بالعودة إلى "العصر الذهبي"، وإلى "روائع الأدب العالمي"، وحتى عندما يدور الحديث عما يسمّى "كلاسيكيات كلّ العصور"، يتناسى الجميع ما هو بديهيّ. فالأدب لا يبدعه الكتّاب وحدهم، بل والقراء أيضًا. في القرن الثامن عشر، كان هنالك تسلسل هرميّ خاصّ بالأدب يقف على قمته أطروحات ورسائل ومذكرات تاريخية، ومفاهيم فلسفية. في أيامنا، يطلق على هذا النوع من الأدب "الأدب غير الروائي". أمّا اللبنة الاساسية في الأدب المعاصر فهو الأدب الروائي، الذي كان يقبع في الماضي أسفل ذاك التسلسل الهرمي. إلى جانب الرواية، كان هنالك أيضًا نوعٌ آخر يمثّل عالم "الأدب الروائي"، ألا وهو "الحكاية"، وكان الموقف منهما واحدًا تقريبًا. السبب بسيط وواضح: فعلى الرغم من أنّ روايات مثل رواية "ليلى والذئب" كانت مختلفة، لأنّ حبكتها كانت تأسر قلوب القرّاء، وحققت مبيعاتٍ جيدة، مع ذلك لم ير القرّاء فيها أيّ قيمة تذكر.
كان رواج هذا العمل أو ذاك يأتي بسهولة، ولكنه يتلاشى بسرعة. اختفت أسماء الروائيين من الذاكرة، حتى أنّ مؤلفات ضخمة نشرت مع إغفال اسم مؤلفها. بالطبع، نجد اليوم أمثلة لكتبٍ من دون ان تحمل اسم مؤلّفها. ولكنّ هذا تلاعبٌ يلجأ إليه كتابٌ يحاولون إثارة اهتمام القراء بإخفاء هوية المؤلف المفترض أنّه من الكتاب الأكثر انتشارًا.
في عصر الماركيز دو ساد (*)، عمد الكتاب إلى إغفال ذكر أسمائهم على الغلاف، ليس بدافع التواضع، أو الخجل، بل لقناعتهم أنّه لا يشكّل أيّة قيمة مضافة. في القرن الثامن عشر، كانت الكتاب يروجون لأنفسهم في المجتمع بطريقة مختلفة نوعًا ما. على سبيل المثال، كان اهتمام أصحاب الشأن، من أمراء ورجالٍ نافذين، يلاقي ترحيبًا خاصًّا. ومن الغريب أنّ هذا الأسلوب في الترويج المباشر دفع أصحاب السلطة بمرور الوقت إلى القراءة والتفاعل مع الأدب بشكلٍ عمليّ. في بعض الأحيان، كان الأباطرة والملوك ينخرطون في اللعبة، وأصبح عدد منهم بصورةٍ تلقائية عشّاقًا للكلمة وخبراء فيها، حتى أنّ بعضًا منهم دخل في مراسلاتٍ مع الكتّاب، مما عزّز مكانة الأخيرين.
تغيّر الوضع جذريًّا في القرن التاسع عشر، إذ ازداد الأدب تعقيدًا، ولم يعد مجرد تسلية، وفي الوقت نفسه ازداد عدد القرّاء بشكلٍ لا يصدّق. في وعينا الحالي، تبدو هذه الظواهر غريبة ومتناقضة. ونجد في كتب النقد الأدبي، التي لا يقرؤها إلا القليل، بين زحمة المصطلحات كلمات شديدة الارتباط بالواقع: "الواقعية"، التجسيد". على نحوٍ غير متوقع، رأى القراء في القرن الثامن عشر في الروايات انعكاسًا للواقع الذي يعيشونه، ورأوا أنفسهم في أبطالها. في القرن التاسع عشر، بدأت عملية "انفصال" الإنسان عن مفهوم تقييم الأدب، ولكنّ الحاجة إلى تحديد حقيقة الذات لم تختف، بل ازدادت حدّة. فجأةً، أصبح الأدب مرآة يرى الكاتب فيها نفسه ويفهمها، أمّا القارئ فكان يجد في شخصيات الكتب معارفه وأصدقاءه وأعداءه. كان العالم حينئذٍ محبطًا، وبدأ يفقد سحره، فكانت الكتب بمثابة مفتاح طلاسم يتمكن المرء من خلالها من تخطيط حياته. من الواضح أنّ النتائج