}

عن تدميريّة نتنياهو النكروفيلية مرضًا نفسيًّا

جورج كعدي جورج كعدي 21 أغسطس 2025
آراء عن تدميريّة نتنياهو النكروفيلية مرضًا نفسيًّا
نتنياهو يعاني ما عاناه هتلر من شبق تدميريّ للمدن

الشكر بدءًا، كلّ الشكر، إلى عالم النفس الألماني الكبير إيريك فرومّ الذي دلّني مؤلّفه الضخم والقيّم "تشريح التدميرية البشرية" (صدر بالعربية عام 2016 لدى دار نينوى في دمشق، ترجمة محمود منقذ الهاشمي) على المرض النفسي الأساسيّ لبنيامين نتنياهو، سفّاح غزة وسائر المشرق، وكنت أسعى إلى معرفته منذ مدة طويلة ولم أوفّق، حتى أتاني الجواب في قراءة متجدّدة لكتاب فرومّ، حيث اكتشفت أن نتنياهو يعاني تمامًا ما كان يعانيه أدولف هتلر، وقبله نابليون، من شبق تدميريّ للمدن ينسبه فرومّ إلى مرض النكروفيليا necrophilia على نحو مستغرب، لي على الأقلّ، وهو الأعلم في علم النفس، فالتعريف القاموسيّ والموسوعيّ للنكروفيليا لا يُدرجُ التدميرية ضمن تحديد مرض النكروفيليا الذي يُحصر عامةً في معاشرة جثث الموتى كانحراف نفسيّ. لكنّ إريك فروم المتأثّر بفرويد (وناقده أحيانًا) يُدرج مسألة تدمير المدن والعمران في هذا المرض، من زاوية انطوائه على الموت والجثث والنشوة الشبقيّة (بالمعنى الفرويدي) التي يختبرها المدمّر النكروفيليّ وهو يقتل ويدمّر، كأنّه يضاجع الموت.

يقول إيريك فرومّ: "ليست المسألة هل سَلَك هتلر سلوكًا تدميريًّا، بل هل كان يحرّضه شغف شديد بالتدمير هو جزء من طبعه؟ (...) والتصاعد التدريجي للتدمير الذي نشأ ابتداءً بفتح بولونيا وانتهاءً بأوامره بتدمير معظم ألمانيا وسكانها، ليس من شأنه إلّا أن يكون التأكيد النهائيّ لطبعه التدميري (...) كانت موضوعات التدمير عند هتلر هي المدن والناس. وكان الباني الكبير والمخطّط المتحمّس لفيينا جديدة، ولنتس جديدة، وبرلين جديدة، وهو في الوقت نفسه مَنْ أراد أن يدمّر باريس، وأن يهدم ستالينغراد ويسوّيها بالأرض، وأن يدكّ في آخر الأمر كل مدن ألمانيا. وهذه النيّات موثّقة جدًا". ويذكر شبير Speer أن هتلر في ذروة نجاحه قد أبدى له ملاحظة، بعد أن زار باريس التي تمّ فتحها مؤخرًا، قائلًا: "ألم تكن باريس جميلة؟... في الماضي كثيرًا ما كنت أفكر في مسألة: أليس علينا تدمير باريس؟....، أمر هتلر بأن تدمّر باريس، لكن آمر باريس الألماني لم ينفذ الأمر". أمر نتنياهو بتدمير غزة بالكامل، فأطاع جيشه الجبان المسعور.

عجبًا، ألا تلحظ معي قارئي العزيز شبهًا رهيبًا، مذهل التطابق، بين هتلر ونتنياهو، أدولف الكبير وأدولف الصغير؟ أليس الشبق ذاته لتدمير المدن؟ ألا يشبه شبق تدمير غزة شبق هتلر في تدمير أكثر من مدينة أوروبية فائقة الجمال والتاريخ والعمران؟

يُكمل فرومّ: "كان أقصى تعبير لهتلر عن هوسه بتدمير المباني والمدن هو مرسوم ‘الأرض المحروقة’ الذي أصدره بشأن ألمانيا في أيلول/ سبتمبر 1944، وأمر فيه بأنّه يجب، قبل أن يحتلّ العدو الأرض الألمانية، تدمير كل شيء، وببساطة كل شيء أساسي للمحافظة على الحياة: سجلات البطاقات التموينية، وملفات الزواج، ومكاتب تسجيل الإقامة، وسجلات الحسابات المصرفية. ويجب بالإضافة إلى ذلك القضاء على الموارد الغذائية، وإحراق المزارع، وقتل المواشي. ويجب ألّا تصان حتى الأعمال الفنية التي لم تنل منها القنابل. ويجب هدم النصب التذكارية، والقصور والكنائس، والمسارح ودور الأوبرا". يرى فرومّ بتحليله الثاقب أن شغف هتلر بتدمير المباني والمدن يستحقّ اهتمامًا خاصًا لصلته بشغف هتلر بالبناء، وقد يمضي المرء بعيدًا إلى حدّ القول إن مخططاته لإعادة بناء المدن (كأحلام نتنياهو الواهمة ببناء "إسرائيل كبرى" مستقبلًا) لم تكن سوى تعليل في بادئ الأمر لتدميرها. ويرى فرومّ أن من الخطأ تفسير اهتمام هتلر بالهندسة المعمارية بأنّه ليس إلا غطاء لرغبته في التدمير، فالأرجح أن اهتمامه بالهندسة المعمارية كان صادقًا (كان هتلر يطمح في شبابه لأن يكون مهندسًا معماريًا) إذ كانت الهندسة ـ إلى جانب السلطة والنصر والتدمير ـ اهتمامًا صادقًا في حياته.

