في ما اعتبر انفجارًا لتناقضات راكمتها عقود من السياسة الخارجية المنحازة، شهدت الحكومة الهولندية في الأيام الأخيرة أزمة وزارية غير مسبوقة، تمثلت في استقالة وزير الخارجية الهولندية كاسبار فيلدكامب، على خلفية فشل حكومته في تبنّي مواقف أكثر حزمًا تجاه إسرائيل، بسبب حرب الإبادة الهمجية التي تشنها منذ نحو عامين ضد سكان قطاع غزة.
لم تكن استقالة وزير الخارجية متوقعة، لكن ما تبعها هو ما لم يتوقعه أحد على الإطلاق، فقد تلتها استقالات جماعية لثمانية وزراء في الحكومة الهولندية، جميعهم من حزب "العقد الاجتماعي الجديد/ NSC"، الذي ينتمي إليه وزير الخارجية المستقيل، ليصبح الائتلاف الذي كان يقود البلاد في شكل حكومة تسيير للأعمال بقيادة ديك شخوف كرئيس للوزراء، عرضة للانهيار قبل الانتخابات البرلمانية المقرر انعقادها في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.
لم أستطع قراءة هذا الزلزال السياسي الهولندي بمعزل عما نادت به منظمات أوروبية وغربية عديدة لفعل شيء لإيقاف نزيف الدم الفلسطيني خلال الشهور الماضية، ناهيك عن المسيرات اليومية التي لا تزال تشهدها العواصم الغربية، للمطالبة بوقف النار، وإطلاق الرهائن، وإدخال المساعدات الإنسانية. ولكني توقفت كذلك أمام الحراك الذي طاول المشهد الثقافي الهولندي والبلجيكي خلال العامين الماضيين، وأدخل بعض الكتَّاب إلى قاعات المحاكم بعد اتهامهم بمعاداة السامية، كما حدث مع الكاتب البلجيكي هرمان براسلمانس في أيلول/ سبتمبر 2024، كما استعدت عددًا من المقالات التي واظب الشاعر والممثل الهولندي/ الفلسطيني رمزي نصر على كتابتها في الصحف الهولندية والبلجيكية، وطالب فيها بتغيير السردية الأوروبية لما يحدث في غزة والضفة الغربية.
في بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، كتب رمزي نصر مقالًا لافتًا عن الكرامة الإنسانية، هاجم فيه وسائل الإعلام الغربية لانحيازها السافر إلى جانب إسرائيل، وفي نهاية 2024 كتب مقالًا جديدًا حول سردية الإبادة الجماعية في غزة، قال في خاتمته: "عقارب الساعة تتحرك، فانظروا... أو أشيحوا بأبصاركم، ماذا نفعل؟ إذا بقينا صامتين اليوم، سيصبح صمتنا فيما بعد "أيقونة" للعار، ستحفظ إلى الأبد في أرشيف الأجيال القادمة".
اختار وزير الخارجية الهولندية فيلدكامب وزملاؤه المستقيلون ألا يشيحوا بأبصارهم عما يحدث في غزة، بل رفضوا الانصياع لمنطق البراغماتية السياسية العاجزة، رأوا، كما رأى نصر، أن السردية الفلسطينية فضحت زيف السردية الغربية السائدة، التي تختزل الإنسان الفلسطيني إلى رقم مجهول في أفضل الأحوال، أو إلى "شعب مزيف" كما تجرأ أحد نواب اليمين المتطرف الهولندي أن يقول قبل شهور.
كانت استقالة الوزراء الهولنديين، في ظاهرها، اعتراضًا على رفض الشركاء في الائتلاف الحكومي فرض عقوبات أشد على إسرائيل، وخصوصًا حظر استيراد منتجات المستوطنات، ووقف شحنات الأسلحة من هولندا إلى الكيان الصهيوني، لكن جذورها تمتد إلى ذلك السؤال الأخلاقي الجوهري الذي طرحه رمزي نصر، وهرمان براسلمانس، في تمرد على تلك السردية الأحادية التي هيمنت لعقود على السياسة الخارجية الهولندية، والتي جعلت من "الشرق الأوسط" مجرد مسرح لمصالح استراتيجية وأمنية، لا أرضًا يعيش عليها بشر لهم تاريخ وحقوق وكرامة.
كشف رمزي نصر في مقاله الآلية التي تعمل بها هذه السردية: كيف يتم تجريد الفلسطيني من إنسانيته، وكيف يتم تصوير الصراع وكأنه معادلة معقدة بين طرفين متساويين، بينما تقوم آلة عسكرية من أكثر الآلات تطورًا في العالم بطحن شعب أعزل تحت الحصار منذ ما يزيد على ثمانية عقود. فضح نصر زيف "الموضوعية" المطلوبة عندما تكون الأدلة على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ساطعة كالشمس.
