الكهرباء مقطوعة منذ ستة شهور، والماء أيضًا، لقد جاءت سيارة الغاز، والتف حولها الشبيحة ورجال الأمن فلم نحصل على واحدة، والقصف المتداول بين الطرفين يجبرنا على الجلوس في الممر والحمام، والطعام لا نحصل عليه إلا بصعوبة. نحن محرومون من الخضروات والبقول واللحم، ومن يريد الحصول عليها، عليه أن يذهب إلى المعبر، حيث القنص والقتل والقذائف من كلِّ نوع. قالت زوجتي حين اشتد القصف على منطقتنا بأنها لا تريد أن ترحل عن مكان سكنانا، هنا مكان موتها، وكان السكان قد رحلوا إلى أقربائهم في الحارات الداخلية.
جاء الروس وحلوا الموضوع على طريقتهم، فقد أبعدوا المسلحين عن أرض حلب. رحلوا بواسطة الباصات الخضر، واجتمع بشر من كلِّ صنف ولون، نساء وأطفال ورجال مسلحون، صعدوا إليها، وبين الدموع والألم رحلوا إلى الشِّمال الغربي، والماء لم يصل إلينا. لقد سيطرت الدولة الإسلامية، داعش، على السدّ، وأرسل الرجال إلى داعش، التقوا بالأمراء، وتحوَّلوا إلى الرقة، عاصمة الخلافة الإسلامية، وجرت مفاوضات كثيرة، انتهت بأنهم سوف يضخون المياه في فترة قريبة، والمؤسسة العامَّة لمياه الشرب التي تقع في منطقة سليمان الحلبي، تحكمها جماعة النصرة، وداعش تكفِّر النصرة وهي لا تتفق معها. انتظرنا شهرًا بكامله لإنهاء هذه المشكلة، وحُلت عن طريق النظام، وأصبحت تأتينا المياه.
لقد رحلت الجماعات المسلحة إلى الشمال من سورية، وأصبحت الكهرباء تأتينا ساعتين كل ثلاثين ساعة، والغاز صار بالبطاقة كل تسعين يومًا. والمهاجرون كانوا يجوبون البحار كي يصلوا إلى أوروبا، قد يأكلهم السمك، وهذا أفضل من أن يبقوا في الوطن. البيوت مخرَّبة والشوارع مليئة بالنفايات، والقصف علينا مستمرٌّ. كان علينا أن نبقى على هذه الحالة تسع سنوات، حين قرَّرت الجماعات المسلحة العودة إلى حلب، لم نكن ندري أنَّ الموضوع بهذه البساطة، لكن فجأة وجدناهم بيننا، لقد جاؤوها من الغرب، وخلال ساعات صاروا بيننا، كانوا يضعون خمارًا على وجوههم، واحتلوا المباني الرئيسية من دون مقاومة تذكر. احتلوا فروع الأمن تلك التي يدخل إليها الإنسان حيًا ويخرج منها إلى المقابر الجماعية، والشرطة، التي لا يخرج منها الواحد إلا وقد باع عفش بيته، والمدارس الحربية والدوائر الحكومية، والفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، الذين أضحوا سرابًا. وخلال ساعات أصبحت المدينة ملكًا لهم، كلُّ ذلك كان وهمًا لا يطبق إلا على المدنيين، وإذ ذاك أصبحت ساحة سعد الله الجابري التي يزينها تمثال الشهداء، والذي اقتلع فيما بعد، أصبحت تقام فيها الاحتفالات والأناشيد: "ارفع راسك فوق أنت سوري حرٌّ".
