}

الثقافة الفلسطينية وإعادة التدوير: عن لغة غزة بمواجهة الفناء

سناء عبد العزيز 20 أغسطس 2025
آراء الثقافة الفلسطينية وإعادة التدوير: عن لغة غزة بمواجهة الفناء
من أعمال الفنان أحمد مهنا على كرتون المساعدات الغذائية
تنشأ الرغبة في التخلص من المهملات أو إعادة توظيفها حين يضيق الحيز بما راكمناه، وتتحول الزوايا إلى مخازن لبقايا فقدت قيمتها. من هنا نشأت ثقافة التدوير لاسترداد الأماكن التي ابتلعتها الكراكيب، طمعًا في استعادة التوازن المفقود. غير أن ما شهدته العقود الأخيرة تجاوز الإطار البيئي ليغدو حركة إبداعية وثقافية تمنح المهمل فرصة ثانية للحياة؛ فمن الأخشاب القديمة استطاع الإنسان أن يصنع قطع أثاث رائعة تحتفظ بروح الماضي وعبقه. ومن العبوات الزجاجية والبلاستيكية الفارغة، تشكلت تحف فنية وأدوات منزلية وأزياء عصرية. وحتى بقايا المعادن تحولت في يد الصانع الماهر إلى منحوتات قيَّمة. 

ومع اتساع المفهوم، أصبحنا ننظر إلى إعادة التدوير كلغة عالمية مشتركة، تحمل في طياتها قيم الاستدامة والابتكار، كاشفة عن قدرة البشر على تحويل الخسارة والفقد إلى ولادة جديدة متى أرادوا ذلك بقوة.

بينما ينشغل العالم بابتكاراته المبهرة وأفكاره الذكية، يعيد الفلسطينيون اليوم اختراع حياتهم من فتات الماضي وكوارث الحاضر، عملًا بمبدأ "الحاجة أم الاختراع" حتى آخر مسمار صديء. فما يراه الآخرون نفايات، يراه المواطن الفلسطيني مادة خام للبقاء في بيئة تحرمه من أبسط مقومات العيش. هناك حيث يتبخر المستقبل أمام أعين العالم وصمته المطبق، تتحول إعادة التدوير من رفاهية إلى شهادة على الصمود.


انتصار الحياة بكل مرارتها

لا شيء في القطاع اليوم يذهب هدرًا؛ برميل الزيت الفارغ يتحوّل في خيامهم البائسة إلى خزان للماء، ترص داخله علب الصفيح لتغدو بدورها أواني للطهي، أو دولابًا لما تبقى من ملابس مهترئة، أو حتى مكتبة صغيرة تحمي ما نجا من كتب وأوراق. بوسع إطار سيارة قديم أن يصبح كرسيًا في زاوية، أو أن يصطف مع الصناديق لتكوين مصطبة على عتبة بيت متداعٍ. أما عن الأسلاك الصدئة، فقد وجدوا من الحكمة أن تُجدل لصنع أحبال للغسيل تتمايل عليها قطع الهدوم كأعلام منكسة في فضاء خرب.

كل شيء في غزة يعامل اليوم بحرص شديد، فالأحجار يتم فرزها لفصل السليم عن المهشم بحيث يعاد الأول إلى حائط جديد والثاني يمكن رأبه لاستعماله مرة أخرى. قطع الحصى لا يني الأطفال عن جمعها لبيعها بعدة شواكل لا تكفي لتوفير الخبز الحافي لأسرهم المنكوبة، وحتى غبار الردم يصبح مادة للبناء عند خلطه بالماء.   

الكثير من الأشياء يمكن رصدها عبر الشاشات على مدار الساعة، والتي لا تقتصر على ضرورات البقاء، بل تمتد لرسم بسمة على الوجوه البريئة المحرومة من البهجة. في أزقة غزة قد يصادفك إطار متآكل معلقا بين عمودين، تتأرجح عليه طفلة بأريحية، بينما شقيقها يرسم على أرض الحوش الترابية خطوط لعبة الحجلة بقطعة طباشير التقطها من أنقاض مدرسته. في ركن آخر قد تجد صبيا يدحرج غطاء زجاجة بلاستيكي على الإسفلت مثل سيارة سباق، فيما تجر مجموعة من الأطفال إطارا كبيرا لتشيد حاجزًا لمضمار الركض والاختباء. لكن المفارقة المدهشة أن تتحول طلقة فارغة كانت يوما أداة موت، إلى وسيلة لقرع طبل صفيح بين يدي طفلة! 

الفنان طه أبو غالي يستخدم إطارات اللوحات لإشعال الموقد (Getty)



إبداع الضرورة

إن كان هذا ما فعله أهل غزة في مواجهة ندرة الموارد، فإن الفنانين لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام شح الأدوات. لقد تكيفوا بدورهم مع الوضع القائم، أو بالأحرى كيفوا بيئتهم لتخليق أدواتهم بطرق بدائية وعبقرية في الآن ذاته. بعضهم استخدم أجولة الدقيق قماشًا للوحاته التي توثق قصة الطوابير الطويلة للحصول على الفتات، كما تحكي عن صبر البطون الجائعة والخوف المرسوم على الوجوه من غدٍ يتراءى من نفق مظلم. لكن ما يتردد على ألسنتهم، أبعد كثيرًا من تلك الرؤية المشؤومة، يقول الشاب حسين الجرجاوي (نقلًا عن الجزيرة): أرسم على كيس دقيق كأنني أوثق تاريخنا بريشة مغموسة في الصمود.