كانت متباينة للغاية. فقد دفع بطل كتاب "ما العمل" للفيلسوف والكاتب والناقد الأدبي تشيرنيشيفسكي القارئ إلى الانخراط في الحركات الاحتجاجية. أمّا الشباب من محبي جاك باغانيل، بطل روايات جول فيرن، الروائي الفرنسي ومؤلف روايات الخيال العلمي، فقد كانوا مستعدين لأن يصبحوا مدمنين على الجغرافيا، وجاهزين للسفر مدى الحياة. بالنسبة للقرن العشرين، تكمن عظمته أولًا في كونه معرضًا ضخمًا للأبطال، ولأسماء رجالٍ ونساء لم يعد وجودها يقتصر على الكتب. فأبطال رواية "مذكرات بكوِك" (تشارلز ديكنز)، ورواية "غوبسيك" لبلزاك، والكونتيسة ناتاشا روستوف من "الحرب والسلام" لليف تولستوي، تجسدوا أحياء في نظر عشّاق الأدب. دخلت الدول العظمى حروبًا ثقافية غير معلنة، لم تدمّر الأبطال في خضمّها، بل تنافست على خلقهم. على سبيل المثال، يدور حتى اليوم جدلٌ بين علماء التاريح حول ما إذا كانت روسيا انتصرت أم هُزمت في معركة بورودينو قرب موسكو في حربها ضدّ نابليون. في هذه المعركة، حقق الأدب الروسي في القرن التاسع عشر انتصارًا ساحقًا، بإطلاقه دفعاتٍ أدبية صاروخية، مثل روايات "الحرب والسلام"، و"الأخوة كارامازوف"، في حين حقق غوغول وتشيخوف إصابات مباشرة في هذه المعركة الشرسة. كانت نتيجة تلك المعركة أن هيمنت أسماء أبطال تلك الروايات على تفكير معاصري تلك الحقبة بالكامل.
تعد القراءة في حدّ ذاتها مهارة اجتماعية، ليس من السهل التخلّص منها. إنّ مقولة اختفاء القارئ صحيحة وخاطئة في الآن ذاته. فـ"القارئ الحرّ" يتلاشى، ويرتبط معظم مستهلكي الكتب بأنواعٍ محددة من الأدب. غير أنّ حدود النوع الأدبي لا تعني فقط انقسامًا داخليًّا، بل تعني أيضًا موقفًا عامًّا من الواقع الذي يعيشه القارئ. لم تعد القراءة مرتبطة بعالمنا، وأصبح القرّاء لا يريدون رؤية وفهم أوقاتهم الصعبة من خلال كتابٍ. إنّهم يريدون أن يكون الأدب مسليًّا ويبعث الراحة في النفس، لا يريدونه مخيفًا للغاية، بل مضحكًا وممتعًا للعقل.
من هنا، تبرز بقوة إلى الواجهة أنواعٌ أدبية، مثل الخيال، الروايات الرومانسية، وكتب المراهقين.
عند إمعان النظر في أدب اليوم، نجد أنّ جذور هذا السيل اللامتناهي من الملاحم عن أصحاب السيوف والعصي السحرية، وغيرها من الأدوات والوسائل الإلكترونية، تنبع من القصص الخيالية الأدبية من عصر الكاتب الفرنسي شارل بيرو(**). ولكن، وفي كثيرٍ من الأحايين، تشكّل المصادر غير الأدبية، كالأفلام، والمسلسلات التلفزيونية، وألعاب الكمبيوتر، وغيرها، مصدر إلهامٍ لمبدعي القصص المكتوبة. وهذا "الدافع" يضفي على روايات الفروسية الحديثة مسحةً من الملل والإحباط.
يتذكر كبار السنّ العبارة الرائعة: "الكتاب الذي قلب الأمور رأسًا على عقب". اليوم، تبدو هذه المقولة مبالغًا فيها للغاية، بل وسخيفة نوعًا ما. وهنا يكمن الفارق بين "آنذاك" و"اليوم". لقد غيّرت الكتب في السابق الوعي، فاكتسب العالم وقتها سماتٍ جديدة. أمّا اليوم، فالقراءة ليست سوى وسيلةٍ للهروب الذهني، الذي قد يكون مصحوبًا بحركاتٍ جسدية.
