}

أُناسُ القلق: في معنى أن تولد على الحدود

فدوى العبود فدوى العبود 17 أغسطس 2025
آراء أُناسُ القلق: في معنى أن تولد على الحدود
فرناندو بيسوا (Getty)
والحدود هنا ليست سوى حالة "البين بين"، أولئك الذين لا يستطيعون أن يكونوا في ضفة دون أخرى، أو بتعبير فرناندو بيسوا "الذين يعانون معاناةً حقيقية ولا يشكّلون تجمّعًا، لأن من يعاني، يعاني منفردًا". إذ يُكتب لبعض الناس أن يكونوا شتاتًا من هذا وذاك، نتاج ثقافتين. نتاج الريبة في كل ما يعيشونه، هم ليسوا لا منتمين بل يمتلكون من الكلّ ولا يتملكّهم كلّ ولا جزء. لا يقنعهم مذهب ولا يأخذهم تيار، يقيمون بالقرب من الشرفة مستعدين دومًا للقفز وفك القيود.
أولئك الذين مرّوا بكل الأيديولوجيات ولم تقيّد سلاسل عبوديّتها كاحلهم، شعروا بالغرابة فعبروا اليمين واليسار، ثم وقفوا حيث لا يستطيعون أن يكونوا شيئًا في ذاته، لا يتموضعون في هوية واحدة بل هم تقاطع هويات، وهي ليست بثراء وتنوع هويات الروائي أمين معلوف التي تتبلور من خلالها الثقافات لتنتج عبر جدل هيجلي هوية جديدة؛ بل تتقاطع في أرواحهم عبر الرفض؛ رفضها كلها، إذ لا جديد ولا نتاج ولا هُجنة ثقافية بل موقف حرٌّ متحرّر.
هم يقيمون حيث تهبّ ريح الشك، ويتكثف سؤال الوجود، ويعانون الشعور بالتهديد الدائم من كل فكرة أو عقيدة تقيدهم إلى البركة الضحلة التي يتمرغ فيها البشر والتي تدعى اليقين. يرون بعين الحدس أوهام الأخيرين. ينظرون بعين الريبة إلى الطائفة والوطن فكل مفهوم لا يعاش لا يعوّل عليه. وكل ما ينتجه الخيال الطوباوي ليس سوى فقدان مضاعف لإنسانية الإنسان، إنهم هناك- ونقصد أناس القلق- فلا سقف يؤويهم ولا طائفة تحميهم، يقيمون في اللاّمكان حيث يفسخ الإنسان عقده مع كل حسّ جماعي، "فهل يتساوى الإحساس اليقظ بالإحساس النائم!"
أن تولد على الحدود يعني أن تستشعر خطر الركود لأنه موت، والسكينة سجن الروح، أن تدرك لحظة تشكل الزائف وأن كل شيء "قبض الريح" ولأن "إنسان القلق" يدرك ضعف كل أساس تقوم عليه الإنسانية سيصبح نهبًا للشك والإحباط من ذاته ومنها. فأن تكون بعيدًا عن الاستقطابات يعني أن تبتكر لغة تأتي من خارج الأرض المحروثة؛ لأنك تشك في الكلام (أيّ كلام)، ولأنّ اللغة طريقة ناجعة من طرق ترويض الروح البشريّة وتدجينها.




