}

النوم في أحضان القتلة: جريمة بلا عقاب

سعد القرش 27 أغسطس 2025
آراء النوم في أحضان القتلة: جريمة بلا عقاب
بِن أفليك في مشهد من فيلم Gone Girl


حتى قبل نشر "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي، اقترن العقاب بالجريمة، تاليًا لها، شرطًا لتطهير المجرم، وتطهّره قبل عودته إلى بشريَّته؛ فالقاتل حين يقتل ليس أقل من شيطان يستبد بإنسان. وإعادة التأهيل الآدمي تبدأ أولًا بتنفيذ العقاب، وفي الحد الأدنى الاعتراف بالخطيئة، كخطوة أولى للتصالح مع النفس. والقتل ذروة الجرائم، ولأولياء الدم أن يعفوا، وللمجتمع أن يتمسك بعقاب تقدّره المحكمة. ومن دون هذا العفو أو ذلك العقاب، كيف يستطيع القاتل الاستمرار في حياة خالية من كوابيس الندم؟ أيُّ مشاعر مفرطة تجعل أهل قاتل يتسامحون معه، ويطمئنون إلى النوم في حضنه؟ ذلك يحدث في أفلام عربية وأجنبية، وأحيانًا في روايات تتحول إلى أفلام.

تتعدد أسباب القتل وسياقاته، أكثرها قسوة ما يقترن بسرقة، أو بالتخلص من أذى يمكن تفاديه بوسائل دون القتل. هذا النوع من القتل شخصيٌّ، ينهي حياة إنسان يعرفه القاتل. أما القتل غير الشخصي، في صراع عمومي أو حروب أهلية، فمنزوع الضغائن، القتلة والقتلى أدوات تستهدفهم قوى أكبر منهم، ويجهل القتلة أسماء الضحايا. في تلك الفوضى، والعواصف المانعة للرؤية، تخفُّ وطأة الشعور بالذنب، وتأتي ظروف إنسانية أكثر رحمة تنشر التسامح. هذا النوع الأخير يمثله الفيلم الكولومبي "قتل عيسى" الذي شارك في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (2017)، وقالت مخرجته لاورا مورا آنذاك إن مأجورين قتلوا أباها عام 2002، فغادرت إلى أستراليا، ثم راودها حلم عثورها على شاب يقول إن اسمه يسوع، وإنه قتل أباها.

الجريمة، في فيلم "قتل عيسى"، لا تنطلق من ثأر خاص، ولا حقد شخصي. القتل موضوع، تكليف لقاء ثمن. الفتاة باولا (الممثلة ناتاشا خاراميلو) ترى مقتل أبيها أستاذ العلوم السياسية، وتتمعن في وجه القاتل؛ فتحفظه ذاكرتها، وتهمل الشرطة شكواها؛ فتقرر البحث حتى تتوصل إلى يسوع (الممثل جيوفاني رودريجز). ترى تفاهته وبؤس حياته، ترغب في قتله بشفرة حادة من زجاجة مكسورة، وتقدّر أن قتله بمسدس ينهي ترددها، وتذهب لشراء المسدس فتتعرض للسرقة بالإكراه في حيٍّ فقير، ولا يغيثها لاستعادة المسروقات إلا يسوع، الأدرى بهذه الأحياء. تفكر أنه شاب فوضوي، لديه ميل إلى الشر، ولا يحترف الجريمة. وتخوض اختبارًا أخلاقيًا، وتنجح في ترويض نفسها على التسامح. في المشهد الأخير يخبرها بأنه لم يكره أباها، ولا يعرفه. وهي تكتفي بسبابه وركله.

أعود إلى أسباب شخصية للتخلص من إنسان يعرفه القاتل. جريمة تربك الاستقرار الأسري، فيجري التحايل النفسي، بتواطؤ القاتل مع أهله على الصمت، ما دامت السلطات تجهل الحقيقة، أو لعدم كفاية أدلة إدانة القاتل.