ماذا يتبقى للكتاب أن يفعلوه في هكذا ظروف؟ هنالك ثلاثة خيارات مفهومة. وهنالك خيارٌ آخر يسلكه عشاق الجمال اليائسين. الخيار الأول: أن يشيحوا بنظراتهم الحزينة عن مشهد السقوط والنسيان، وأن يحاولوا تفكيك تعقيد أعمال الكاتب الأيرلندي جيمس جويس(***)، معتمدين على فهم خبراء السحر اللفظي البارعين. من الرائع لو كان بعض هؤلاء من ضمن أعضاء لجنة التحكيم في مسابقة تمنح جوائز مالية محترمة. وهنا أيضًا لا تسير الأمور كما يجب من دون اللجوء إلى عناصر السحر والشعوذة. فعملية منح الجوائز تحتاج إلى نقاشٍ مطول وحزين. المشكلة الوحيدة هي أنّ هذه الجوائز تكون في معظم الحالات مجرد دعم معنويّ، فيقتصر الأمر على حصول الكاتب على جائزة "تقديرية"، أو "تذكارية". في أيامنا، يتزايد عدد الكتاب الذي يتباهون بحصولهم على بضعة جوائز، وحزمة محترمة من شهادات التقدير. ولكننا سنجد عند المقارنة الحسابية بين الجوائز، وعدد قرّاء هذا البطل أو ذاك، أنّ محبي الأدب الراقي، كقاعدةٍ عامّة، يجدون أنفسهم أقليّة تدعو إلى الشفقة.
الخيار الثاني: يتفق الواقعيون مع تشخيص الجماليات، ولكنهم يبدون استعدادًا لقبول قواعد اللعبة كما هي عليه اليوم. بعد دراسة متأنية لأعمال كبيرة، يبدأ المؤلف الجديد بـ"صياغة عوالمه"، وينظر إليها بخجل وينشرها على الإنترنت، على منصاتٍ مثل author.today، ويدخل المبدع الناشئ، الذي يمنح هذه المكانة بعد كتابة حوالي 15 رواية، في سباقٍ مثير لجذب انتباه القارئ، يلوح وراء مفهومٍ جذاب وجميل مثل الربح الماديّ.
الخيار الأخير هو الأكثر مللًا، وربما يكون بلا جدوى. اكتب كما لو كان هنالك قارئ يستطيع أن يرى نفسه في روايتك، أو قصّتك، ويتعرّف على عصره من خلالها. من المزايا النسبية لهذا النهج التنافص المستمر في عدد المؤلفين الذين يعملون بـ"الطريقة التقليدية". وهنا يطرح سؤال مزعج نفسه: هل لا يزال هنالك في واقع الأمر من يستطيع أن يقرأ ويرى؟ للأسف الشديد، نعيش اليوم مع جمهورٍ لا يمكن وصفه بالجاهل تمامًا بعالم الأدب، بل هو جمهور مرتاح لما لديه، ولا يشعر سوى باللامبالاة تجاه الآخرين. ومن ناحيةٍ أُخرى، نتساءل: إلى أيّ مدىً لدى الكتاب الرغبة في الكتابة فعلًا؟ وبعد كلّ شيء، عندما يقول كاتبٌ ما إنّ معاصريه توقفوا عن القراءة، فإنّه يعني بذلك أنّهم لايقرأونه.
هوامش:
(*) الماركيز دو ساد: فيلسوف وكاتب أرستقراطي فرنسي (1740 ــ 1814). كان يدعو إلى إشباع الرغبات الجنسية، حتى وإن كان بإذلال وإلحاق الأذى بشخصٍ آخر. ومن اسمه اشتقت كلمة الساديّة، أو Sadism.
(**) شارل بيرو/ Charles Perrault: كاتب وشاعر فرنسي (1628 ـ 1703). أول من وضع حجر الأساس لما سمّاه "الحكاية الخرافية"، من خلال كتابه "ليلى والذئب". من مؤلفاته: الإوزة الأم ــ سندريلا ــ الحسناء النائمة ــ عقلة الإصبع ــ القط ذو الحذاء.
(***) جيمس جويس: كاتب وشاعر أيرلندي (1882 ــ 1943). كانت حياته صعبة ومعقدة للغاية، ومليئة بالمشاكل الاقتصادية. أصيب بمرضٍ أفقده بصره. خضع لـ 11 عملية جراحية، وكانت لديه ابنة أصيبت بمرضٍ عقلي. أمضى سبع سنواتٍ في تأليف كتابه "عوليس" المثير للجدل، والذي يعد اليوم من أبرز الكتب باللغة الإنكليزية في القرن العشرين. ومن أروع ما كتب "جزر القمر".


تحميل المقال التالي...