وتابع المسلحون جنوبًا إلى دمشق، وعندما وصلوا سراقب لم يجدوا أحدًا سوى الريح التي استقبلتهم وهي تزغرد احتفالًا بالحرية، ثمَّ تابعوا إلى المعرَّة التي وجدوها خرابًا تعصف فيه الرياح، ونزلوا إلى حماة التي طالما صمتت على الظلم وأيضًا لم يجدوا مقاومة فيها. وصلوا إلى حمص فاستقبلهم قائد الجيش بعسكره الذي أعطى أوامره بأن يقصفوا جسر سدّ الرستن المؤدي إلى المدينة. جاءت طائرة واحدة وقصفته، ثمَّ انسحب اللواء الذي يقوده قائد الجيش حين وجد أن لا طاقة له على مجابهة هؤلاء القوم، وأوغل في اتجاه طرطوس، وداروا من ناحية سلمية إلى حمص التي وجدوها مثل أمِّ تحتضن ولدها. وتابعوا جنوبًا، كانوا يجدون الدبابات المهجورة على الطريق، لكنهم تابعوا حتى وصلوا إلى طلوع التنايا. عند ذلك وصلت الأنباء أنَّ قوات أحمد العودة - وهو مقاتل من درعا- قد احتلت دمشق، وتغلغلت في أرجائها، وأيضًا تمَّ احتلال كل مفاصلها، وبتنا نسمع على التلفاز الأناشيد الوطنية. لم يتقدموا إلى درعا، لأنها تحرَّرت من دون مقاومة، وأسقط الشعب تمثال الرئيس السابق في جرمانا، وانتهى القتال بأن أعلن أحمد الجولاني نفسه رئيسًا على البلاد بعد أن غير اسمه إلى أحمد الشرع.
الرئيس السابق، وفي ليلة لا يوجد فيها ضوء قمر، عاد من روسيا بعد أن كان يحضر مناقشة رسالة ابنه للدكتوراه هناك. جاء على عجل إلى دمشق. وباعتبار أنَّ حلب سقطت - وهي بيضة القبان- طلب من قادة جيشه أن يتصدوا للمسلحين الذين يضمون جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام والجيش الحر، ولكنهم قالوا جميعًا: لا يوجد عسكر عندنا، الكلُّ مفيَّش. فطلب من روسيا أن تنصره، كما في المرَّة السابقة، لكنَّها قالت إنَّ حربها في أوكرانيا تستنزف قوَّة جيشها. وكذلك فعلت إيران. عند ذلك أحبط الرئيس السابق، لكنه فكَّر وقال: "الهزيمة تلتين المرجلة".
صعد إلى قصر الشعب ليلًا، من دون أن يخبر أقرب المقربين إليه، حتى لم يخبر أخاه، قائد الفرقة الرابعة. وقال لبثينة شعبان بأن تعد كلمة ليلقيها على الشعب بواسطة التلفاز، ثمَّ تأجل إلقاء الكلمة إلى اليوم التالي. أسرع كالمحموم يجمع الأشياء المهمة ويعبِّئها في الحقائب، ويقال إنَّه جمع مالًا وذهبًا، هذا الموجود في القصر، ومن دون أن يخبر أحدًا وضع الحقائب في السيارات وانطلق إلى مطار المزَّة، ومنه طار إلى مطار حميم، على الساحل السوري، وعبأ الحقائب، وأقلعت به الطائرة إلى روسيا. كان المذيع في التلفاز السوري، يصيح: "قد هرب الرئيس المخلوع...".
عمَّت الفرحة كلَّ أرجاء القطر، الناس في الشوارع ترقص وتدبك، والنساء تزغرد، السيارات تزمِّر، والجميع يصيح أن نرفع رأسنا فوق، لقد هرب الرئيس. لو أنَّه فعلها من البداية، قبل 14 عامًا، لكان جنَّب البلاد هذا الخراب والقتل والنفي والتهجير. لقد جعل البلاد كتلة من الفساد والرُّكام، فهل يتعظ أصحاب المراكز الحساسة؟ امتلأت السجون بين قتلى ومجانين، كلُّ هذا في سبيل أن يبقى على كرسي الحكم... ولله في خلقه شؤون.


تحميل المقال التالي...