إن ما يُميّز الرواية عن بقيّة الأجناس الأخرى، هو قدرتها على الجمع بين مستويات سردية مختلفة ومتعددة، وتمثيل الهامش الاجتماعي المنفلت من عُقَال الواقع وسرابه، في مسعى إلى تشييد عوالم روائية مأهولة بأسئلة الذاكرة والتاريخ والمجتمع والحياة الإنسانية، "حيث ينقل لنا المحكي الروائي ما يُحاول السارد تخيله وتمثله حول العالم والوجود الإنساني والأشياء والأفكار، وفق آلية من الأنساق الثقافية واللغوية والتصورية التي يمكنها أن تقدم لنا ما هو سائد أو مدون في التاريخ العلمي للبشرية، سواء أكان ثقافيًا أم سياسيًا أم دينيًا، من خلال حرصه (المحكي) على إبداع سرديات بديلة ومغايرة"(2). وبذلك صارت الرواية ذاكرة حيّة لما تكتنزه من أسئلة، ومن لحظات تاريخية لا يستطيع أي جنس أدبي آخر احتيازه، لذلك أضحت في العقود الأخيرة "هدفًا من قبل المبدعين خاصة مع صعود جيل المثقفين الذين يرون فيها النوع الأدبي الشمولي الذي يستجيب لطموحاتهم في التعبير"(3).
يمكن القول، إن الرواية هي الجنس الأدبي الأكثر قدرة على تمثيل الواقع تمثيلًا حيًا، "فالسرد يمدنا أساسًا بالوسائل التي تساعد على تشخيص مجموعة من الحقائق في صور حياتية هي الرابط بين واقع نحياه في غفلة عن قوانينه، وبين عوالم ممكنة تصفي التجربة وتدفعها إلى مصاف المخيال... علينا أن نثق في العوالم الممكنة لا في الحقائق المسرودة"(4)، ويؤكد هذا المعطى، الناقد المغربي عزيز العرباوي حين يقول: "يمثل النص السردي عامة، والروائي خاصة، من حيث كونه نصًا أدبيًا متخيلًا، في عمومه الصور التي تعكس الواقع بتفاصيله وتجلياته، حيث يقوم بتمثيل مكونات الواقع الاجتماعي الذي يعتبر في النهاية ثمرات ممتزجة للعناصر الثقافية والاجتماعية والسياسية والتاريخية والفكرية بدون حصول الانفصال أو الانقطاع فيها. فأي فعل يروم استبعاد هذه المكونات يؤثر في الإبداع الروائي سلبيًا، ويمنعه من تحقيق مصداقيته الأدبية، فيفقد الرواية دورها الحقيقي، والمتمثل في نقل الواقع بحذافيره، لكن مع تدعيمه بعنصر التخييل ليتعارض مع التاريخ ووقائعه المضبوطة"(5)، وعليه، فإن بناء المتخيل الروائي، لا تتحقق جماليته وفنيته إلا في اندغامه مع الواقع، وربط صلات مع قضاياه وأسئلته الشائكة، ويبدو أن الروايات التي أخذت على عاتقها تمثيل الواقع الاجتماعي وأَنْسَنَةُ الذات الغارقة في الوهم والقلق والتشظي، كانت تروم تحقيق التّفاعل بين الإنسان والمجتمع والعالم، وفي هذا السياق، يرى الناقد المغربي إدريس الخضراوي "أن الأدب شأنه شأن الثقافة مرتبط بالمجتمع، فإن فهمه يقتضي ربطه بحركة المجتمع، ليس ربطًا آليًا ميكانيكيًا، وإنما من خلال إدراك الوسائل والسبل المتاحة أمام الروائي لتشخيص الأسئلة الملحة التي يواجهها الفرد ويكتوي بنارها"(6). وبهذا المعنى، يصير الواقع مادة للحكي وبناء السرود، غير أن ذلك لا يعني أنه يُمكن اختزال الرواية المغربية في هذا النّموذج (تمثيل الواقع) فحسب، وإنما هناك موضوعات أخرى طرقتها الرواية المغربية منذ نشأتها في الخمسينيات، كالرواية التراثية والرواية التاريخية والرواية العائلية والرواية العرفانية وغيرها.
إن الاشتغال على كينونة خاصة بالرواية يقتضي الوعي بها كخطاب سردي تتَحَدّدُ بموجبه تحولات المتخيّل في صلته بالواقع، أيّ التّموقع ضمن حافات التوتر النّصي وطريقة السرد وتوازن الأحداث والرؤى السردية، فـ"الشكل الأسمى لأية رواية هو التوتر والتحرّر من التوتر"(7)، ويبدو أن الواقع الاجتماعي، يكتنز بالتوتر وبكل أشكال القلق والانفلات والرتابة، وكلما كانت الرواية قريبة من نبض المجتمعات، كانت أعمق وأبلغ في التعبير عن هموم الذات والإنسان، ولعلّ انهمام الروائيين المغاربة ببلاغة الهامش الاجتماعي مرتبط أيضًا بالتحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العشريتين الأخيرتين. ومن الطبيعي، أن يسعى كل روائي إلى التعبير عن الواقع برؤية جديدة، وبلغة جديدة، تبعًا للمرجعية التي يُنصت بها إلى نبض المجتمع ومتغيراته، غير أن هذا الاهتمام بأسئلة المجتمع وارتباطاتها الواقعية، لا ينبغي أن يُوقعنا في المقاربات الآلية الاختزالية التي تجعل من العمل الأدبي انعكاسًا للواقع. لنقل، "إنها إبداع فني قبل كل شيء، يشكل فيه المرجعي مدلولًا"(8). وعلى هذا الأساس، فإن الرواية بما هي أفق للتخييل، باستطاعتها مدّ الجسور بين جزئيات الواقع المقلق وتحولات الإنسان والعالم والتقاط كل التفاصيل، بشكل يُعيد للإنسان وضعيته الاعتبارية.