الشبق التدميريّ للمدن ينسبه فرومّ إلى مرض النكروفيليا 


يورد شبير ردّ فعل هتلر على المشهد الأخير في شريط الأخبار السينمائي حول قصف وارسو بالقنابل: "أظلمت السماء سحب الدخان. مالت الطائرات المنقضّة وقذفت بقنابلها نحو هدفها، واستطعنا أن نراقب المرور السريع للقنابل المنعتقة، وانبساط الطائرات بعد انقضاضها والسحاب المتصاعد من الانفجارات الممتدة على نحو هائل. وزادت الحركة من تأثير عرض الفيلم. كان هتلر مسحورًا. وانتهى الفيلم بمونتاج يُظهر طائرة تنقضّ على الخطوط المرسومة للجزر البريطانية. وتلا ذلك اندلاع اللهب، وتطايرت الجزيرة في الهواء ممزّقة. وكانت حماسة هتلر بلا حدود وهتف مستطار اللبّ: هذا ما سوف يحدث لهم! بهذه الطريقة سوف نبيدهم".

نتنياهو جاهر مرارًا منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023: هذا ما سوف يحدث للفلسطينيين في غزة! بهذه الطريقة سوف نبيدهم. ألا تطابق في الخطاب الفاشيّ؟ خطابا هتلر ونتنياهو صنوان، حتى بالمفردات. ليدلّنا أحدٌ على الفرق!

ينظر فرومّ إلى وجه أدولف هتلر فيراه كأنّه يشمّ رائحة كريهة باستمرار، وهذا واضح تمامًا في عدد كبير من الصور الفوتوغرافية (الانطباع نفسه يمكن الخروج به مع نتنياهو). ولم تكن ضحكته حرة، بل كانت نوعًا من ابتسامة الاغتباط بالذات. وهذه السمة قابلة للملاحظة بشكل خاص في ذروة نجاحه بعد استسلام فرنسا وهو في عربة السكك الحديد في كومبيين. وبحسب ما يتبدّى في الشريط الإخباري آنذاك، يؤدي هتلر بعد نزوله من العربة «رقصة» قصيرة ضاربًا فيها فخذيه وبطنه بيديه ومفترًّا عن ابتسامة قبيحة من ابتسامات الاغتباط بالذات، كأنّه قد ابتلع لتوّه فرنسا.

يوضح لنا فرومّ أنّ ثمة شكلًا ثانيًا من النكروفيليا غير مشوب بالجنس يتبدّى في الشغف الخاص بالتدمير، فغاية التدميرية النكروفيلية هي "تفكيك البنى الحيّة" وتجد الرغبة في تفكيك ما هو حيّ أجلى تعابيرها في اشتهاء تقطيع الأجساد (ألا يقطّع أدولف نتنياهو أجساد أبناء غزة وأطفالها؟ هو إذًا نكروفيليّ بامتياز). فالهدف الحقيقيّ للقتلة النكروفيليين ليس موت الضحية فحسب ـ وهذا بلا ريب شرط ضروريّ للنكروفيليّ المريض ـ بل تقطيع الأوصال أو بعثرة الجثث أشلاءً. يهتف النكروفيليّ بأعلى صوته "يحيا الموت".