يدرك ساكنها خطر اللغة، فيلوذ بالخرس، والخرس هو انعقاد اللسان واحتباس الكلام عن إرادة هذه المرة لا عن خِلقة. في مؤلفه "الكاتب والآخر" يرى كارلوس ليسكانو "أن أفضل ما يمكنك القيام به، هو أن تغلق فمك وتبحث عن شغل عادي، وتتوقف عن الاعتقاد بأنّ لديك ما تقوله، لأنّ القول لم يواتك يومًا".
في الحدود أنت خارج حسابات الأديان والثقافات والسياسة، لا تنتمي إلاّ لذاتك، وهذا ما يجعلك بعيدًا عمن يسكنون الضفاف والثنائيات. هنا تتأسس الحريّة على الذات، وتنبع القيمة من عيشها فتتمرد على الذين ينتمون لبعضهم بحكم الولادة أو الوراثة أو الخوف الذي يجمعهم كالخراف الهلِعة في زاوية الحظيرة.
يمكننا أن نطلق على هؤلاء "أُناسُ القلق"، هم ليسوا ضعفاء لكنهم يتمتعون بحصانة ذاتيّة ضد تشرّب الأفكار المألوفة، يعيشون في حال ملاحظة دائمة، وفي سؤال متجدّد، إنهم شديدو الحساسية، عميقو التفكير وذوو خيال خصب يساعدهم على تمثل وفهم هشاشة المنتمين.
في الحروب، لا يثورون لدم ويهدرون آخر، لا يحققون نبوءة الأعور الدجال عبر الرؤية بعين واحدة. يحللون كل موقف ويستعدّون لكلّ احتمال، يعتبرون الطمأنينة بحيرة راكدة. وأن الخيارات في جزء كبير منها لا تخرج عما اقترحه وليم جيمس مرةً من أنّ "عقولنا" إذا ما فحصت فحصًا بيولوجيًّا مهيّأة لقبول الزيف مثل تهيؤها، لقبول الصدق، ومن يصرح: "من الأفضل التخلي عن الإيمان للأبد عوضًا عن الإيمان بكذبة! يُبدي فقط رعبه الخاص المسيطر من أن يصير مغفّلًا".
يدرك هؤلاء أنهم ينتمون إلى الذين يولدون في اللحظة التي تحدّث عنها موريس بلانشو في "كتابة الفاجعة"؛ "لحظة خروج النجم عن مداره"، وهنا تحتمل العبارة تأويلًا مضاعفًا، إذ تُحيِل إلى لحظة الفاجعة التي يمرّ بها الإنسان عند تغيّر وتعثّر أقداره، وتعني في الآن نفسه خروج الكتابة عن النمط التقليدي، إذ أن خروج نجم عن مداره يعني انفلاته من الجاذبيّة، وهي عند بلانشو انجرافًا نحو مجهول وتمردًا - وهذا هو الأهم- على الثنائيات (كل الثنائيات)، هي ما وراء الخير والشر، والجمال والقبح، والحب والكراهية.
إنّ بلاغة الدرس الذي نتعلمه من نيتشه وسقراط أنهما شكّلا- ليس عبر الكتابة الشذرية فحسب بل أيضًا من خلال الموت والجنون- خروجًا على النسق العقليّ البليد.
أن يكتب ساكن الحدود نصًا يعني أن يكتب ضدّ نفسه، وهذا يعزز ارتباط التجربة الأدبية بالحياة حتى يصعب الفصل بينهما.
كان نيتشه ثائرًا على النسق الذكوري في التفكير، يتحدث عبر الروح الحدسيّ الأنثوي وفي "هكذا تكلم زرادشت" يقول "إنهم لا يفهمونني، لست الفم الذي يصلح لهذه الآذان"... وهذه العبارة تعود إلى إنجيل متى، ويتابع "من أجل هذا أكلمهم بأمثال لأنهم مبصرون لا يبصرون، وسامعون لا يسمعون ولا يفهمون". وهي ترجمة حرفيّة لأولئك المتحزّبين الذين وصفهم هيراقليطس "في حضورهم هم غائبون". فتمرد نيتشه على القيم هو تمرّد على "ينبغي عليك" أو "كن كذا" أو لنثبت هذه القضيّة "أخبروني أيّها الأخوة، أليست أكثر الأشياء غرابة هي تلك التي يقع إثباتها على أفضلِ وجه!"...

