها لفيروز، أطلق زياد ألبومات غنائية بصوته ضمّت أعمالًا لاقت صدى واسعًا، من بينها: "عودك رنان"، "أنا مش كافر"، "إي في أمل"، "بما إنّو"، و"مارغريتا". كما لعب دورًا مهمًا كموزّع موسيقي، فساهم في صياغة ألحان لإنتاجات مسرحية وفنية وسينمائية، وأعاد توزيع أغانٍ تراثية بأسلوب عصري حيوي وتجديدي.

هجر زياد بيروت مرارًا، لكنها سكنته دائمًا وها هو يعود إليها هذه المرّة للأبد، بعد أن ترك فينا كلماته تبرق فينا، بقدر ما تلسعنا، بقدر ما تطهّرنا... يقول زياد "أنا مش ضد الموت، أنا ضد إنه يجي بلا معنى"، ربما كان يجب أن يقول "أنا مش ضد الحياة، أنا ضد إنها تجي بلا معنى"، وهو الذي راكم حياةً فوق حياة، بمعانٍ كثيرة، مع كل إيقاع وكل لحن وكل كلمة من كلماته الخالدة.

لا نعرف كيف حال فيروز اليوم، لكننا نخاف عليها، هي تعلم أنه كتب لها ولحّن لها الكثير مما يجمعهما، لربما تردّد على مسمعه الآن أول أغنية لحّنها لها "سألوني الناس عنك يا حبيبي" أو "دايمًا بالآخر فيه وقت فراق" أو "لأول مرة ما منكون سوا"... وهو الذي كتب عنها بعمر الثانية عشرة: "لو عددتُ درجات بيتي/ وكم من مرةٍ صعدتُها/ لكان هذا درجًا طويلًا/ يخترق السحب/ وَلو عددت ضحكات أمي لي/ لرافقتني طوال صعودي/ ووقعتْ من بعدي الضحكات على الدرج/ وأزهرتْ زهرا"... ربما عليك أن تعدّ دموعها بعد اليوم يا زياد...


الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.