}

دولة القانون أو دول الطوائف

خالد بركة 22 أغسطس 2025
آراء دولة القانون أو دول الطوائف
السويداء السورية (Getty)
من يحاول فهم حقيقة ما جرى ويجري في محافظة السويداء ربما لن يستغرب مطالبة بعض أبنائها بالبحث عن شكل من أشكال الاستقلال أو الحكم الذاتي. فخلال الأسابيع الماضية، تعرضت هذه الأقلية إلى حملة شرسة من التحريض والتكفير حيث تم شيطنة أفرادها ووصمهم بالمرتدين والعملاء والكفرة. كل هذا جعلهم هدفًا مباحًا لهجمات ميليشيات العشائر والبدو وبمشاركة وتواطؤ أجهزة أمنية يفترض أنها وطنية.
النتائج كانت مأساوية ودامية حيث تشير التقديرات إلى سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح في واحدة من أسوأ موجات العنف الأهلي التي شهدتها سورية منذ هروب الأسد. مجازر مروعة ارتُكبت، قرى بأكملها احتُلّت أو هُجّر أهلها، مدنيون أعدموا في الشوارع بسبب انتماءاتهم الدينية، حالات واسعة من النهب وتعفيش الممتلكات، إحراق بيوت على ساكنيها، فُرض حصار خانق تقطعت خلاله السبل ونفدت الإمدادات لدى آلاف العائلات مع تراكم الجثث في المشافي وعجز تام عن دفن القتلى أو إسعاف الجرحى.
استغل الكيان الصهيوني المقتلة الدرزية ليشن ضربات جوية في العمق السوري بزعم حماية الدروز موسعًا بذلك الشرخ القائم أصلًا منذ انتشار التسجيل الصوتي المفبرك والهجوم على جرمانا. صحيح أن لهذا التدخل الإسرائيلي أهدافه الخبيثة في استمالة الأقليات لتفتيت الدولة، لكن بالنسبة لإنسان يُذبح أهله أمام عينيه لن يعنيه كثيرًا من أين تأتي الحماية ولماذا. سيكون الجواب سهلًا عندما يكون الاختيار بين الإبادة بصمت أو الاستقواء بحماية خارجية ملوثة بالأطماع، وفي حالة إسرائيل بالدم.
ولذلك، وعلى الرغم من عمق الجراح والخذلان من الدولة، يبقى الاستقواء بكيان إجرام قام على التطهير العرقي والاحتلال والعدوان والإبادة جرحًا مضاعفًا. فلا تُبنى العدالة على يد من ارتكب أبشع صور الظلم، ولا يمكن أن يُطلب الأمان من يدٍ ما تزال تقبض على أرواح الفلسطينيين وتقتلع جذورهم منذ عقود. ربما التقاط الأنفاس وسط المجزرة قد يدفع البعض إلى قبول أي طوق نجاة حتى لو كان مسمومًا، ولكن التاريخ يعلمنا أن كل حماية مشروطة بالهيمنة تتحول سريعًا إلى عبودية جديدة. وأن التحالف مع قاتل الآخرين بدعوى حماية النفس ليس سوى انتقال من موت مباشر إلى موت مؤجل.