قالت مخرجة فيلم "قتل عيسى" لاورا مورا إن مأجورين قتلوا أباها عام 2002، ثم راودها حلم عثورها على شاب يقول إن اسمه يسوع، وإنه قتل أباها


يبدأ الفيلم الأمريكي "الخائنة Unfaithful" إخراج أدريان لين، بأسرة مستقرة تقيم في إحدى ضواحي نيويورك. كونستانس (الممثلة ديان لين) زوجة المهندس الناجح إدوارد (الممثل ريتشارد جير)، ولديهما ابن في سن التاسعة. تميل الزوجة إلى تاجر الكتب الشاب باول مارتيل (الممثل أوليفر مارتينيز)، وتتطلب المواعدات أن تقطع مسافة كبيرة إلى بيته في وسط المدينة، من أجل علاقة لم ترد فيها كلمة الحب. في البداية تتردد، تذكّره بأن هذا خطأ. لكن منطق الشاب أننا نفعل الأشياء، أو لا نفعلها.

يذهب الزوج إلى الشاب الذي لا يُخفي شيئًا، ويدعوه إلى شراب، وتحت تأثير السكر والصدمة، يضربه الزوج ضربة يفاجأ بأنها مميتة. يُفزعه موت شاب لم يتعمد قتله. ويلقي جثته في مكبّ النفايات. وتعثر الشرطة على رقم هاتف الزوجة على مكتب الشاب المختفي. والزوجة تخبر المحقق بعدم علمها باختفائه. بعد أسبوع يرجع المحقق ليخبر الزوجين باكتشاف جثة الشاب، وتنكر الزوجة أنها دخلت بيته، والزوج أيضًا ينفي معرفته بالقتيل. الزوج متخاذل، ضعيف الشخصية في بيته، ويتأكد للزوجة أنه عرف تفاصيل العلاقة، فتسأله: "هل آذيته؟"، يصمت فتكرر السؤال بلهفة وخوف. يعترف أنه لم يقصد قتله، وأنه ودّ لو قتلها، وأنه سيسلم نفسه؛ فترفض، وتشدد على قدرتهما على تخطي العقبة؛ فلا أحد سيعرف، فيقول: "نحن نعرف".

الجريمة تُثبت أن أي إنسان قد يقتل في لحظة غضب. ولا شيء يشير إلى إدانة الزوج إلا ضميره. لم يخطط، ذهب لائمًا مستفهمًا، ففوجئ بالضربة تفضي إلى الموت. وضميره يحثّه على تسليم نفسه. يتصارع طرفان مذنبان، خائنة قوية الشخصية، تريد الحفاظ على عالمها من الانهيار. المقايضة صامتة: طيّ صفحة الخيانة نظير التستر على قاتل. كفتّا ميزان، معركة نفسية يربحها أقدرهما على الإقناع. في المشهد الأخير يعودان من حفل موسيقي راقص نظمته المدرسة في نهاية السنة. ابنهما في المقعد الخلفي، وفي مهلة انتظار الضوء الأخضر للإشارة تقترح أن يختفيا، أن يبيعا كل شيء، ويهاجرا إلى المكسيك، لم لا؟ تبتسم وتضيف أن بإمكانهما اتخاذ أسماء جديدة. والزوج تستهويه الحيلة؛ فينصت. يتأكد لها الفوز، تعده بأن يتعلّما العزف على الجيتار. والزوج، الذي سكر وغضب فقتل الشاب، تُسكره الكلمات والأماني. في هذه المرة، يقترن السكر بالرضى والسكينة، فيقول إنه سيعزف لها كل ليلة لحنًا غراميًّا حتى تنام.

في نهاية عام 2002، وبعد عرض فيلم "الخائنة" بشهرين، أبلغ زوج في كاليفورنيا عن اختفاء زوجته ليسي بيترسون، وتبين أنه قتلها وهي حامل في الشهر الثامن. الواقعة استلهمتها الكاتبة الأميركية جيليان فلين في رواية "Gone Girl" الصادرة عام 2012، والمصنفة ضمن الأكثر مبيعًا. وبعد عامين قدم المخرج ديفيد فينشر فيلمًا بالعنوان نفسه، وكتبت السيناريو والحوار مؤلفة الرواية. يقع القتل مصادفة، من دون قصد ولا تخطيط، فلا يجد بطلا فيلم "الخائنة" صعوبة في اتفاق غير أخلاقي.