شغل وزير خارجية هولندا المستقيل كاسبر فيلدكامب منصب السفير الهولندي لدى تل أبيب في الفترة من 2011 إلى 2015، أي أنه يعرف إسرائيل أفضل من غيره في الحكومة الهولندية الحالية، ورغم ذلك فقد مورست عليه ضغوط عديدة من المعارضة، ومنظمات المجتمع المدني، في الشهور الأخيرة، لوقف الإبادة التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية، وهو ما دفعه إلى اتخاذ قراره المفاجئ بالاستقالة، اعتراضًا منه على رفض شريكيه في الائتلاف الحكومي، حزب "الحرية" الليبرالي (VVD)، وحزب "المواطن المزارع" (BBB)، معاقبة إسرائيل، بحجج واهية مثل "الاستقرار"، و"العلاقات الاستراتيجية"، و"عدم استفزاز الحليف الأميركي"!
اختار فيلدكامب ألا يشيح ببصره عما ترتكبه إسرائيل في غزة، وقدم استقالته محاولًا إنقاذ ما تبقى من مصداقية لبلاده كدولة تحترم القانون الدولي، هنا بالضبط يتقاطع الفعل السياسي الذي اختاره فيلدكامب مع الرؤية الثقافية التي قدمها رمزي نصر، فالصراع لا يدور هنا حول سياسة بعينها، بل حول من يملك حق تعريف الواقع، من يملك السردية؟
يمكننا اعتبار استقالة الوزراء الهولنديين محاولة لانتزاع هذا الحق في تغيير السردية الأوروبية بشكل عام، والهولندية الرسمية على الأخص، من سردية الانحياز غير المشروط لإسرائيل، إلى سردية تقف على أساس القانون الدولي وحقوق الإنسان. إنها محاولة، وإن جاءت متأخرة، لقول كلمة "كفى" لسياسة المعايير الانتقائية، التي تندد بالانتهاكات في أماكن ما من العالم (أوكرانيا مثلًا)، وتغض الطرف عنها، بل وتدعمها، في أماكن أخرى عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
صحيح أن هذا التمرد "السياسي" جاء متأخرًا جدًا، وفي ظل حكومة تصريف أعمال ضعيفة، مما يحد من تأثيره المباشر، إلا أنه كاشف أيضًا عن الشرخ العميق داخل الطبقة السياسية الهولندية، بل داخل المجتمع نفسه، بين من لا يزالون أسرى السردية القديمة، ومن بدأوا يفتحون أعينهم على حقيقة أن الدفاع عن القيم الإنسانية لا يمكن أن يكون انتقائيًا، أصبح من الصعب اليوم تجاهل حقيقة أن هولندا، التي تتغنى بحقوق الإنسان، هي واحدة من أكبر موردي الأسلحة والمكونات العسكرية لإسرائيل، حتى بعد أن أصبحت صور الدمار والموت في غزة تملأ الشاشات لتوخز الضمير العالمي وتوقظه من سباته.
استقالة الوزراء الهولنديين جاءت في هذا التوقيت الحرج من عمر الحكومة الهولندية كاعتراف بهذه المفارقة الأخلاقية المخزية، اعتبرها بعضهم محاولة يائسة لغسل بقعة الدم عن العلم الهولندي، فيما رآها آخرون رسالة إلى الشركاء الأوروبيين مفادها أن هنالك حدًا لما يمكن أن تتغاضى عنه أوروبا، التي شهدت مآسي الحرب العالمية الثانية والإبادة النازية. الرسالة التي وجهها وزراء NSC المستقيلون هي نفسها التي وجهها رمزي نصر في مقاله من قبل: "هذا هو بالضبط ما تبدو عليه الإبادة الجماعية، نحن لا نتدارس الإبادة الجماعية لكي نعايشها بعد ذلك، بل ندرّسها لمنع تكرار حدوثها، وكما هي الحال في كل حالة إبادة جماعية في التاريخ، هنالك إنكار جماعي في الوقت الحالي، لكن الواقع لا يمكن إنكاره، وبمجرد التوصل إلى هذا الاستنتاج، لا يمكن السكوت عنه".
قد تكون استقالة عدد من الوزراء في دولة أوروبية صغيرة حدثًا هامشيًا أمام هول الإبادة التي ترتكبها دولة الاحتلال ضد قطاع غزة اليوم، لكنها تعكس هزة في العمق الأخلاقي للقارة العجوز، وتشير إلى أن السردية القديمة التي دعمت إسرائيل بشكل أعمى لعقود بدأت تتهرّأ، وأن صوتًا جديدًا، صوت الضمير، يطرق باب السياسة بقوة، مدفوعًا بقوة الصورة والصوت والحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها إلى الأبد، كما كتب رمزي نصر، فإن الذين يقتلون الصحافيين والأطباء يريدون قتل السردية نفسها، لكن استقالة وزراء هولنديين تثبت لنا اليوم أن السردية الفلسطينية بدأت أخيرًا في اختراق الجدران السميكة لأروقة السلطة الغربية.


تحميل المقال التالي...