أما الجيل الأنضج ومنهم الفنان رائد عيسى، مؤسس جماعة "التقاء للفن المعاصر"، فقد انتقل إلى خيمة لا تقي من برد الشتاء ولا حر الصيف أو حتى هدير الطائرات، بعد أن فقد منزله ومرسمه الجميل في مدينة غزة تحت القصف، وجرب مرارة النزوح أكثر من عشر مرات مع عائلته المكونة من أربعة أطفال. رغم تلك الصعاب، يرسم عيسى كل يوم تقريبا. في حديثه لصحيفة "آرت نيوزبيبر" يحكي عن بدائله ليستمر. لقد دفعه شح الموارد ونفاد الأوراق إلى استغلال صناديق المساعدات والأظرف الطبية كأسطح للرسم، مستخرجا الألوان من بقايا المواد المتاحة مثل الشاي والقهوة والكركاديه والفحم وحتى الصدأ. "في البداية"، يقول، "كنت أستخدمهم كمواد بديلة لعدم وجود ألوان، لكنني الآن أحبها".

بهذه الكلمات البسيطة يضع عيسى إصبعه على ما يمكن أن نسميه حب الممكن، أن يتحول الاضطرار إلى اختيار، والنقص إلى وفرة. فالحرمان من الألوان لم يدفعه إلى ترك رسوماته صامتة، بل فتح بابا على لغة جديدة، تحمل رائحة القهوة ودفء الشاي وملمس الصدأ.

ولأن خبرته مع الأطفال تمتد لأكثر من 25 عامًا، أسس استديو مؤقتًا للأطفال النازحين للتخفيف عنهم أولًا ولنقل خبرته إلى الكائنات الأكثر صدقًا في مشاعرها كما وصفهم.

لن تذبل أوراق التين

على غرار الفنانين، استطاع الحرفيون مجاراة الواقع، بتحويل الندرة إلى وفرة. منهم الشاب فخر حماد الذي قام بتحويل ورشته إلى واحة إبداع، يجمع القطع المعدنية من المباني المدمرة ليصنع منها أثاثا بسيطا ونماذج لعجلات وحيوانات بعضها للزينة كما ورد في العديد من الصحف منها تقرير "المونيتور". وما يلفت الانتباه وعي الحداد في قلب الأزمة بألا يبيع قطعته الأولى باعتبارها شاهدا على الصمود.

في السياق نفسه، يعمل عساف الخرتي على مجسمات فنية من الخردة والمعدن الصديء ونشارة الحديد. كل قطعة يشكلها عساف تحمل رسالة عن الحصار والبطالة والوجوه المتعبة من الجوع والعوز.  أما المصور والمصمم شريف سرحان، فما يزال يجمع الألومنيوم والخشب من أطلال المصانع منذ أكثر من عقد، ليعيد تشكيلها في أعمال فنية، كان أبرزها "منارة غزة" من بقايا الدمار. وفي مخيم البريج، يجسد الفنان عبد الرحمن كتاني الهوية الفلسطينية بأسلاك الحديد الشائكة، في أعمال بسيطة وعميقة، وجدت طريقها إلى مزادات كريستيز العالمية.

لكن الأجمل من ذلك كله، هو إصرار معهد "إدوار سعيد الوطني للموسيقى" على مواصلة الغناء حتى بعد أن سُوّي مبناه بالأرض. لقد حمل المعلمون الآلات التي صنعوها بأيديهم من عبوات معدنية وصناديق خشبية متروكة، وجالوا بها بين الخيام والبيوت المهدمة حتى لا يسجل العدو نصرا بإسكات صوت الموسيقى. في مشهد مؤثر، جلست مجموعة من الطلاب تحت الخيمة، يرددون على أنقاض المدينة تلك الكلمات المفعمة بالألم والأمل "لن تذبل داخلنا أغصان التين". من ضمن ما قالته إحدى التلميذات "حين أعزف، أشعر أنني أحلق بعيدا. الموسيقى تملؤني بالأمل وتحررني من الخوف".

على مدار عقود، تتعرض الثقافة الفلسطينية إلى حملة ممنهجة، تستهدف اجتثاثها من جذورها، سواء بتدمير المراكز الفنية وحرق المكتبات وقصف المسارح، فضلا عن نهب وتحطيم المتاحف والمقتنيات التراثية، أم باستهداف الفنانين والصحافيين والمبدعين في حياتهم وأعمالهم. وهو ما يترافق مع طمس الرموز التاريخية وتغيير ملامح المدن والأحياء. مع ذلك فإن ما يفعله الأطفال والحدادون والفنانون في غزة الآن، بوسعه الإطاحة بأي مخطط جهنمي، وهو ما يضيف إلى ثقافة التدوير أهمية قصوى، تعيد تذكيرنا بكلمات الراحل محمود درويش، إذ أنها أصبحت ببساطة "أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة". 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.