أما فيلم "الزوجة المفقودة Gone Girl" -المقتبس عن رواية "Gone Girl"- فيذهب إلى الأبعد والأكثر تعقيدًا، ويمهّد لذلك بصوت الزوج نيك دان (الممثل بِن أفليك) في المشهد الأول، كأنه يحدث نفسه: "عندما أفكّر في زوجتي، أفكّر في رأسها دائمًا، أتخيل تحطيم جمجمتها الجميلة، وأخرج لفائف مخّها؛ محاولًا الحصول على إجابات عن الأسئلة الأساسية لأي زوج: بماذا تفكرين؟ ما شعورك؟ ماذا فعلنا لبعضنا؟".

في العيد السنوي الخامس لزواجه يفاجأ باختفاء زوجته إيمي الملقبة بالمدهشة (الممثلة روزاموند بايك). خططت للاختفاء، وتركت آثارًا من دمها تدل على أنه قتلها، وهو لا يبدي حزنًا ولا انزعاجًا؛ فتشير أصابع الاتهام إليه بالإدانة. في مذكراتها تسجل الزوجة، الملول العنيدة، أن زوجها كسول، مزاجي وعدواني بعد أن فقد وظيفته، وتركا نيويورك. تنتقم منه بالاختفاء الذكي، في منزل عشيقها السابق ديزي كولينجس (الممثل نيل باتريك هاريس). يكتشف الزوج كذب الزوجة في مذكراتها، وفي علاقتها بإحدى الجارات، ويرجح أنها قررت الاختفاء، فيعلن في مقابلة تلفزيونية أسفه، واشتياقه إليها. تنصت وتصدقه. وكانت قد ضاقت بديزي الذي يريد أن يتملكها في بيته البعيد، فتقتله أثناء مضاجعة دامية. وترجع إلى زوجها وتعانقه أمام الكاميرات، وهي ملوثة بدم ديزي، وتدّعي أنه خطفها واعتدى عليها، وأنها قتلته دفاعًا عن النفس.

في البيت تتأكد الزوجة من عدم وجود جهاز للتنصّت، لتعترف بالقتل العمد. تتودد إليه، ويهدد بتركها، وينوي إعلان الحقيقة. تبتزّه بأنها حامل، باستخدام حيواناته المنوية المحفوظة في عيادة للخصوبة. ويتراجع أمام شعوره بالمسؤولية أمام الطفل القادم، وينتهي الفيلم.

فيلم Gone Girl  مقتيس عن رواية بنفس الاسم للكاتبة الأميركية جيليان فلين، وفيلم Rebecca مقتبس من رواية "ريبيكا" للكاتبة البريطانية دافني دو مورييه


الحلم بالإنجاب ليس سببًا لاستئناف حياة مع زوجة قاتلة. أتحدث فقط عن استئناف الزواج وليس نجاحه. لا يملك الزوج دليلًا على القتل. احتاطت قبل اعتراف شخصي لا تعتد به المحكمة. لكنها أمامه قاتلة، وقبل القتل دبّرت مكيدة الاختفاء بصورة تدينه بقتلها، وكاد الاتهام يودي به. فهل الحلم بالأبوة يستحق التغاضي عن جريمتين؟ قد يكون الفراغ الأخلاقي، في جريمة محدودة، مقدمة لإماتة الضمير، وبداية للاستباحة واستئناس الجريمة. لعل هذا ما ذهب إليه ديفيد فينشر نفسه، عام 2023، في فيلم "القاتل" القادر على التنظير، المؤمن بأن الدنيا غابة، فيها القوي يأكل الضعيف، والإنسان قاتل أو مقتول.

إذا كان بطل "الزوجة المفقودة" ضعيفًا أمام جنين لا يتأكد له أنه من صلبه، فإن الزوجة في الفيلم الإسباني "The Occupant" تكتم الشهادة على طليقها القاتل؛ حفاظًا على ابنهما من التشرد. فيلم "المستأجِر"، الذي أخرجه ديفيد باستور وأليكس باستور عام 2020، يجسد الجريمة الكاملة، بتمكّن خافيير (الممثل خافيير جوتييريس) من قتل رجل بريء، ويحل مكانه في إدارة الشركة، والزواج من أرملته. هذا القاتل تواجهه زوجته السابقة مارجا (الممثلة روث دياز) بأنها ستقدم الدليل إلى الشرطة، فيهددها بإيقاف الحساب البنكي الخاص بدراسة ابنهما، وببيع الشقة؛ لتدبير أتعاب المحامين، وأن الشارع مصيرهما. ولا نعرف ماذا قررت المرأة، لكن الفيلم ينتهي والقاتل يدير الشركة، وينعم في بيت زوجته، أرملة القتيل.

