من هو المثقف الطائفي؟
يسأل السياسي عن الضحية أولًا، ثم يقرر موقفه منها؛ لكن المثقف يتعاطف مع الضحية من دون أن يهتم بأصلها أو منبتها الإثني أو الطائفي أو القومي، هذه هي القاعدة الذهبية التي يمكن الانطلاق منها للحديث عن المثقف الطائفي، ومن هذا التفريق الحاسم نبدأ. المثقف، في جوهره، ضميرٌ حر لا ينحني لهوية قاتلة، ولا يتحصن خلف أسوار الطائفة أو العرق أو الأمة. من هنا شهدنا مواقف من مثقفين عالميين، مسيحيين، يهودًا، علمانيين، لادينيين، من الحروب أو الانتهاكات التي طاولت القضايا العربية أو الإسلامية، عازلين قناعاتهم الدينية أو أصولهم عن هوية الضحية. هذا هو البديهي الثقافي، يستند إلى الحس الأخلاقي ومفهوم العدالة وإدانة القتل. لكن ماذا يحدث عندما يتخلى عن هذه القيم ويصبح، هو ذاته، حاملًا لراية الطائفية؟ من هو "المثقف الطائفي" إذًا؟
سياق سوري: الطائفية كمحنة أخلاقية
في الحالة السورية، تعرّت الثقافة من قدسيتها في كثير من المحطات. منذ بداية الثورة عام 2011، وجدنا مثقفين يبررون القمع، لا بل يجمّلون صور الدبابات التي تدهس المتظاهرين، فقط لأنهم من طائفة "مغايرة"، أو لأن الثورة تهدّد "توازنات" طائفية يشعرون بأنها تحميهم. رأينا مثقفين يصطفون مع القتلة، لا لأنهم يجهلون الحقيقة، بل لأنهم قرروا أن يروا الحقيقة بعين واحدة. وبعضهم، بأسلوب ناعم، مارس التحايل اللغوي لتبرير الصمت، أو التواطؤ، أو تحويل الأنظار إلى "الوجه الطائفي للثورة" فقط، متجاهلًا الوجه الدموي للسلطة. ولكن، في نفس السياق، خرج الكثير من السوريين ضد نظام الأسد، لا بوصفه نظامًا علويًا، بل كونه نظام استبداد، وتظاهر ضده في دمشق العديد من الشخصيات الثقافية التي لم نكن نعرف أصول بعضهم الإثنية أو الطائفية. المثقفون السوريون الذين انتفضوا ضد الأسد كانوا من جميع القوميات والطوائف.
الخيانة بدأت بعد سقوط النظام، تمسك بعض المثقفين بالدفاع الأعمى عن النظام البديل/ المؤقت، فقط لأنهم يتقاسمون معه المنبت الطائفي أو الديني، فراحوا يهاجمون زملاءهم من المثقفين الآخرين، الذين تابعوا قضيتهم في النقد والوقوف ضد أية انتهاكات مهما كان فاعلها ومهما كانت الضحية، ليتهموهم بالطائفية إذا لم يكونوا من نفس المنبت الديني أو الطائفي. صارت تهمة الطائفية سريعة التداول، يركلها ككرة تجري بين الأقدام، كل فريق، ليضعها في خانة الفريق الآخر، فصار الجميع في هذه الحالة، موسومًا بالطائفية. كيف يمكننا اليوم، في ظل احتدام القتل، والدعوات التحريضية لتشريعه والاستمرار فيه، أن نأخذ نفسًا هادئًا عميقًا، متوقفين في وسط المباراة، وسط هياج الجمهور، لنقول: نقطة نظام! دعونا نعرّف البديهيات قبل متابعة لعبة القتل. المثقف الطائفي ليس ذاك الذي ينتمي إلى طائفة ما – فالانتماء أمر بشري. بل هو من يُخضِع رؤيته للعالم وقراءته للحدث والعدالة لمجهر الهوية الضيقة، فلا يرى القتل إلا حين يصيب "جماعته"، ولا تثيره المجازر إلا حين تطاول "هويته"، ولا يكتب ضد الظلم إلا إذا جاء من "الآخر". هذا المثقف يستخدم أدوات الفكر للدفاع عن مواقف سياسية أو دينية أو طائفية مسبقة الصنع، ويحوّل معجم الضحية إلى معجم اصطفاف. يسكت عن التعذيب إذا كان الجلاد من أبناء طائفته، ويشكك في رواية الضحية إن لم تكن "منه".