إذًا القضية حقيقةً ليست في درعا أو السويداء أو في الشمال أو الجنوب بل في الكيفية التي يُعاد بها إنتاج منطق الطوائف والكانتونات. هنا تتحول المذبحة إلى ذريعة لتقسيم الوطن ويتحول التدخل الخارجي إلى وصاية دائمة، ويصبح "الحامي" سيدًا والناجون مجرد رعايا. الخيار الأصعب والأكثر شجاعة، وسط الجوع والحصار والمقابر المفتوحة، هو أن نقول: لا. لا للتسليم بأن خلاصنا يمر عبر أبواب تل أبيب. لا للتطبيع مع القاتل فقط لأن دمنا نازف. لا لتبرير الاستقواء بالاحتلال بحجة أن الطائفة الأخرى لم تُنصفنا أو لأن الضحية "ليست من ملتنا". الحرية لا تُختزل في هوية طائفية ولا السيادة تُجزّأ بحسب هوية الذابح والمذبوح.
جوهر المأساة لا يقف عند حدود الدم السوري المسفوك بل يتجاوزها إلى خرائط تُرسم بدمنا منذ عقود. فحين يُدفع الناس إلى زاوية الطائفة ليُخيَّروا بين دولة القانون أو دول الطوائف، بين أن يكون الدرزي ضد التقسيم أو الدرزي ضد التخوين، فإنهم لا يواجهون فقط حصار اللحظة ومجازرها، بل يُستدرجون إلى أقدم فخ في المنطقة: تحويل الجرح الأهلي إلى أداة لإعادة هندسة الوطن.
التقسيم لم يكن يومًا مجرد خيال عابر أو فزّاعة سياسية وليس مستحيلًا، كما صرح الشرع واثقًا بالأمس، بل إنه مشروع مدروس صاغته مراكز التفكير الصهيونية منذ نشأة الكيان، وتبنته استراتيجيات غربية لاحقًا تحت مسميات مختلفة. فقد أظهرت مذكّرات رئيس وزراء إسرائيل موشيه شاريت (1954–1955) نقاشات حول خطط لاحتلال جنوب سورية، وإقامة دولة مارونية في لبنان، وانتزاع قطاع غزة من الحكم المصري. وكشفت مذكرات شاريت (1953–1957) عن نقاشات لاحتلال أجزاء من سورية ولبنان (دولة مارونية) وغزة والدعوة لطرد اللاجئين الفلسطينيين من كل المناطق بين النهر والبحر. أما "خطة عوديد ينون" (1982) فاقترحت تقسيم مصر وسورية والعراق ولبنان إلى دويلات على أسس طائفية وعرقية (بما فيها دولة درزية في سورية قد يُضَم إليها الجولان). وليس ببعيد طرح ضابط أميركي يدعى رالف بيترز خرائط "الشرق الأوسط الجديد" (2006) تخيّل فيها إعادة رسم حدود الشرق الأوسط وفق خطوط عرقية ومذهبية لضمان "محيط أكثر سلامًا لإسرائيل". وأطل علينا نتنياهو منذ أيام، مجرم الحرب الدولي، ليذكرنا بأن "إسرائيل الكبرى" ليست مجرد أضغاث أحلام.
منذ البداية كان القاسم المشترك بين جميع هذه الخطط والرؤى هو الدفع نحو شرق أوسط ممزق، يتكون من دويلات طائفية وعرقية صغيرة، بحيث يغدو وجود إسرائيل (المؤسَّسة على أساس ديني/ إثني يهودي) أمرًا "طبيعيًا" ومتناغمًا مع محيط مشابه. عبر هذا المسار، سيبدو تشريع "يهودية الدولة" وكأنه انسجام مع السياق الإقليمي لا استثناء عنه. لكن هذا المخطط لن يكتمل إلا إذا استسلمنا له، إذا صدّقنا أن خلاصنا يمر عبر حماية الخارج أو عبر انغلاقنا الطائفي. وفي نفس الوقت، لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجو إذا ظل يلوذ بالشعارات والتخوين بدلًا من العدل والإنصاف. الوحدة الوطنية والسلم الأهلي لا يُبنيان بالإنكار وبالتغاضي عن المظالم بل بالاعتراف بالضحايا وحمايتهم وإنصافهم بغض النظر عن انتماءاتهم. ما يحدث اليوم في السويداء ليس مجرد أزمة محلية أو حادثة طائفية بل اختبار حقيقي لمعنى وماهية دولة وحقبة ما بعد الأسد. فإذا لم تستطع الحكومة الانتقالية أن تبرهن لجميع السوريين أنها دولة فوق الطوائف، فإن خطاب الوحدة سيفقد وزنه وقد يغدو الانفصال خيارًا مبررًا عند من فقدوا الثقة بهذا الوطن.
إن حماية الأقليات هنا ليست منّة وإنصاف الضحايا ليس استثناءً بل هو معيار صدقية الدولة الناشئة. من دون ذلك، ستبقى المشاريع الخارجية تجد ثغراتها لتنفذ وتزرع الكيانات المصطنعة. فالحل الوحيد لمنع تفتيت سورية وإحباط المشروع الصهيوني الاستعماري الإبادي المشبع بدم أهلي في فلسطين هو بناء هوية وطنية جامعة ما فوق طائفية تعلو على الانتماءات الضيقة. هوية لا تنكر الاختلاف لكنها ترفض أن يتمدّد كل خلاف إلى حدود للدم والدمار.
ها هي الحكومة الانتقالية أمام خيار مصيري: إما أن تكون دولة قانون لجميع مواطنيها، تنصف وتواسي وتحمي وتحنو، أو تتحول إلى إدارة أخرى تعيد إنتاج الحقد والانقسام والفوضى. وها هي سورية اليوم في قلب امتحان الوجود: إما أن تنهض دولة واحدة، عادلة، حرة، كريمة وآمنة لكل مكوناتها، أو تغدو ساحة لتجارب الخرائط التي رُسمت لها منذ عقود. 

مقالات اخرى للكاتب

يوميات
27 يناير 2025

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.