ومع هذا فقد أثبتت التجربة عبر العصور، صواب مقولة نيتشه "الشعب لا يفهم كثيرًا ما هو عظيم أي ما هو مبدع، لكنه يملك حسًّا لكل المستعرضين وكل الممثلين لأدوار الأمور العظيمة"... لذلك فإن سكان الحدود هم أولئك الذين يخرجون عن السرب فيعاقبون بالنبذ أو النفي، فقد كوفئ اختلاف سقراط بالموت وانتهى نيتشه بالجنون.
من سكنى التخوم تولد كتابة مختلفة من تصدّعٍ وإدراكٍ حادٍّ بالوجود، من غيابٍ لا من حضور. كتب موريس بلانشو "نحن لا نكتب للاكتمال بل نكتب من نقص وغياب وفاجعة، نكتب ملاحقين ما يحتجب". وهذا ما يطلق عليه "التفكير بألم" أي خيبة تكفي للإحاطة بما تمرّ به الذات أمام كارثة الوجود (الترحال أو اللجوء، الحرب أو الفقدان) وكأن الكارثة - كارثة الوجود، وجودنا الفردي- محرّض للكتابة، وعدا ذلك قد تفقد تبريرها.
القراءة أيضًا تصبح سؤالًا أكثر مما هي جواب، أجهل ما إذا كانت القراءة فقدانًا للتوازن لكن الأكيد أننا كلّما توغّلنا فيها سنشعر برهافة الجحيم الذي نسير فوقه والمسمى عالمًا.
سيبدو ساذجًا السؤال عن الحدّ الفاصل بين الثنائيات، فكل القراء الكبار أتوا من خارج هاتين المنظومتين: منظومة (إما، أو) ومنظومة (أنا هنا أو هناك).
يكتب الإنسان ليعثر على ذاته، لكن ماذا لو كانت الكتابة فقدانًا للذات، أن نكتب لأن الحياة لا تروقنا، كما يعتقد ليسكانو! أو لأننا نريد أن نراقب سقوط ذبابة واحتضارها بحسب مارغريت دوراس، لنعيد ترتيب الحياة وتأثيث الوجود فندرك الحدّ الرهيف للكتابة التي تبدأ من عوَز ثم تبتعد عن الهدف، "ذلك يشبه السهم في انطلاقته".
وهذا العوز يبدو ظاهريًا رغبة بالفهم لكنه يترجى المواساة؟ "أفهمك وأشعر بمعاناتك لكني لا أستطيع فعل شيء لتغيير عالمك"- هذا ما تقوله الكتب للذين يعيشون دون انتماء.
يولد القارئ الحقيقي لحظة الشك في كل أيديولوجيا سماويّة أو أرضية، وهو القادر على تمثل تجربة الكاتب، الذي يقرأ الكون كتجربة، وكل كتاب فيها صفحة؛ ومع أن بعض الصفحات فارغة لكن تتفوق فضيلة الحذف والمحو على الكثرةِ والهذر. تُعارَضُ نقيصةُ الجمعِ والتملك بميزة التخلي والنسيان. تتقوّضُ الكثافة والضخامة أمام جمال النقص والنعومة والتشذيب.
قد تورطنا القراءة التي تنقل كفة التدين من هنا إلى هناك، من ساحة الإيمان إلى ساحة تبني العدميّة أو الماركسية وغيرها. وحالنا حال من يفلت حبلًا ليمسك آخر. في اختصار بليغ لتراجيدية القدر الإنساني القائم على التحيّزات.
لكن الرفض العنيد الرائع هو أجمل ما يصدر عنا، الرفض لكل ظلم وكل غياب للعدالة، حينها يصبح الإيمان إن حدث تعبيرًا عن حريتنا لا ذعرنا، فأناس القلق يرون عبر البصيرة ما تحجبه العقائد. أحيانًا لا يمكن رؤية الظلم بفعل الإلفة الجائرة مع قناعاتنا وميلنا لدمنا وفصيلتنا، لكن الرفض لكل انتماء ينميّ غريزة عدم الاعتياد ويدرّبنا على الوضوح، أناس القلق هم عرضةٌ لسوء الفهم لأنهم يقفون في المنتصف في النقطة التي تغري بالتصويب عليها. كتب بيسوا مرة "إلى من يوجدون دائمًا على هامش ما ينتمون إليه، لا ينظرون إلى الحشد الكبير الذي يتكوّنون منه، وإنما كذلك إلى الفضاءات الكبيرة الكائنة بجوارهم".

* كاتبة سورية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.