بهذا المعنى من التّمازج بين المادّة السردية والواقع، تكتسبُ الرواية المغربية هذه الخصوصيّة، وتبقى قريبة، متفاعلة مع السياقات الاجتماعية، ولا نعني بذلك، استنساخ الواقع ومحاكاته ونقله إلى الجمهور بطريقة آلية ميكانيكية وبرؤية ضيقة، لا تحمل بين ثناياها أيّ دلالة ثقافيّة أو اجتماعيّة أو تاريخية، بل يتم تقديمها للقارئ على أنّها تجربة خرساء ومجال فارغ من القيم والدلالات، وهنا تكمن فنيّة المتخيّل السّردي، في قدرته على استكشاف الذات وأدق تفاصيلها الملتهبة، وفي طرْقِ مواضيع غير ملتفت إليها وغير مُفكّرٍ فيها. إن سرّ انجذابنا للرواية، خصوصًا في الألفيّة الثالثة، لا يكمن في أنّها أضحتْ أكثر التحامًا بذائقة التّلقي فحسب، وإنما تقوم أيضًا بإعادة تشكيل خطاب سردي تخييلي يضعنا في تماسٍ مع التّجربة الإنسانيّة ككل. بهذا المعنى من التّوسط في تشخيص الواقع ونقله سرديًا إلى القارئ، يَتَبَيّنُ أن الخيال السّردي يسمح بتجاوز معضلات الواقع الاجتماعي إلى الاهتمام بالرؤية الرّحبة لفنّ الرواية، وكذا النّهوض بالمادة السّردية حتّى تبقى قريبة من نبض الإنسان والعالم، وعلى ضوء هذه الصلة الوثيقة بين الإنسان والعالم، تتحدّد ملامح الفاعليّة السّرديّة في زمنٍ مفتوح على ديناميات كثيرة، ومشدوهٍ إلى روح التّغيير والتّطور، مما يتطلّبُ البقاء في صلب انشغالاتها وما تطرحه من أسئلة عميقة.
على هذا الأساس، تَتَعَيّنُ الرواية بأنها تنهض بوظيفة توسطيّة في نقل الأحداث والوقائع التي يمور بها المجتمع. إن هذه الوظيفة التّوسطية تُسهم في تجذير العلاقة بين النص الروائي والمجتمع، لأنها تُلقي الضوء على صوت الهامش وحق المهمشين والمعوزين في حياة كريمة، من دون شعور بأيّ إقصاء أو تمييز أو حيف، ومن ثم تصير الرواية نصًا مشرعًا على تعددية الأصوات والحوارية والتناصات واللغة المفتوحة على سياقات التغيير والتجدد، ولعل ذلك، يُعطي للنص الروائي قيمته المضافة مُقارنة بباقي الأجناس الأدبية الأخرى، ومن المهم التّشديد، على أن الرواية وهي تقترب من مستندات الهامش الاجتماعي، لا تكف عن اجتراح طرق جديدة في الكتابة وحفز المتخيل على ملاحقة المسكوت عنه فرديًا وجماعيًا، من منطلق الوعي بقيمة السرديات وقدرتها على نقل تفاصيل العالم.
الإحالات:
(1) أمبرتو إيكو: ست نزهات في غابة السرد، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط1، 2005، ص: 204.
(2) عزيز العرباوي: الذاكرة وآليات اشتغالها في الرواية العربية، منشورات دائرة الشارقة، ط1، 2022، ص: 5.
(3) نجاة بوتقبوت: التمثيل السردي النسوي، حوارية الخطاب والمتخيل، رواية "قلادة قرنفل" لزهور كرام نموذجًا، منشورات مكتبة سلمى الثقافية، ط1، 2021، ص: 37.
(4) أأمندلاو: الزمن والرواية، ترجمة: بكر عباس، منشورات دار صادر، بيروت، ط1، 1997، ص: 18.
(5) عزيز العرباوي: الذاكرة وآليات اشتغالها في الرواية العربية، مرجع سابق، ص: 46.
(6) إدريس الخضراوي: الكتابة النقدية عند محمد برادة، المرجعية والخطاب، منشورات أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2020، ص: 282.
(7) كولن ولسون: فن الرواية، ترجمة: محمد درويش، دار المأمون- دار الحرية، بغداد، 1986، ص: 158.
(8) فانسون جوف: شعرية الرواية، ترجمة: لحسن أحمامة، دار التكوين، دمشق، 2012، (مقدمة المترجم)، ص: 7.


تحميل المقال التالي...