للنوم في أحضان الأعداء تاريخ. أقدم ما توصلتُ إليه في هذا الشأن الفيلم الأميركي "ريبيكا" لألفريد هيتشكوك، والفائز بجائزتي أوسكار إحداهما لأفضل فيلم عام 1940. الفيلم مقتبس من رواية "ريبيكا" للكاتبة البريطانية دافني دو مورييه، وقد نشرت دار الكرمة بالقاهرة ترجمتها العربية هذا العام (2025). وفي عام 2020 قدم المخرج بِن ويتلي معالجة جديدة، بطولة لي لي جيمس في دور فتاة يتيمة يعجب بها الأرستقراطي الأرمل ماكسيم (الممثل آرمي هامر)، ويتزوجها ويأخذها إلى قصره الأشبه بمتاهة قوطية، وهناك تفاجأ الزوجة الساذجة بالحضور الطاغي لزوجته السابقة "ريبيكا" المتوفاة حديثًا بعد غرقها، كما تصطدم بسطوة مديرة منزل تزدريها، وتراها أدنى بكثير من ريبيكا.

زيارة ابن عم ريبيكا للمنزل، في غياب صاحبه، تفجر المسكوت عنه، كما تأتي الأمواج بحطام قارب فيه جثة متحللة، يتبين أنها لريبيكا. وتعيد السلطات فتح التحقيق. ويتشاجر الزوج مع ابن عم ريبيكا الذي يؤكد أبوّته لجنين قتلَه ماكسيم بإغراق ريبيكا. ويعترف الزوج لزوجته بأنه يكره ريبيكا المتسلطة، وأنها ظلت على علاقة برجال منهم ابن عمها، وقد صارحته ليلة الوفاة بأنها حامل من رجل آخر، فانفعل وقتلها برصاصة. ويُفرج عنه لعدم كفاية أدلة الاتهام. وتدعمه الزوجة، وتتمسك بالبقاء مع زوج كان أضعف من أن يطلق زوجته السابقة، فقتلها وأغرق جثتها؛ ليبدو الحادث كأنه انتحار.

في الحروب والصراعات الأهلية، تنتفي مشاعر الكراهية للقتلى. تنتهي الأزمات؛ فيستعيد المتحاربون آدميتهم، وينفرون من دماء يألفها قتلة ماتت ضمائرهم، قد يفضلون القتل على الطلاق. وبدوافع ساذجة أو أنانية يتعاطف معهم شركاؤهم، بل يحتالون في طمأنتهم، حرصًا على كيان اجتماعي هشّ اسمه الأسرة، كما في الفيلم السوداني "وداعًا جوليا" لمحمد كردفاني، إذ يقتل الزوج المتدين العنصري أكرم (الممثل نزار جمعة) شابًّا جنوبيًّا، وبنفوذه وشهادة زور من جاره يثبت أنه كان يدافع عن نفسه. وبعد فترة، وفي نوبة صراحة، تواجهه زوجته منى (الممثلة إيمان يوسف) بأن القتل لم يكن دفاعًا عن النفس.

هل تعكس الآداب والفنون واقعًا أكثر شراسة، لا قيود فيه على الشرور؟ أم تبشّر باعتياد الشر في غابة ذكرها بطل فيلم "القاتل"؟

لعل التطبيع مع القتلة، في كل الأحوال، يرسّخ مفاهيم انتقامية تنتهي بألفة الدماء، واستئناس القتلة، وكذلك باحتمال حضورهم الأسري والاجتماعي غير مثقلين بالشعور بالإثم، تحرسهم أحضان شركاء لا يخشون أن تدور الدائرة، وتشملهم يومًا ما قائمة الضحايا.

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.