المثقف كأداة في يد السلطة
في الأنظمة الاستبدادية، لا تكتفي السلطة بالقمع الأمني والعسكري، بل تحتاج إلى "غطاء ثقافي" يشرعن وجودها، ويعيد تأويل القمع على أنه "حماية" أو "ضرورة وطنية". وهنا، يظهر المثقف الطائفي أو السلطوي بوصفه شريكًا ضمنيًا أو علنيًا في الجريمة. إنه لا يحمل السلاح، لكنه يمنح القاتل لغة ناعمة يبرر بها عنفه، ويوفر له المفردات الأخلاقية والسياسية التي تخدع العامة. ليس هذا الدور جديدًا. فالتاريخ مليء بنماذج من مثقفين تماهوا مع السلطة حتى الذوبان، بعضهم فعل ذلك عن خوف، وبعضهم بدافع المصلحة، والآخر عن قناعة. مقابل ذلك، كان هناك مثقفون واجهوا هذا التماهي بشجاعة، يمكننا التوقف أمام عشرات الأمثلة من كتّاب سوريين من عدة طوائف، كتبوا وحاضروا ضد نظام الأسد. من تجربتي الشخصية، وفي بدايات الحراك السوري، كنت مدعوة في ندوة في فرانكفورت، جمعتني بالكاتبة روزا ياسين حسن، وكانت تلك أول مرة ألتقي فيها بروزا، التي تحدثت بشجاعة عن انتهاكات النظام وهي قادمة من دمشق إلى فرانكفورت، ولم تكن حينها تقيم في ألمانيا. أذكر أنه بعد الندوة الكبيرة التي جمعتنا بجمهور متنوع من عرب وألمان، قال لي أحد الكتّاب العرب المعروفين والمشهورين: أنا خائف على روزا! ليست روزا التي لم أنتبه يومًا أنها علوية، الكاتبة الوحيدة التي ثارت ضد الأسد، فسمر يزبك أيضًا كانت قمة في الشجاعة، ولم تتوقف لحظة، منذ اندلاع الحراك وحتى اليوم، عن الوقوف ضد النظام، وكذلك رشا عمران ولويز عبد الكريم "الممثلة"، وأسامة محمد "السينمائي المعروف" وسوسن جميل حسن، ومحمد ديبو الذي اُعتقل في بداية الثورة وكتبتُ عنه في "طبول الحب" بدون أن أعرف بأنه علوي، وفدوى سليمان وأسماء كثيرة... لم يطرح أحد هؤلاء سؤال الأصل الطائفي للسلطة وهم يثورون عليها، لأن المكان البديهي للمثقف هو ضد السلطة، وأي مثقف يقوم بتبرير فعل السلطة، ينحاز عن دوره الطبيعي في الوقوف مع الهامش الضعيف، ليكون أداة مساندة للسلطة، التي ستقوم بدورها، في مرحلة لاحقة، بقمعه في حال حاول أن يتخذ موقفًا نقديًا يخصه هو نفسه. لأن السلطة الطائفية تحتاج دائمًا إلى واجهة ثقافية، تبرّر وتُمنطق، فهي تستفيد بشدة من المثقف الذي يلمّع صورتها، وهنا يظهر المثقف الطائفي كجزء من ماكينة السلطة، لا كناقد لها. يتحول إلى "شاهد زور"، أو "خبير تبرير". يفقد وظيفته الأساسية في قول ما لا يُقال، وإنارة ما يُراد له أن يُظلّم.
التجربة الدرزية
بعد سقوط النظام، تواصلت معي السيدة غادة الأطرش، كاتبة ومترجمة تقيم في كندا، تود مني أن أعطيها نصًا حول هذا التحوّل الساحر بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، للمشاركة في ملف عن الحرية في الأدب السوري. لم أنتبه للحظة، أن غادة، التي رشح لها اسمي الروائي فادي عزام، هي درزية، وبعد تواصلنا أرسلت لها نصًا، ستقوم بترجمته الصديقة آدي التي اعتادت على ترجمة نصوصي إلى الإنكليزية، وحين بدأت المشاكل في السويداء، أحسست بالخجل وأنا أراسل غادة، اطمئن عليها، لأنني أخاطبها كدرزية. صديقاتي وأصدقائي الكتاب الدروز كثيرون، أذكر منهم: ممدوح عزام، نجاة عبد الصمد، نوال لحلح...، لا أعرف كيف أتواصل معهم بوصفهم سوريين شركاء في المأساة الحالية، أم كدروز يتعرض أبناء مدينتهم أو طائفتهم للإبادة! أكتب لبعضهم ونتبادل الحديث عن الصدمة والألم ومحاولة فهم ما يحدث، مبتعدين عن أصولنا، فأنا، في النهاية، لست درزية، ومهما رفعت شعار التضامن مع الدروز بالقول: أنا درزية، لن أشعر بما يشعرون به. أن تكون مثقفًا اليوم، في سورية أو في أي مكان مأزوم، يعني أن تتجرّد من انتماءاتك الضيقة حين تكتب، بدون أن تتخلى عنها كهوية ثقافية أو اجتماعية. أن ترى القتل كقتل، لا كخطر على جماعتك. أن تسمي الظلم باسمه، سواء ارتكبه غريب أو قريب. فالمثقف الطائفي، مهما بلغ من فصاحة، هو مثقف مهزوم من داخله، عاجز عن الرؤية الشاملة، ومحبوس في قوقعة الخوف أو المصلحة أو اللاوعي الجماعي.
في زمن الفتن، يُمتحن المثقف مرتين: مرة بقدرته على قول الحق، ومرة بقدرته على قول الحق للجميع. أما المثقف الطائفي، فهو من اختار أن يكون صوت طائفته لا ضمير شعبه، لسان جماعته لا مرآة المأساة.


تحميل المقال التالي...