غير أن الدافع الحاسم للنكروفيلية بالنسبة إلى فرومّ، يأتي من نظرية فرويد في غريزتي الحياة والموت كقوتين أساسيتين في داخل الإنسان. بالنسبة إلى النكروفيليّ، القوة هي الحلّ الأول والأخير لكل شيء، فعقدة العقد يجب أن تُقطع دائمًا وألا تُحلّ بصبر (نتنياهو: دمِّر حماس ولا تفاوضها). ومن حيث الأساس، جواب النكروفيليين عن مشكلة الحياة هو التدمير، وليس الجهد التعاطفي، أو الإنشاء، أو النموذج الذي يُحتذى. إن جوابهم هو جواب الملكة في "أليس في بلاد العجائب": "اقطعوا رؤوسهم"، وهم إذ يدفعهم هذا الدافع لا يرون الخيارات الأخرى التي لا تتطلّب التدمير، ولا يتبيّنون كم أثبتت القوة أنّها عديمة الجدوى على المدى الطويل (من الإسكندر إلى هتلر مرورًا بنابليون... لكنّ نتنياهو النكروفيليّ المسعور لا يتّعظ). التعبير عن هذا الموقف يمكن أن نجده في حكم الملك سليمان في دعوى امرأتين ادّعت كلتاهما أن الطفل طفلها، فعندما اقترح الملك تقسيم الطفل، فضّلت الأم الحقيقية أن تسمح للمرأة الأخرى بأن يكون لها الطفل، بينما اختارت المرأة التي تزعم أنها أمه تقسيم الطفل، وقرارها هذا هو القرار المعهود لدى النكروفيليّ الذي يستولي عليه هاجس التملّك.

البُعد الآخر لردود الأفعال النكروفيلية هو الموقف من الماضي والملكية. فبالنسبة إلى الشخص النكروفيلي، الماضي وحده يُعاش على أنّه حقيقة (الماضي المزعوم لقوم نتنياهو في فلسطين)، لا الحاضر ولا المستقبل. فما كان، أي ما هو ميت، يحكم حياته، أي الأعراف والشرائع والملكية والتقاليد والممتلكات. باختصار، الأشياء تحكم الإنسان، والتملّك يحكم الوجود، والموتى يحكمون الأحياء. وفي التفكير النكروفيلي ـ الشخصي والفلسفي والسياسي ـ الماضي مقدّس.

كثيرًا ما تكون بشرة النكروفيليين، على ما يلحظ فرومّ، عديمة الحيوية، جافّة وشاحبة (أليس هذا وجه نتنياهو آتيًا من دياجير الظلمات؟). وهو يرتدي الملابس القاتمة (أليس مثيرًا ذاك الأسود الذي كان يظهر به يوميًّا الثلاثيّ المجرم المريض نتنياهو ـ غالانت ـ غانتس؟).

الكره، يقول فرومّ مرتكزًا على فرويد، أقدم من الحب وراسخ في غرائز الأنا التي تكره كل الأشياء كمصدر للشعور البغيض لديه ويشمئزّ منها ويتعقّبها لتدميرها. وأبعد من عدوانية الغريزة الجنسية، تحدّث فرويد عن العدوانية المستقلة عن الغريزة الجنسية بكونها صفة مميزة لغرائز الأنا التي تعارض وتكره تطفّل المثيرات الخارجية والعقبات أمام غرائز حفظ الذات. عام 1920 أدخل فرويد تعديلًا أساسيًا على نظريته الكلية في الغرائز تحت عنوان "ما وراء مبدأ اللذة"، معتمدًا تقسيمًا جديدًا لـ"غريزة الحياة" أو غرائزها Eros، و"غريزة الموت" وغرائزها. النكروفيلية تقع في هذه الأخيرة. في "الحضارة وتنغيصاتها" يتحدث فرويد عن "أن غريزة الموت تتحوّل إلى العالم الخارجيّ وتتضح بوصفها غريزة العدوانية والتدميرية". إنّ مهمة غريزة الموت إعادة الحياة العضوية إلى الحالة غير الحيّة. هذا ما فعله هتلر بالأمس وما يفعله نتنياهو اليوم. هتلر هو مَنْ علّم نتنياهو كيف تُصنع الإبادة.

إذا كان فرومّ اليهوديّ المتنوّر والمناهض للصهيونية، قد تعرّض في بحثه للتدميرية النازية، فإنّه يشير كذلك إلى التدميرية غير المحدودة لدى العبرانيين في استيلائهم على أرض كنعان (فلسطين)، ويرى في الفكرة الصهيونية استغلالًا لأفعال هتلر بحق اليهود وطمسًا للحقيقة، قائلًا ما حرفيته: "هذه الحقيقة يجري طمسها أحيانًا بصبّ التأكيد الكلّي على قتل هتلر اليهود، ويتغافل هذا التأكيد عن أنّ اليهود لم يكونوا إلّا ضحية من الضحايا الكثيرة التي أراد هتلر القضاء عليها. يؤكد ذلك صحّةً أن هتلر كان كارهًا للألمان أيضًا، وكارهًا للجنس البشري، وكارهًا للحياة نفسها".

نتنياهو بدوره، كارهٌ للفلسطينيين، كارهٌ لليهود إذ يدمّرهم أيضًا ويسيء أيّما إساءة إلى سمعتهم في العالم، وكارهٌ للجنس البشري أي للإنسان والإنسانية، وكارهٌ للحياة نفسها. نتنياهو، أكرّر ما قلته في مقالة سابقة، جيفة قتل نتنة، نكروفيليّ مريض ابتليت به البشرية جمعاء.

* ناقد وأستاذ جامعي من لبنان.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.